العلم نبض العالم وحياته
عروة بن الزبير.. قيمة العلم بعد فقْد الجسد
يذكر الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن عروة بن الزبير(1)؛ حيث يقول
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَسْرُدُ
الصَّوْمَ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا بَنِيَّ، سَلُونِي، فَلَقَدْ تُرِكْتُ حَتَّى
كِدْتُ أَنْسَى، وَإِنِّي لَأُسْأَلُ عَنِ الْحَدِيثِ، فَيُفْتَحُ لِي حَدِيثُ
يَوْمَيْنِ.
مَعْمَرٌ، عَنْ
الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ آتِي عُرْوَةَ، فَأَجْلِسُ بِبَابِهِ مَلِيًّا، وَلَوْ
شِئْتُ أَنْ أَدْخُلَ دَخَلْتُ، فَأَرْجِعُ وَمَا أَدْخُلُ إِعْظَامًا لَهُ.
قَالَ
الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ عِيسَى بْنَ طَلْحَةَ
جَاءَ إِلَى عُرْوَةَ حِينَ قَدِمَ، فَقَالَ عُرْوَةُ لِبَعْضِ بَنِيهِ: اكْشِفْ
لِعَمِّكَ رِجْلِي، فَفَعَلَ فَقَالَ عِيسَى: إِنَّا وَاللَّهِ -يَا أَبَا عَبْدِ
اللَّهِ- مَا أَعَدَدْنَاكَ لِلصِّرَاعِ، وَلَا لِلسِّبَاقِ، وَلَقَدْ أَبْقَى
اللَّهُ مِنْكَ لَنَا مَا كُنَّا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، رَأْيَكَ وَعِلْمَكَ، فَقَالَ:
مَا عَزَّانِي أَحَدٌ مِثْلَكَ(2).
الزاوية التي
نبني عليها المقال، هي أن العلم أصبح لعروة بن الزبير مثل الهواء إذا لم يعلم أو
يتعلم يختنق فصار يحث الناس وأبناءه على التعلم، وهذا ما ظهر في موقف عزائه أن
الناس أصبحوا ينظرون إليه أن أعز ما يملكه هو علمه ورأسه هو الأهم للأمة من قوته
وصراعه وفروسيته.
تزخر مدونات
التراث الإنساني والحضاري بقصص العظماء الذين خلد التاريخ أسماءهم في سجلات الفضل،
غير أن الوقوف أمام سير أئمة العلم والفقه يمنح النفس أفقاً مختلفاً من التأمل؛ إذ
لم تكن حياتهم مجرد عبور عابر، بل كانت صياغة عميقة لمفاهيم المعرفة والرسوخ
إيماناً وأثراً، وفي طليعة هؤلاء الأعلام، يتجلى التابعي الجليل عروة بن الزبير بن
العوام، أحد فقهاء المدينة المنورة السبعة، بوصفه الصورة المكتملة للعالم الذي
استحال العلم لديه من مجرد ميراث مكتسب أو وظيفة رسمية إلى حقيقة وجودية يتنفس
بها، ولا يجد ذاته إلا في مدارستها ونشرها، لقد استقر الفقه في وجدانه استقرار
الروح في البدن، حتى صار الانشغال بالتعليم والبث لديه شبيهاً بالهواء الذي يحييه؛
إن توقف عنه خنقته وحشة الراحة، وإن أقبل عليه الطلاب فاضت أوردته ببهجة العطاء.
ولم تكن المكانة
الاستثنائية التي احتلها عروة بن الزبير في المجتمع المدني مبنية على حظوظ القوة
الجسدية، ولا على الفروسية التي ورثها عن أبيه حواري الرسول صلى الله عليه وسلم،
بل إن الأمة جمعاء كانت ترى أن أثمن ما يملكه هذا الإمام يكمن في رأسه المليء
بالهداية والعلم، ولسانه الناطق بالفقه، وعقله الراسخ الذي يزن الأحداث، وحين
ابتلي عروة في جسده بفقد قدمه إثر مرض الأكلة، لم تتغير نظرة الأمة إليه، ولم
تتضاءل قيمته في قلوب معاصريه؛ لأن القوة البدنية لم تكن يوماً معيار وزنه، بل كان
رأسه وفكره وبصيرته هي القيمة التي تطلبها الأمة وتفزع إليها عند النوازل، تقدم
أخباره وأحواله منظومة قيمة متكاملة تؤكد أن بناء الإنسان لا ينتهي بفناء الجسد أو
انتقاص أطرافه، بل يستمر ما دام الأثر المعرفي حياً يتوارثه الخلف عن السلف.
حين يصبح نداء «سَلُونِي» شريان الحياة للإمام
يتسامى المعنى
الشرعي للعلم لدى السلف الصالح عن كونه مجرد وسيلة لتحصيل المآرب، أو التزين
بالوجاهة والمكانة في المجالس الرسمية، ليتشكل كدافع إيماني داخلي يلح على صاحبه
بالبث والنفع، تجسدت هذه الشحنة الذاتية الشديدة لدى عروة بن الزبير حين استشعر
فتور المسألة وانشغال الأبناء عن الاستفادة، فنادى في أهل بيته وطلابه بلسان
الوالد الشفيق الذي يرعبه خمول المعرفة: «يَا بَنِيَّ، سَلُونِي؛ فَلَقَدْ
تُرِكْتُ حَتَّى كِدْتُ أَنْسَى، وَإِنِّي لَأُسْأَلُ عَنِ الْحَدِيثِ، فَيُفْتَحُ
لِي حَدِيثُ يَوْمَيْنِ»، إن المعرفة لدى العالم المخلص ليست مخزوناً ساكناً طريح
الكتب والصدور، بل هي حياة متجددة لا تستقيم إلا بالحوار المستمر وفتح مغاليق
الفهم بالمسألة، فالسؤال ليس مجرد طلب معلومة، بل هو الشريان الذي يستثير المكنون
ويجري الفقه على الألسنة.
وتتكامل هذه
القيمة مع المواقف الناصعة في تاريخ أئمة الرواية الذين رأوا في بذل المعرفة غاية
بحد ذاتها وحاجة روحية لا تطيق الانقطاع، كما رُوي في شغف الإمام إسماعيل بن عياش
وحرصه على إفادة الطلاب طوال يومه دون كلل: « مَضَيْتُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ
عَيَّاشٍ فَرَأَيْتُهُ عِنْدَ دَارِ الْجَوْهَرِيِّ قَاعِدًا عَلَى غُرْفَةٍ
وَمَعَهُ رَجُلَانِ يَنْظُرَانِ فِي كِتَابِهِ فَيُحَدِّثُهُمْ خَمْسَمِائَةٍ فِي
الْيَوْمِ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَهُمْ أَسْفَلَ وَهُوَ فَوْقَ فَيَأْخُذُونَ
كِتَابَهُ يَنْسِخُونَهُ مِنْ غُدْوَةٍ إِلَى اللَّيْلِ قَالَ يَحْيَى: فَرَجَعْتُ
وَلَمْ أَسْمَعُ مِنْهُ شَيْئًا»(3)، إن هذا التدفق الدائم يعكس
الامتثال لمقتضى الميثاق الإلهي الذي بينه الله سبحانه وتعالى بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: 187)، فتتحول عملية التعلم والتعليم إلى واجب شرعي وهدف وجودي،
يترجمه قول الإمام مسعر بن كدام في تحديد الغاية من حمل المعرفة: «من طلب العلم
لنفسه فقد اكتفى، وإن طلبته للناس فأنت في شغل شاغل»(4).
وقوف كبار الأئمة بالأبواب تعظيمًا لمقام الفقه
تتشكل الهيبة
العلمية في نفوس الجلساء والطلاب من خلال الرسوخ الفكري والصدق الإيماني، بعيداً
عن أشكال السلطة المادية أو مظاهر التعالي البشري، يتحدث الإمام الحافظ محمد بن
مسلم الزهري، وهو من كبار أئمة التدوين، عن الأدب الرفيع الذي كان يملأ قلبه تجاه
أستاذه عروة بن الزبير، قائلاً: «كُنْتُ آتِي عُرْوَةَ، فَأَجْلِسُ بِبَابِهِ
مَلِيًّا، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَدْخُلَ دَخَلْتُ، فَأَرْجِعُ وَمَا أَدْخُلُ
إِعْظَامًا لَهُ»، لم يكن الزهري طالباً مبتدئاً، ومع ذلك كان يرى أن إجلال العالم
والتزام الأدب عند بابه هما أساس البركة والمعرفة، وأن الهيبة الشريفة التي تتجلى
في العلماء تجعل الطلاب يتضاءلون بين أيديهم خفوضاً وتوقيراً.
ولم تكن هذه
المهابة حالة فردية خاضعة لطبيعة عروة وحده، بل كانت سمة عامة تكسو مجالس أهل
الفقه والعمل، وتلزم القاصدين بأعلى درجات التوقير، ظهر ذلك فيما رواه عبد الرحمن
بن حرملة عن هيبة إمام التابعين في عصره: «مَا كَانَ إِنْسَانٌ يَجْتَرِئُ عَلَى
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُ كَمَا
يُسْتَأْذَنُ الْأَمِيرُ»(5).
كما تتأكد هذه
الهيبة والوقار الذي يضفيه الله على أهل البيت والعلم فيما وصف به الفرزدق الإمام
علي بن الحسين زين العابدين: يُغضي حياءً ويُغضى من مهابته، ولا يُكلَّم إلا حين
يبتسم(6).
ويزداد هذا
المعنى توثيقاً بما كان من جلال طلحة بن مصرف في أدبه مع شيوخه: «رُبَّمَا جَاءَ
طَلْحَةُ فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَابِ فَتَخْرُجُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةُ، وَتَدْخُلُ
لَا يَقُولُ لَهَا شَيْئًا، فَأَخْرُجُ أَجْلِسُ مَعَهُ فَيَقْرَأُ، فَمَا
ظَنُّكُمْ بِرَجُلٍ لَا يُخْطِئُ وَلَا يَلْحَنُ، فَإِنِ اتَّكَأْتُ عَلَى
الْحَائِطِ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَيَذْهَبُ»(7)، إن سلوك
هؤلاء الأعلام يبرهن على أن التعظيم للمعلّم إنما هو تعظيم للوحي والمعرفة التي
يحملها في صدره.
أثر تعزية عيسى بن طلحة في نفس عروة بن الزبير؟
تكشف المحن
والابتلاءات الجسدية عن حقيقة المعايير التي يقيم بها المجتمع رجاله، وعن البوصلة
التي توجه أنظارهم نحو مكامن القيمة الإنسانية، حين أُصيب عروة بن الزبير بالمرض
في رجله أثناء مقدمه إلى الشام وتقرر بترها، واجه تلك المصيبة بصبر يجل عن الوصف،
مدركاً أن فقدان العضو لا ينقص من قيمته العلمية شيئاً، وتجلت الرؤية الحضارية
المكتملة في العزاء البليغ الذي قدمه عيسى بن طلحة حين زاره قائلاً: «إِنَّا
وَاللَّهِ - يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - مَا أَعَدَدْنَاكَ لِلصِّرَاعِ، وَلَا
لِلسِّبَاقِ، وَلَقَدْ أَبْقَى اللَّهُ مِنْكَ لَنَا مَا كُنَّا نَحْتَاجُ
إِلَيْهِ، رَأْيَكَ وَعِلْمَكَ»، فسُرَّ عروة بهذا الفهم العميق وقال: «مَا
عَزَّانِي أَحَدٌ مِثْلَكَ»، لقد ألغى هذا العزاء النظرة الضيقة التي تحصر الإنسان
في قدراته البدنية، وأعاد التذكير بأن العقول والرأي والخبرة الفقهية هي الذخيرة
الحقيقية التي لا تستغني عنها أمة الإسلام.
ولم يقف هذا
اليقين عند حدود تعزية الزوار، بل فاض من نفس عروة بن الزبير رضاءً وحمداً لله
تعالى على ما أبقاه له من النعم والجوهر، حيث ثبت في أخباره أنه قال: «اللهم إنه
كان لي بنون أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وكان لي أطراف أربعة
فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت فلقد أبقيت»(8).
وتتطابق هذه
القيمة المعنوية الراسخة مع سيرة الإمام عطاء بن أبي رباح، مفتي مكة، الذي جمع في
جسده عاهات متعددة: «كان عطاء أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمي بعد ذلك»(9).
لكن هذه
التشوهات البدنية لم تمنع رأسه من أن يستقر على عرش الفتيا، حتى كان ينادي المنادي
في أيام الحج بمنى: «لا يفتي الناس في الحج إلا عطاء بن أبي رباح»(10)،
وتؤكد هذه الشواهد أن فقدان حواس البدن وقوته لا يلغي أثر العالم الراسخ، بل تبقى
حاجة الأمة متجهة نحو عقله وفقهه.
لماذا قدم عمر ابن عباس على البدريين؟
تقوم فلسفة
البقاء في التراث الإسلامي على مقدار ما يقدمه الفرد من نفع متعد وأثر خالد يتجاوز
حدود العمر الجسدي والإمكانات البدنية، وتتأطر هذه الحقيقة بالمقولة الجامعة لأمير
المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصيته لكميل بن زياد: «العلم يزكو على
العمل والمال تنقصه النفقة يا كميل محبة العالم دين يدان بها العلم يكسب العالم
الطاعة لربه في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته وصنيعة المال تزول بزواله والعلم
حاكم والمال محكوم عليه يا كميل مات خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقى
الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة هاه إن ها هنا لعلما وأشار إلى
صدره لو أصبت له حملة»(11).
إن القوة
المادية والقدرات الجسدية تؤول حتماً إلى الضعف والفناء، بينما الأفكار والعلوم
الشريفة تستعصي على الاندثار، وتستمر في التنامي والازدهار مع تعاقب القرون.
ولم تكن هذه
القيمة خافية على قادة الأمة وفطنائها؛ إذ كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي
الله عنه يقدم الصحابي الجليل عبد الله بن عباس في مجالس كبار البدريين ومشايخ
الصحابة رغم صغر سنه وضآلة بدنه، واضعاً الموزون الفكري فوق مقاييس السن والجسد،
وكان يقول إذا أقبل: «جاء فتى الكهول، وذو اللسان السؤول والقلب العقول»(12).
إن المكانة
العالية التي ينالها أهل المعرفة إنما هي رفعة إلهية مقدورة، تنبثق من قوله جل
جلاله: (يَرْفَعِ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:11)، فالبناء الحقيقي للإنسان ينبثق من استثمار طاقاته الفكرية وغرس الآثار
النافعة التي تبقيه حاضراً في الضمائر حتى بعد أن يغيب بدنه تحت التراب.
استثمار وجود العلماء قبل انقطاع شريان المعرفة
يحمل حث عروة بن
الزبير لأبنائه على طلب العلم رسالة تربوية بالغة الأهمية تحذر من التفريط في
مجالس الأكابر واستنزاف معارفهم قبل رحيلهم، فوجود العالم في الأمة فرصة زمنية
محددة لا تلبث أن تنقضي، ولهذا كان عروة يوصي بنيه بوجوب استثمار الفتوة في
المسألة والتحصيل، قائلاً: «يا بني تعلموا فإنكم إن تكونوا صغار قوم عسى أن تكونوا
كبارهم، واسوأتاه ماذا أقبح من شيخ جاهل»(13)، حيث إن تحصيل الفقه في
الصغر وتعود سؤال العلماء يحميان الإنسان من الوقوع في مآزق الجهل عند الكبر،
ويجعلان منه حصناً فكرياً يرجع إليه قومه.
وتتأكد هذه
الدعوة الحثيثة للمبادرة بالسؤال والاستفادة من أهل العلم بالنظرة إلى الحديث
النبوي الشريف الذي يصور الخسارة الفادحة التي تحل بالمجتمع عند غياب حملة
المعرفة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله لا يقبض العلم انتزاعا
ينتزعه، ولكن يقبض العلماء, حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا،
فسُئلوا, فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»(14).
ويتلاقى هذا
التحذير مع الهداية القرآنية التي تأمر بالرجوع إلى أرباب المعرفة قبل فوات
الأوان، كما في قوله سبحانه: (فَاسْأَلُوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43)، ومن هنا يتوجب
على المؤسسات التربوية والأسر حث الأجيال الجديدة على استخراج الخبرات والعلوم
المكنونة في صدور الشيوخ والمعلمين بالاستفسار والحوار قبل أن تطوى صحائف وجودهم.
لماذا كانت أمنية عروة بالحِجر بث العلم؟
تتجمع الخيوط
المعرفية في سيرة عروة بن الزبير لتؤكد أن المعرفة النافعة هي الوحيدة التي تتحدى
الموت وتتجاوز رحيل الأشخاص، فعندما اجتمع كبار رجالات العصر في الحِجر بمكة
وتمنوا أماني مختلفة تراوحت بين الإمارة والجاه والمتاع، كانت أمنية عروة متجردة
للأثر الخالد، حيث نقلت كتب السير قوله: «أنا أتمنى أن يؤخذ عني العلم»(15)،
لقد تجلت هذه الأمل الرفيع في بقاء فقهه وروايته عمدة لكل من جاء بعده، وغدا علمه
صدقة جارية تثقل ميزانه وتبث الهدى في الأمة.
ويدعم هذا
الاتجاه الحديث النبوي الشريف الذي يحدد الشرايين المستمرة للعطاء بعد انقطاع
الأنفاس، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ
عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ
عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أو ولد صالح يدعو له»(16)، كما يتجسد خلود
الأثر المعرفي فيما وُصف به الإمام النووي ورحلته مع التصنيف والبذل توفي ولم
يتجاوز خمسة وأربعين عاماً، ولكنه صنف تصانيف مباركة نافعة بقيت حية ممتدة في
الأمة، إن غياب الجسد بالوفاة لا يقطع نهر البركة العلمي، بل يظل النفع متجدداً
والمكانة مرفوعة، ليثبت أن الرجال لا يقاسون بطول أعمارهم وأجسادهم، وإنما بما
خلفوه من علم وهدى.
لماذا تنهض المجتمعات بعقول علمائها لا بأجسادهم؟
تؤكد قراءة سيرة التابعي الجليل عروة بن الزبير بن العوام أن العلم حين يستقر في النفس كضرورة وجودية، يتحول صاحبه إلى منار يضيء لأمته، ويغدو وجوده المعرفي أعظم من أثر جسده وحظوظ بدنه، لقد أوضحت مواقف حياته المتعددة، بدءاً من شغفه بالسؤال وبذل الحديث، مروراً بهيبته الراسخة في قلوب أجلاء أقرانه كالإمام الزهري، وصولاً إلى ثباته عند قطع رجله واعتزازه ببقاء عقله ورأيه، أن المعيار الحقيقي لوزن الرجال لا يستند إلى السلامة الجسدية أو القوة البدنية الظاهرة، وإنما يتحدد بما يحمله الإنسان في رأسه من فقه وبصيرة، وما يتركه في مجتمعه من أثر علمي يتوارثه الخلف عن السلف، إن الزاوية المركزية التي قصدنا التركيز عليها تتجلى في ضرورة إعادة ترتيب الأولويات الحضارية والتربوية؛ فالأمم لا تبنى بالأجساد العابرة ولا بالمظاهر البدنية الزائلة، بل بعقول علمائها، ورصانة آرائهم، وحفظ خبراتهم، مما يفرض على المجتمع والمؤسسات المبادرة إلى سؤال أهل المعرفة والتربية على إجلالهم والاستفادة من مخزونهم المعرفي قبل أن يرحلوا، ليبقى أثر العلم حياً متدفقاً في أوردة الأمة عبر العصور.
الهوامش
- 1 عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، ولد سنة 23 هـ، وهو تابعي جليل وأحد فقهاء المدينة المنورة السبعة، أخذ العلم عن كبار الصحابة ومن أبرز شيوخه خالته أم المؤمنين عائشة، وأبوه الزبير، وأبو هريرة، وابن عباس، واشتهر بالفقه والحديث وتدوين المغازي والعبادة والصبر، وسكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 94هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 423).
- 3 مسند ابن الجعد، ص 493 (3440).
- 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 216).
- 5 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 184/ 295).
- 6 الدر الفريد وبيت القصيد (1/ 96).
- 7 مسند ابن الجعد، ص 400 (2734).
- 8 صفة الصفوة (1/ 350).
- 9 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (20/ 76).
- 10 البداية والنهاية (10/ 148).
- 11 جامع الأحاديث (29/ 276/ 32135).
- 12 البداية والنهاية (9/ 57)، وقال ابن كثير أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (10620)، وعنه أبو نعيم في الحلية (1/ 318)، والبلاذري في أنساب الأشراف (3/ 37).
- 13 صفة الصفوة (1/ 349).
- 14 تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب، ص 404.
- 15 المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (6/ 134).
- 16 صحيح مسلم (3/ 1255/ 1631).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً