حين تُفقَد الأسئلة

ماذا يحدث حين لا يُسأل العلماء؟ موقف سعيد بن جبير

لوحة مائية تُظهر سعيد بن جبير متأملًا وسط نور العلم المنبعث من مصباحه وكتبه رمزًا لحيرة المجتمع عند غياب الرجوع إلى العلماء.

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ بفَارِسٍ، وَكَانَ يَتَحَزَّنُ، يَقُوْلُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ(1).

ليس كل حزن ينشأ من فقد شيء يملكه الإنسان لنفسه، فهناك حزن آخر يصيب النفوس الكبيرة حين تشعر أن طاقتها لا تجد طريقها إلى الناس، وهذه الكلمة الموجزة عن سعيد بن جبير تكشف جانبًا عميقًا من شخصية العالم الرباني؛ فقد كان ألمه ليس مجرد ألم غريب بعيد عن وطنه، بل ألم صاحب رسالة يرى العلم الذي حمله بلا طالب، والمعرفة التي أفنى عمره في تحصيلها بلا مستفيد.

وتقع هذه الحادثة في سياق مرحلة مضطربة من التاريخ الإسلامي بعد أحداث فتنة ابن الأشعث وملاحقة الحجاج بن يوسف الثقفي لسعيد بن جبير، كما تذكر كتب السير والتراجم، ولا تهدف هذه القراءة إلى إعادة تقييم تفاصيل الصراع السياسي بقدر ما تنظر في الأثر الإنساني والعلمي للموقف؛ كيف يعيش العالم حين يُنتزع من بيئته العلمية، وكيف يتحول العلم في نفس صاحبه من مجرد معرفة إلى أمانة ومسؤولية.

حقيقة العلم بين أمانة البلاغ وشهرة المكانة

كان سعيد بن جبير من كبار التابعين، واشتهر بالعلم والعبادة والتفسير، وكان من أصحاب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في العلم، ولهذا فإن عبارة: «ليس أحد يسألني عن شيء» لا تُفهم على أنها شكوى من فقدان الشهرة أو المكانة، بل هي تعبير عن إحساس العالم بأن أعظم ما يملكه لم يعد يؤدي وظيفته.

فالعلم في التصور الإسلامي ليس زخرفة ذهنية ولا رصيدًا شخصيًا، وإنما أمانة تؤدى، قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ‌لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: 187)، وإن كان سياق الآية في أهل الكتاب، فإن معنى بيان العلم وعدم كتمانه أصل حاضر في الشريعة، وقد جاءت السنة بالحث على البلاغ والتعليم، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «‌بَلِّغُوا ‌عَنِّي ‌وَلَوْ ‌آيَةً»(2)، بل إن فقد الثواب الناتج عن البلاغ يعد من أهم دوافع السعي نحو الدعوة، فعَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «‌مَنْ ‌دَعَا ‌إِلَى ‌هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا»(3).

ومن هنا يظهر أن العالم الصادق قد يحزن حين يُحرم من التعليم كما يحزن غيره حين يُحرم من متاع الدنيا؛ لأن فقدان فرصة النفع عنده نوع من فقدان المقصد.

كيف يصبح النفع العام أولوية وقت الابتلاء؟

الإنسان في أوقات الأزمات قد ينشغل بذاته: كيف ينجو؟ كيف يحفظ مكانته؟ كيف يخفف ألمه؟ أما سعيد بن جبير فتكشف كلمته أن مركز اهتمامه كان مختلفًا؛ فلم يكن أكثر ما يؤلمه غربته، بل تعطّل أثره، وهذا لون من ألوان السمو النفسي؛ إذ ينتقل الإنسان من دائرة المعاناة الشخصية إلى دائرة المسؤولية العامة، فبدل أن يكون السؤال: ماذا فقدت أنا؟ يصبح السؤال: ماذا حُرم الناس مني؟

وهذا المعنى حاضر في حياة أصحاب الرسالات عبر التاريخ؛ فالأنبياء والعلماء والمصلحون كانوا يحملون همّ البلاغ حتى في أشد الظروف.

فقد قص القرآن خبر يوسف عليه السلام حين جعل من قدرته العلمية سببًا لخدمة الناس فقال: (‌اجْعَلْنِي ‌عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: 55)، فالمعرفة عند أصحاب الهمم ليست امتيازًا شخصيًا، بل وسيلة لإصلاح الواقع.

وهذا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ يَتَّبِعُ الْحَاجَّ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَوْسِمِ وَبِمَجَنَّةٍ وَبِعُكَاظٍ، وَبِمَنَازِلِهِمْ بِمِنى يَقُولُ: ‌«مَنْ ‌يُؤْوِينِي، مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟»(4).

وفي واقع الناس اليوم، يظهر هذا المعنى في كل صاحب خبرة أو موهبة يجد نفسه في بيئة لا تستثمر قدراته؛ فالمشكلة ليست دائمًا في قلة الإمكانات، بل قد تكون في غياب البيئة التي تعرف كيف تستدعي الطاقات.

حين تضيع العقول بسبب إهمال البيئة الداعمة

تكشف قصة سعيد بن جبير جانبًا اجتماعيًا مهمًا: فوجود العالم وحده لا يكفي، كما أن وجود المعرفة وحدها لا يضمن أثرها، لا بد من بيئة تستقبل العلم بالسؤال والتعلم.

إن جملة «ليس أحد يسألني عن شيء» ترسم صورة دقيقة لانقطاع العلاقة بين العالم والمتلقي، فالسؤال ليس مجرد طلب معلومة، بل هو الجسر الذي تنتقل من فوقه الخبرة من عقل إلى عقل، ومن جيل إلى جيل، فعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: «الْعِلْمُ خَزَائِنُ ‌وَمَفَاتِيحُهَا ‌السُّؤَالُ»(5).

ولهذا كانت المجتمعات العلمية عبر التاريخ تقوم على مجالس العلم والحوار والمساءلة، فالعالم يحتاج إلى طالب علم كما يحتاج الطالب إلى العالم؛ لأن المعرفة تنمو بالتفاعل.

وهذا المعنى له تطبيق واضح في المؤسسات التعليمية والعملية المعاصرة؛ فكم من خبرات كبيرة بقيت معطلة لأن أصحابها لم يجدوا مشروعًا أو فريقًا أو بيئة تستثمرها، وإدارة المواهب لا تعني فقط اكتشاف أصحاب الكفاءة، بل وضعهم في السياق الذي يسمح لهم بالعطاء.

دور السؤال في صناعة الحضارة: ماذا نتعلم من سعيد بن جبير

من الدلالات العميقة في الموقف أن الحضارات لا تبنى بالعلم الموجود فقط، بل بالعلم المتداول، فالمعرفة التي لا تجد من يطلبها تبقى حبيسة، مهما بلغت قيمة صاحبها.

ولهذا كان السؤال في التراث الإسلامي جزءًا من صناعة العلم، قال تعالى: (فَاسْأَلُوا ‌أَهْلَ ‌الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43).

فقد كان الصحابة والتابعون يسألون، ويعرضون المشكلات، ويطلبون البيان، وقد يكون هذا البيان من أهم أسس صناعة الحضارة.

ومن أمثلة ذلك ما جاء عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟»، قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ ‌فَانْتَظِرِ ‌السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ ‌فَانْتَظِرِ ‌السَّاعَةَ»(6).

والناظر في هذا الجواب يجد أنه ركيزة من ركائز البناء الحضاري، وهو تولية الأكفاء، وقد أرساه النبي صلى الله عليه وسلم من خلال السؤال.

وقد نال ابن عباس رضي الله عنهما منزلة عظيمة بين الناس بسبب أسئلته وحرصه على التعلم من خلالها، فعن المغيرة قال: قيل لابن عباس: أنى أصبت هذا العلم؟ قال: لسان ‌سؤول، وقلب عقول، وكان عمر رضي الله عنه إذا ذكر ابن عباس قال: ذاكم فتى الكهول، له لسان ‌سؤول وقلب عقول(7).

وأنشد المبرد عن أبي سليمان الغنوي:

فسل الفقيه تكن فقيها مثله    لا خير في علم بغير تدبر(8)

وفي عصرنا، حيث تتضاعف مصادر المعلومات، تبقى مهارة السؤال من أهم مهارات التعلم؛ لأن كثرة المحتوى لا تعني بالضرورة وجود فهم، والبيئة التي لا تتعلم كيف تسأل الخبراء قد تخسر ثروة معرفية لا تعوض.

كيف تكشف الغربة عن معادن الناس؟

كان انتقال سعيد بن جبير بعيداً عن أحبابه وطلابه من أشد عوامل الشعور بالحزن، فهذه غربة حقيقية، حيث قال علي بن الحسين: «‌فَقْدُ ‌الأحبة ‌غربة»(9).

ولم تكن الغربة عند سعيد بن جبير مجرد انتقال مكاني، بل كانت اختبارًا لعلاقته برسالته، فقد وجد نفسه بعيدًا عن المجالس التي كان يُسأل فيها ويُرجع إليه، لكن هذا البعد أظهر مقدار تعلقه بالعلم ونفع الناس.

وهنا يظهر الفرق بين من يطلب العلم لأجل المكانة، ومن يطلبه لأجل الأمانة؛ فالأول يتألم حين يفقد الجمهور، أما الثاني فيتألم حين يفقد فرصة الخدمة.

ولهذا بقيت مواقف العلماء عبر التاريخ شاهدة على أن قيمة الإنسان ليست فيما حوله من الظروف فقط، بل فيما يحمله من معنى داخلي، فقد يعيش الإنسان في موقع محدود لكنه يحمل أثرًا واسعًا، وقد يملك الظروف كلها ولا يقدم شيئًا.

عمق البيان في التعبير عن مأساة أهل الإيمان

من الناحية الأدبية، تتميز العبارة بقصرها الشديد وعمقها الكبير، فكلمة «يتحزن» لا تصف مجرد لحظة عابرة من الأسى، بل تشير إلى ملازمة الشعور بالحزن، ثم تأتي الجملة: «ليس أحد يسألني عن شيء» لتضع القارئ أمام صورة كاملة: عالم واسع العلم، وبيئة لا تستدعي هذا العلم.

وهذه من خصائص البيان العربي؛ أن تحمل الجملة القصيرة معاني واسعة، فليست المشكلة في غياب السؤال فقط، بل في انقطاع الصلة بين المعرفة ومن يحتاج إليها.

كيف تستثمر المجتمعات المعاصرة عقول كفاءاتها العلمية؟

تدل هذه الحادثة على أن أعظم خسارة قد تواجه المجتمعات ليست فقدان المال أو الأدوات فقط، بل فقدان القدرة على استثمار العقول، فالعقول الكبيرة تحتاج إلى بيئات تفتح لها أبواب العطاء، كما تحتاج البيئات إلى أن تتعلم كيف تستفيد من أصحاب الخبرة.

ويدل على ذلك ما كان من موقف أبي حازم سلمة بن دينار مع الخليفة سليمان بن عبدالملك؛ حين بين له أن أصل المأساة في عدم استثمار العقول والعلماء ترجع إلى إهمال السلطة والبيئة لهم وركض العلماء خلف الدنيا، موضحاً كيف تبنى المجتمعات بالعطاء والصراحة، فقال: «إن ‌بني ‌إسرائيل ‌لما ‌كانوا ‌على ‌الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلم وأتوا به إلى الأمراء فاستغنت به عن العلماء، واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا»(10).

وفي الأسرة يظهر ذلك حين لا يُستمع إلى خبرات الوالدين أو المربين، وفي التعليم حين يُهمَل دور المعلم الحقيقي، وفي العمل حين توضع الكفاءات في مواقع لا تناسبها.

إن رسالة سعيد بن جبير ليست أن الإنسان لا يتألم، بل أن الألم يمكن أن يرتفع من مستوى الشكوى إلى مستوى المسؤولية؛ فيصبح الحزن دافعًا لحفظ الرسالة لا سببًا للانكسار.

وتبقى كلمات سعيد بن جبير في فارس صورة نادرة لعالم لم يكن يرى العلم ملكًا له، بل أمانة عليه أن يؤدي حقها، لقد كشف موقفه أن قيمة المعرفة لا تكتمل بمجرد وجودها، وإنما حين تصل إلى من ينتفع بها.

ومن هنا، فإن المجتمعات الناجحة ليست التي تملك أصحاب العلم فقط، بل التي تعرف كيف تستمع إليهم، وتسألهم، وتفتح لهم مساحات العطاء، فالسؤال الذي يوقظ العلم قد يكون في الحقيقة بداية نهضة كاملة.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 324).
  • 2 صحيح البخاري (3461).
  • 3 صحيح مسلم (2674).
  • 4 مسند أحمد (14653).
  • 5 جامع بيان العلم وفضله: ابن عبد البر (1/ 379).
  • 6 صحيح البخاري (59).
  • 7 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 295).
  • 8 أدب الدنيا والدين: الماوردي، ص 70.
  • 9 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: الأصفهاني (3/ 134).
  • 10 تاريخ دمشق: ابن عساكر (22/ 40).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة