العنوان مصلحة الدّعوة يحددها منهج الله
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أغسطس-1974
مشاهدات 41
نشر في العدد 212
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 06-أغسطس-1974
كان يلقي درسًا بين الشباب.. وكانوا حوله في
حلقة.. يستمعون بإنصات.. والحديث عن الطاعة.. والفقرة عن طاعة الله ورسوله.. كان
مسترسلًا في الحديث.. ومن خلال الصمت الذي يسود المجلس.. والهدوء التام.. فجأةً..
رفع أحدهم يده طالبًا السؤال.. وكان هذا الشاب ملتحيًا.. فأخذ يسأل:
- بما
أننا مكلفون بطاعة الله ورسوله.. وفي كل الأوامر الثابتة.. سواء كان الأمر
أساسيًا أو فرعيًا - هذا كما ذكرت - فلم لا يزال بعض الإخوة - بلا مؤاخذة -
يحلقون لحاهم بالرغم من نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلقها.. وأمره
بإطلاقها.. وجمهور الفقهاء مجمعون على منع حلقها حتى بلغ أحدهم إلى أن حلقها
كبيرة؟
ساد الصمت من جديد.. وكان الأنظار محدقة
صوبه.. أنظار كلها دهشة.. فقد كان محدثهم حليق اللحية.. وبعد لحظة صمت.. أجاب
المحدث: يا أخي.. من ترك لحيته فقد أصاب السنة.. ومن حلقها فهو مقصر... وإذا نحن
بدأنا...
قاطعه السائل قائلًا - وكان حماس ما في حديثه:
- ولكن
درسنا اليوم عن طاعة الله ورسوله.. وكما ذكرت منذ قليل أن رواد الدعاة
والدعاة بأنفسهم لا سبيل لهم إلى التلكؤ في تنفيذ أوامر الإسلام.. ولا حجة
لهم في التقصير..
أجاب مقاطعًا والغضب في حديثه:
- يا
أخي هذه المسألة تدخل ضمن باب مصلحة الدعوة.. ونحن إزاء مصلحة الدعوة مضطرون
إلى التعامل مع المجتمع بطريقة لا تنفره منا.. وأنت لو كنت درست الأصول لعلمت
أن الفقه مليء بهذا.. فمن مصلحة الدعوة أن... إلخ..
هكذا انطلق يبين مصلحة الدعوة.. واسترسل في
الحديث.. وبعدها خرج الشاب محرجًا من عنف جواب المحدث.. وكما لو كان مكرهًا على
الاقتناع.
المسألة المطروحة بين السائل والمجيب ليست هي
حديثنا.. ولا شأن لنا بها حاليًا.. فهذه المسألة ليست بجوهرية في أساس الدعوة
بالرغم من أهميتها.. ولكن المسألة الجوهرية التي تمس الدعوة بذاتها هي الحجة التي
تعلق بها المحدث.. ألا وهي مصلحة الدعوة.
من أين جاءت مصلحة الدعوة؟
من الطبيعي أن يكون العاملون بالدعوة متحمسين
لدعوتهم.. وأن يكون أحب شيء إلى نفوسهم أن يجتمع الناس على دعوتهم.. وأن ينقلوهم
من الواقع الآسن الذي يعيشون فيه إلى الحياة في منهج الله.. وهذا ليس باليسير..
فالطريق مليء بالعقبات وعبء الدعوة ثقيل جدًا.. والدعاة بشر محدودو الأجل.. فيود
أولئك الدعاة لو أنهم جذبوا الناس إلى دعوتهم بأسرع الطرق والأساليب.. ولكن الناس
لهم عادات وتقاليد وموروثات.. قد تكون عائقًا في سبيل الدعوة.. ومانعًا في تحقيق
تلك الرغبة.. فيود أولئك لو هادنوا الناس وسكتوا مؤقتًا عن تلك التقاليد.. لعل
بعدها يتضح للناس الهدى.. فإن دخلوا مجال الدعوة أمكن صرفهم عن تلك التقاليد..
والناس قد تكون لهم رغبات في نفوسهم...
ونزوات.. فيود أولئك لو أنهم جاروهم بشيء يسير من رغباتهم ونزواتهم.. رجاء
استدراجهم إلى الدعوة على أمل فيما بعد أن تتم التربية الصحيحة التي تطرد تلك
الرغبات.
ويودون الكثير من أجل نشر الدعوة.. ومن أجل
مصلحة الدعوة. ومن جانب آخر.. يجد الدعاة أنفسهم مستضعفين.. وأن لا حول لهم ولا
قوة أمام هذا الطغيان.. وأنهم مضطهدون وأن الشر متبجح شرس.. منتشر في كل مؤسسات
الدولة.. فيود أولئك الدعاة لو أنهم لجأوا إلى أساليب تمكنهم من بعض هذه
المؤسسات... لتكون لهم قوة يدرؤون بها الأخطار عن الدعوة.
ويرى أولئك الدعاة أن الفساد يعرقل طريق
الدعوة.. وأن هذا الفساد يسيل من فوق.. من السلطة فيود أولئك لو أنهم تسللوا إلى
السلطة.. أو تعاملوا مع الطواغيت بالود والاحترام من أجل تخفيف الفساد ومن أجل
مصلحة الدعوة.
كل هذا يتم على حساب منهج الدعوة الأصيل.. وكل
هذا من أجل مصلحة الدعوة.
ترى هل مصلحة الدعوة تستحق بأن نفرط بالمنهج
الذي رسمه الله للدعاة؟
ترى هل من مصلحة الدعوة أن نحيد - ولو بقليل -
عن أوامر الله؟ هذا ما سنناقشه.. وقبل كل شيء سندخل من منهج الدعوة الأصيل.. الذي
انتهجه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته.. ونرى بعد ذلك.
الرسول صلى الله عليه وسلم ومصلحة
الدعوة
عن عائشة قالت: «أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾
في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول
الله أرشدني.. وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول: أترى بما أقول
بأسًا؟ فيقول: لا، ففي هذا نزلت»(1).
إن الله جل وعلا ما أراد لنبيه أن يحيد عن
منهج الدعوة الأصيل.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يريد أن يصد عن ابن أم
مكتوم رضي الله عنه.. إنما كان همه الأول مصلحة الدعوة.. ونجاحها وانتصارها بكسب
وجهاء قريش... ولكن الله جل وعلا علم نبيه طريق الحق.
وعن سعد بن أبي وقاص قال: «كنا مع النبي صلى
الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا
يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمهما،
فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الأنعام: 52)»(2).
هل كان من مصلحة الدعوة أن يجاريهم صلى الله
عليه وسلم في رغباتهم ونزواتهم؟ هل كانت مصلحة الدعوة أن يطردهم صلى الله عليه
وسلم ولو للحظات بسيطة منها تكسب الدعوة وجهاء قريش؟ إنها لحظة بسيطة لتخطي أصول
الدعوة المستقيمة.. تلك اللحظة لم يرضها الله لنبيه فنزل الوحي يرسم الطريق
السليم.
وهكذا رد الله كيد الشيطان، ورد للدعوة
موازينها الدقيقة وقيمها الصحيحة، وصحح تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس: «إن قريشًا دعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء
فقالوا: هذا لك يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنا نعرض
عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة
قال: حتى أنظر ما يأتي من ربي. فجاء الوحي من عند الله ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (الكافرون: 1-2) وأنزل ﴿قُلْ
أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ (الزمر: 64)»(3).
وعن سعيد بن ميناء مولى أبي البحتري قال: «لقي
الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ونشترك نحن وأنت
في أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظًا،
وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظًا؟ فأنزل الله
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الكافرون: 1) إلى آخر السورة»(4).
وفي حديث لابن عباس «اجتمع عليه من أشراف قريش
- وعدد أسماءهم - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد
فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه: - إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك
ليكلموك، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعًا وهو يظن أنه قد بدا لهم في
أمره بدء، وكان حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم. فقالوا: - يا
محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله لا نعلم رجلًا من العرب أدخل على
قومه ما أدخلت على قومك. لقد شتمت الآباء وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت
الآلهة، وفرقت الجماعة، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك. فإن كنت
إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن
كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان
هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن
الرئي - فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون. ما جئتكم بما جئتكم به أطلب
أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليّ
كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن
تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله
حتى يحكم الله بيني وبينكم»(5).
نرى من هذه الروايات كلها أن الرسول صلى الله
عليه وسلم كان بإمكانه التسلل إلى سلطانهم من أجل تخفيف العذاب على أصحابه.. من
أجل مصلحة الدعوة كان يستطيع أن يفعل كل هذا.. ولكن الله أبى أن يكون ذلك.. وشاء
الله أن تسير الدعوة على طريقها القويم.. وفق موازينها الدقيقة.
مصلحة الدعوة هي تنفيذ أوامر الله
إن منهج الله هو الحق وإن أوامره ونواهيه نزلت
بالحق.. لا مجال للوهم فيها.. فالذي يسير على نهج الله يعلم ابتداءً أنه يسير على
بينة من ربه.. والذي ينفذ أوامر الله يعلم أنه يتعامل بالحق.
والله جل وعلا عندما أمر عباده أن يسلكوا منهج
الدعوة الصحيح.. كان في علمه المصلحة الحقيقية.. وعندما أمر ونهى كان يعلم أن
المصلحة تكمن في التنفيذ المطلق.
أما مصلحة الدعوة المزعومة.. فهي عبارة عن
اجتهاد ظني.. بكل معاني الظن.. وما كان لظن البشر أن ينسخ الحق المنزل مع الوحي..
ومتى كان تعطيل أوامر الله في مصلحة الدعوة؟
ومتى كان الإغضاء عن بعض منهج الدعوة في مصلحة
الدعوة؟ إن المصلحة الأساسية في الدعوة هي ألا نعطل قول الله.. وألا نتلكأ في
تنفيذ أوامره.
والذين يتعاملون بمصلحة الدعوة.. ويتخطون
موازينها الدقيقة مع حرصهم وإخلاصهم... يغفلون عن نقطة هامة.. وهي أن النتائج غيب
من علم الله.. فما أدراهم أن النتائج ستكون في مصلحة الدعوة لو أنها جارت الناس في
رغباتهم أو تخطوا المنهج الصحيح؟
ولكننا نحن نجزم أن النتائج ستكون في مصلحة
الدعوة لو نفذنا مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة.. هذا ما نجزم به.
وفي نهاية المطاف ننبه على نقطة هامة هي أن
الشيطان يبدأ عمله من مصلحة الدعوة ومن خلال التعامل معها.. فإنها فرصته للكيد
بالدعوة وتحويلها عن قواعدها وإلقاء الشبهات حولها في النفوس.. فعندما تتلكأ النفس
عن تنفيذ أمر ما.. يبدأ الشيطان بتزيين هذا الأمر وتصويره أنه من مصلحة الدعوة..
وما أدهى الشيطان في تبديل الأمور والدوران حول المعاني.
وفي نهاية المطاف أنقل هذه الفقرة للأستاذ
الشهيد سيد قطب رحمه الله!:
«إن كلمة «مصلحة الدعوة» يجب أن ترتفع من
قاموس أصحاب الدعوات لأنها مزلة ومدخل للشيطان يأتيهم منه، حين يعز عليه أن يأتيهم
من ناحية مصلحة الأشخاص، ولقد تتحول «مصلحة الدعوة» إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة،
وينسون معه منهج الدعوة الأصيل. إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على منهجها
ويتحروا هذا المنهج دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوح لهم أن
فيها خطرًا على الدعوة وأصحابها. فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف
عن النهج بسبب من الأسباب سواء كان هذا الانحراف كثيرًا أو قليلًا. والله أعرف
منهم بالمصلحة، وهم ليسوا بها مكلفين.. إنما هم مكلفون بأمر واحد، ألا ينحرفوا عن
المنهج وألا يحيدوا عن الطريق».
الهوامش:
(1) أخرجه مالك والترمذي وحسنه وابن المنذر
وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه - فتح القدير 386/5.
(2) مختصر صحيح مسلم 197.
(3) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني -
فتح القدير 508/5.
(4) أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن
الأنباري في المصاحف - فتح القدير 508/5.
(5) رواه يونس وزياد عن ابن إسحاق عن محمد بن
أبي محمد عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس - البداية والنهاية 50/3.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل