حراسة القلوب من انحراف الأفكار
مجاهد بن جبر.. لم يورث ابنه العلم فقط بل زرع فيه اليقين
ساق الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن مُجَاهِد بْن جَبْرٍ(1)؛ فعن
يَعْلَى بْن عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: مَا أَدْرِي
أَيَّ النِّعْمَتَيْنِ أَعْظَمَ؛ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، أَوْ عَافَانِي
مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ.
قُلْتُ: مِثْلَ
الرَّفْضِ وَالْقَدَرِ وَالتَّجَهُّمِ.
وقال يَحْيَى
بْنُ سُلَيْمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنْتُ
عِنْدَ أَبِي فَجَاءَ وَلَدُهُ يَعْقُوبُ، فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ، إِنَّ لَنَا
أَصْحَابًا يَزْعُمُونَ أَنَّ إِيمَانَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ
وَاحِدٌ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، مَا هَؤُلَاءِ بِأَصْحَابِي، لَا يَجْعَلُ اللَّهُ
مَنْ هُوَ مُنْغَمِسٌ فِي الْخَطَايَا كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ(2).
تقدم هذه
المرويات المأثورة جانبًا عميقًا ومفصليًا من شخصية الإمام التابعي مجاهد بن جبر؛
فبعد أن تبدى لنا العالم الذي استوعب القرآن قراءةً وتفسيرًا عن ابن عباس رضي الله
عنهما، يظهر هنا مجاهد صاحب البصيرة العقدية والوعي التربوي الذي يوقن بأن أشد ما
يتهدد البناء العلمي والمجتمعي ليس مجرد الجهل العابر، بل فساد التصورات وانحراف
الموازين التي تُقرأ بها النصوص الشرعية.
فالعالم عند
مجاهد لم يكن مجرد خزانة لتجميع الروايات أو الاستكثار من الآثار، وإنما كان
حارسًا صليبًا لسلامة المنهاج والميزان الذي يُفهم به الدين، ولذا رأى أن نعمة أصل
الإسلام لا تنفك عن نعمة السلامة من الانحرافات الفكرية، وأن العافية النفسية من
الأهواء هي الحصن العصين الذي يضمن بقاء المعرفة هدايةً ونورًا، لا مادةً للخصومة
والشتات.
لماذا تعد السلامة من الأهواء أعظم النعم؟
إن قول مجاهد بن
جبر البليغ: «مَا أَدْرِي أَيَّ النِّعْمَتَيْنِ أَعْظَمَ: أَنْ هَدَانِي
لِلْإِسْلَامِ، أَوْ عَافَانِي مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ» ينطوي على دلالة منهجية
رفيعة في تقويم نعم الله تعالى، فالإنسان قد يحوز رصيدًا وافرًا من المعرفة
والنصوص، غير أنه متى تسربت إليه الأهواء والتعصبات، أضحى يزن الدلائل بميزان
رغباته وخصوماته، فيتحول العلم في حقه من أداة هداية إلى وسيلة لانتصار الأنا.
ومن هنا يظهر سر
اقتران الهداية بالعافية في وجدان مجاهد؛ إذ الهداية إلى الإسلام هي العروة الوثقى
للدخول في الدين، والعافية من الهوى هي الضمانة الكفيلة بصيانة تلك الهداية من
التبديل والانحراف، وهذا المفهوم ينبثق مباشرة من دعاء الراسخين في العلم كما حكاه
القرآن الكريم في قوله تعالى: (رَبَّنَا
لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ رَحْمَتِكَ
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران: 8)، فالخطر الأكبر لا يكمن فقط في
عدم التوفيق للطريق، بل في الضلال والانحراف بعد تبين الهدى.
وقد أدرك أئمة
الصدر الأول أن صيانة الميزان العلمي تتطلب صرامة في الضبط والتحقيق وحماية الوعي
الجمعي من التخليط؛ ولهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى عن
الإكثار غير الضابط في الرواية حتى لا ينشغل الناس عن القرآن الكريم وحقائقه
الأساسية، حمايةً للميزان من الغلط والتخليط، كذلك برز هذا الشفق في تحذير أئمة
النقد كالإمام الذهبي من الانحراف النقدي برواية الغرائب والمناكير: «فَمَنْ رَوَى
ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِبُطْلَانِهِ، وَغَرَّ المُؤْمِنِينَ، فَهَذَا ظَالِمٌ
لِنَفْسِهِ، جَانٍ عَلَى السُّنَنِ وَالآثَارِ»(3)، فالاستقامة عند
مجاهد ليست محطة مقطوعة، بل مسار مستمر يحتاج إلى حراسة دؤوبة للميزان المعرفي.
كيف تعامل مجاهد بن جبر مع نشأة الفرق الكلامية؟
عاش مجاهد بن
جبر في عصر شهد مخاضًا فكريًا وسياسيًا حادًا؛ حيث بدأت تلوح في الأفق ملامح الجدل
المقالي في قضايا القدر والإيمان والصفات، ولم تعد الشواغل محصورة في التلقي
الراتب للتفسير والحديث، بل اقتحمت الساحة أسئلة شائكة هددت السلم الفكري للمجتمع
الإسلامي الأول.
وكان المحك
الخالد للعلماء الراسخين يكمن في كيفية الوقاية من الفتن الفكرية، وحماية العامة
وطلاب العلم من الوقوع في تيه الخصومات العقيمة، فالفارق بين العالم الرباني وصاحب
الجدل الشكلي أن الأول يزن المسائل بميزان العمل والتزكية والهداية، بينما يتحول
الجدل عند الثاني إلى غاية قائمة بذاتها تبدد الطاقة وتورث القسوة.
وقد حذر النبي
صلى الله عليه وسلم من الانحراف الجدلي الذي ينفصل عن الفقه الحقيقي والدين
الخالص؛ ومثال ذلك موقفه الحاسم مع ذي الخويصرة التميمي الذي اعترض بجدل ظاهر
وتشدد شكلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً خطورة الانحراف الفكري: «دَعْهُ،
فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ،
وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يقرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ،
يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ
إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا
يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ - وَهُوَ قِدْحُهُ - فَلَا
يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ،
قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ
مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ
عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ»(4).
ولذا كان مسلك
الصحابة والتابعين حثيثًا في التوجيه إلى لزوم المنهج الأصيل؛ كما تجلى في موقف
الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين أتاه أبو الضحاك وسأله أين
ينزل عند ظهور المحدثات والفرق، فقال له ابن عمر: «إلى الناصية الأولى من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ساروا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا
الشام.. فانظر ما كانوا عليه وأته»(5)، وهكذا وقف مجاهد موقف الحارس
الواعي؛ فلم يجعل علمه التفسيري مضمارًا للماحكة الشبهاتية، بل جعله صرحًا لفهم
التنزيل والتقرب إلى الله.
خطر توظيف النصوص الشرعية لتبرير الرغبات الذاتية
تكشف عبارة
مجاهد عن عمق فهمه للسيكولوجيا البشرية؛ فالخطأ الفكري والتعصب المذهبي لا ينشآن
دائمًا عن العوز المعرفي أو قلة المعلومات، بل ينبثقان في أحيان كثيرة من توظيف
المعارف لخدمة نزوات النفس أو الانتصار للمتبوع والقبيلة.
فقد يمتلك المرء
نصوصًا وافرة وحججًا مفصلة، ولكنه يعيد قراءتها من خلال موقف مسبق أو رغبة حثيثة
في المماراة؛ ولهذا اشفق السلف من آفة الهوى؛ لأن الهوى يقلب الأدلة ويحرف بوصلة
الباحث، فيغدو طلبه للعلم مبررًا لرغباته لا انقيادًا للحق، وهو المنزلق الذي حذر
منه القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ
الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا
يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص: 26)؛ فالنص الشريف يتناول اتباع الهوى مع قيام
الحجة ووجود العلم.
وتتجلى عظمة
الشريعة في تحرير النفوس من فتنة الأهواء والتقليد الأعمى؛ فقد كان المجتمع قبل
البعثة النبوية غارقًا في الأهواء والنزاعات العصبية، حَتَّى صَارَتْ مَسْلَاةً
لَهُمْ..، يَنْتَهِزُونَ لِلتَّسْلِيَةِ، وَقَضَاءِ هَوَى النَّفْسِ نُشُوبَ
حَرْبٍ لَهَا مُسَوِّغٌ، أَوَ لَا مُسَوِّغَ لَهَا، حتى جاء الإسلام بعافيته فحرر
العقول والنفوس مِنَ التَّقْلِيدِ وَالجَهَالَةِ وَالرَّذِيلَةِ، وَجَمَعَهُمْ
عَلَى الْأَخْلَاقِ فَعَمَّتِ الفَضِيلَةُ.. وَزَالَتْ بَوَاعِثُ البُغْضِ
وَالكَرَاهِيَةِ، ومن هنا أيقن مجاهد بن جبر أن سلامة القصد وتجرد الميزان هما
الدرع الأوثق للعالم والفقيه.
كيف تعامل مجاهد تربويًا مع شبهات أبنائه؟
ينعكس الوعي
المنهجي عند مجاهد في الرواية الثانية التي جاءه فيها ولده يعقوب يتساءل عن مقالة
قوم يزعمون «أن إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد»، فجاء رد مجاهد حاسمًا
ومباشرًا: «يَا بُنَيَّ، مَا هَؤُلَاءِ بِأَصْحَابِي»، ليضع معيارًا تربويًا
صارمًا في حماية التناصح والرفقة.
فمجاهد لم
يتساهل مع الفكرة بوصفها وجهة نظر عابرة لا أثر لها في الواقع، بل أدرك أن الأفكار
تصنع الرؤى، وأن الرؤى تشكل العلاقات والصداقات، غير أن هذا الرفض لم يكن بدافع
الخصومة الشديدة، بل كان إرشادات تربوية تحمي ناشئة أهل العلم من مجالسة من يخلطون
المفاهيم، مع فتح أبواب الحوار الهادئ داخل البيت العلمي والأسري.
إن حرص العلماء
والآباء على توريث التلقي الصافي ونقاء المنهج ينبع من واجب حراسة المعرفة؛ ومن
أروع أشكاله ما ثبت في السير عن الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه
كان يعلم بنيه مآثر الحق والمأثور الشريف ويقول لهم: «يَا بَنِيَّ هَذِهِ مَآثِرُ
آبَائِكُمْ، فَلَا تُضَيِّعُوا ذِكْرَهَا»(6).
وقد أرسى الهدي
النبوي هذا المنهج التربوي القائم على الاستقامة والوضوح لضمان سلامة التلقي من كل
دخيل؛ إذ إن المُرَبِّي الَّذِي يُشْرِفُ عَلَى تَرْبِيَةِ أَصْحَابِهِ تَرْبِيَةً
مِثَالِيَّةً يَنْقُلُ مِنْ رُوحِهِ إِلَى أَرْوَاحِهِمْ، وَمِنْ نَفْسِهِ إِلَى
نُفُوسِهِمْ، مَا يَجْعَلُهُمْ يُحَاوِلُونَ الاقْتِدَاءَ بِهِ فِي دَقِيقِ
الأُمُورِ وكَبِيرِهَا، وهكذا جعل مجاهد من بيته مدرسة تربوية تُطرح فيها الأسئلة
الشائكة، ويُرد عليها بالميزان الشرعي المستحكم.
لماذا رفض مجاهد بن جبر المساواة بين الطائع والمذنب؟
تستكمل عبارة
مجاهد بن جبر رده التربوي مبيناً علة تعليله: «لَا يَجْعَلُ اللَّهُ مَنْ هُوَ
مُنْغَمِسٌ فِي الْخَطَايَا كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ»، وهي لفتة منهجية ترفض
الانفصال الجذري بين دعوى الإيمان وبين السلوك والعمل الصالح؛ فالإيمان في التصور
القرآني حقيقة حية تشرق آثارها على الجوارح والأخلاق.
إن اختزال
الإيمان في التصديق المجرد أو التساوي الصوري يلغي الوظيفة التزكية للشريعة، ويهدم
التفاضل القائم على العمل والمجاهدة، وهو المعنى الصريح الذي أشار إليه القول
الإلهي في بيان غاية العبادات وأثرها: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ
الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت: 45)؛ فالصلاة والعبادة
معالم شاخصة تنعكس حتمًا على سلوك العبد ووقوفه عند الحدود.
إن الشريعة
المطهرة تصوغ نموذجًا واقعيًا يترجم الاعتقاد إلى عمل؛ إذ إن أسمى درجات التدين
تتمثل في التلاحم التام بين العقيدة والعمل فَفِيهَا مَا يَنْشُدُهُ المُسْلِمُ، مِنْ
دِينٍ، وَدُنْيَا، وَإِيمَانٍ واعْتِقَادٍ، وَعِلْمٍ، وَعَمَلٍ، وَالزَّارِعُ
وَالصَّانِعُ اللَّذَانِ يَرَيَانِ فِي العَمَلِ عِبَادَةً، ولذا خشي مجاهد من
مقالات الإرجاء والتسوية؛ لأنها تفصم الرباط بين العلم والعمل، وتفرغ التدين من
مضمونة الأخلاقي والتربوي.
كيف نحمي السلم المجتمعي من الاضطراب الفكري؟
لم يكن موقوف
مجاهد بن جبر من الشبهات والأهواء مجرد اختيار فردي للانكفاء على الذات، بل كان
استشعارًا واعيًا لمسؤولية حماية المجتمع من التشرذم والفوضى الفكرية، فالأفكار
المنحرفة متى شاعت دون معالجة، أحدثت شروخًا في الجسد المجتمعي وصرفت الناس عن
البناء الحضاري والعمل الصالح إلى الجدل العقيم.
ومن هنا أصل
النبي صلى الله عليه وسلم قواعد السياسة الشرعية في تقديم دفع المفاسد الفكرية
والاجتماعية وحراسة السلم العام؛ ويتجلى ذلك في موقفه الحكيم حين ترك هدم الكعبة
وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم مراعاةً لقلوب الناس ومنعًا للاضطراب؛ حيث قال
لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «يَا عَائِشَةُ! لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ
حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ
فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ..»(7).
ويتأسس من هذا
الهدي النبوي قواعد منهجية في إدارة الشأن العام وحفظ الأمة من الفتن؛ ومن أبرزها:
- اجْتِنَابُ
وَلِيِّ الأَمْرِ مَا يَتَسَرَّعُ النَّاسُ إِلَى إِنْكَارِهِ، وَمَا يُخْشَى
مِنْهُ تَوَلُّدُ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا.
- وَفِيهِ
تَأَلُّفُ قُلُوبِهِمْ بِمَا لَا يُتْرَكُ فِيهِ أَمْرٌ وَاجِبٌ.
- وَفِيهِ
تَقْدِيمُ الأَهَمِّ فَالأَهَمِّ مِنْ دَفْعِ المَفْسَدَةِ وَجلْبِ المَصْلَحَةِ..».
وعليه، فإن
حراسة الدين وحفظ سلامة القلوب والأفكار هما السبيل الوحيد لاستقرار المجتمعات
واستمرار عطائها الفكري والعلمي.
الترابط بين خدمة التفسير وحراسة الميزان العقدي
تتلاقى المعالم
المعرفية والسلوكية في شخصية مجاهد بن جبر لتقدم أنموذجًا كاملاً للعالم العالم؛
فهو المفسر الذي استوعب القرآن، والقارئ الذي ضُبطت عنه الحروف، والحارس البصير
الذي تفطن لخطورة الانحرافات العقدية والفكرية.
فلم يكن مبتغاه
الشهرة أو الذيوع في المجمعات، بل كان همّه الأسمى أن يظل العلم سببًا للهداية
وسكينة الأرواح، ولهذا كان يرى أن أعظم المنن الإلهية هي أن يمن الله على العبد
بالإسلام، ثم يسبغ عليه عافية تامة من الأهواء التي تفرق الكلمة وتصرف عن المقاصد
الشريفة.
وهذا التكامل هو
نتاج المدرسة النبوية السامية التي صنعت رجالات جمعوا بين عمق المعرفة وسلامة
المسلك؛ ولَقَدْ كَانَتِ السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ مَدْرَسَةً تَخَرَّجَ فِيهَا
أَمْثَلُ النَّمَاذِجِ البَشَرِيَّةِ..، وَالعَالِمُ العَامِلُ، وَالفَقِيهُ
البَارِعُ، وَالعَاقِلُ الحَازِمُ، وَالحَكِيمُ الَّذِي تَتَفَجَّرُ مِنْ قَلْبِهِ
يَنَابِيعُ العِلْمِ وَالحِكْمَةِ، فالصورة المتكاملة للعالم الراسخ لا تكتمل إلا
بأن يقترن الفهم العميق للوحي بسلامة النهج وطهارة القلب من كل ما يشين الإخلاص.
تكشف كلمات الإمام مجاهد بن جبر عن فهم استثنائي لحقيقة البناء الإنساني؛ إذ لا يكفي أن يحصل المرء المعرفة، بل لا بد أن يسير في طريق معافى من الشبهات والأهواء التي تعطل أثر العلم في النفس والمجتمع، فقد علم مجاهد أن نعمة الهداية إلى الإسلام تحتاج إلى حراسة دائمة بعافية القلب، حتى لا تتحول المعرفة إلى خصومة والتدين إلى اضطراب، وهكذا يظل مجاهد بن جبر رمزًا ملهمًا للعالم الذي جمع بين حراسة التنزيل تفسيرًا، وحراسة الفهم سلامةً وإخلاصًا، ليؤكد عبر سيرته الخالدة أن سلامة القصد والميزان هي تاج المعرفة وحصنها الأكيد.
الهوامش
- 1 مجاهد بن جبر المكي المخزومي مولاهم، ولد سنة 21هـ، وهو تابعي جليل وإمام المفسرين والمقرئين ومولى عبد الله بن عباس، اشتهر بالتفسير والتأويل والقراءات والحديث، حيث عرض القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات يوقفه عند كل آية، وسكن مكة المكرمة وتوفي بها وهو ساجد سنة 104هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 450).
- 3 المرجع السابق (2/ 602).
- 4 صحيح البخاري (3/ 1321/ 3414).
- 5 تاريخ دمشق لابن عساكر (1/ 99).
- 6 مختصر تاريخ دمشق (2/ 186).
- 7 مسند أحمد (43/ 153/ 26029).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً