حين يصبح المجلس مدرسة للأخلاق
حماية المجالس من الغيبة.. موقف سعيد بن جبير
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ:
أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُ أَحَداً يَغْتَابُ عِنْدَهُ(1).
يمثل هذا الأثر
القصير صورة مكثفة من صور التربية العملية عند كبار التابعين؛ فالموقف لا يتحدث عن
ترك الغيبة فقط، بل عن صناعة بيئة أخلاقية يكون فيها الكلام مسؤولية، ويكون المجلس
موضع بناء لا موضع استهلاك للسمعة والطعن في الغائبين، ومن خلال هذا السلوك
المنقول عن سعيد بن جبير تظهر ملامح شخصية علمية جمعت بين الفقه والزهد وقوة
الموقف.
كان سعيد بن جبير من أعلام التابعين، أخذ العلم عن عدد من الصحابة وفي مقدمتهم عبد الله بن
عباس رضي الله عنهما، واشتهر بالعلم والعبادة والثبات، وقد عاش في زمن كثرت فيه
الاضطرابات السياسية والاجتماعية في الدولة الأموية، وكانت الكوفة خاصة من البيئات
التي شهدت نقاشات وصراعات متعددة؛ ولذلك كان ضبط اللسان في مثل هذه الظروف تحديًا
أخلاقيًا لا مجرد فضيلة فردية.
المفهوم الدقيق للغيبة وحكمها في الكتاب والسُّنة
الغيبة: أن
تذكر أخاك من ورائه بما فيه من عيوب يسترها ويسوؤه ذكرها(2)، وتذكر
المعاجم أن الغيبة هي: ذكر مساوئ الإنسان في غيبته وهي فيه، وقيل: الغِيبة: بكسر
الغين أن تذكر أخاك بما يكرهه، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد
بَهَتَّه، أي قلت عليه ما لم يفعله(3)، ومن أحسن تعاريفها: ذكر العيب
بظهر الغيب(4).
وقد نهى الإسلام
عنها وحذر منها، حيث قال تعالى: (وَلَا
يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا
فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (الحجرات: 12).
ومعنى ذلك أن
الغائب قد وضع عرضه عند الحاضر بمنزلة الميتة، ليس دونه من يدافع عنه، ولا يناضل
دونه، فإذا رضي الإنسان لنفسه أن يغتاب فقد قام مقام أكل الميتة التي ليس فيه حراك
يدفع عن نفسها، فمعنى الآية: من كان منكم يرضى أن يأكل لحم الميتة، فإن عرض الغائب
في معنى الميتة(5).
وعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «ذِكْرُكَ
أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟
قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ
فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ»(6).
كيف حوّل سعيد بن جبير مجلسه إلى حصن لحماية الأخلاق؟
قول الذهبي: «كان
لا يدع أحدًا يغتاب عنده» يكشف عن منزلة تتجاوز مجرد اجتناب المعصية الشخصية؛
فسعيد بن جبير لم يكن يراقب لسانه فقط، بل كان يحرص على ضبط المجال الذي يجلس فيه،
فالإنسان قد يمتنع عن الخطأ بنفسه، لكن أصحاب النفوس العالية يسعون إلى تقليل
انتشار الخطأ في محيطهم.
وفي حديث القرآن
الكريم عن الغيبة في قوله تعالى: (وَلَا
يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا) (الحجرات: 12)، نجد أن النهي جاء بصيغة تحفظ
المجتمع كله من أثر هذا السلوك، لأن الغيبة لا تقف عند حدود الكلمات، بل تترك
آثارًا في الثقة والعلاقات والقلوب.
ومن هنا يظهر أن
مجلس العالم ليس مجرد مكان لتلقي المعلومات، بل هو بيئة تربوية تتشكل فيها الأخلاق
من خلال المواقف اليومية.
وفي ذلك وَقَالَ
الشَّعْبِيُّ: مَا جَلَسَ الرَّبِيعُ فِي مَجْلِسِ قَوْمِهِ مُنْذُ تَأَزَّرَ،
وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُظْلَمَ رَجُلٌ فَلَا أَنْصُرَهُ، أَوْ يَفْتَرِي رَجُلٌ
عَلَى رَجُلٍ فَأُكَلِّفَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ، أَوْ لَا أَغُضَّ الْبَصَرَ،
أَوْ يَقَعَ عَنِ الْحَامِلِ فَلَا أُحْمَلُ عَلَيْهِ(7).
لماذا تحتاج مواجهة الغيبة إلى قوة نفسية؟
الامتناع عن
الغيبة قد يكون سهلًا على الإنسان حين يكون وحده، لكن منعها حين تصدر من الآخرين
يحتاج إلى شجاعة أخلاقية؛ لأن الإنسان قد يخشى أن يُتهم بالتشدد أو أن يخسر قبول
الجماعة.
كان سعيد بن جبير يدرك أن الصمت أمام الغيبة ليس موقفًا محايدًا دائمًا، فقد يتحول السكوت إلى
مشاركة غير مباشرة في نشر الأذى، لذلك كان يتدخل ليضع حدًا لهذا السلوك، محافظًا
على صفاء المجلس وسلامة القلوب.
وهذا يكشف عن
جانب مهم من بناء الشخصية؛ أن القيم الحقيقية تظهر عندما تتعارض مع ضغط البيئة، فالإنسان
الذي يملك معيارًا أخلاقيًا ثابتًا لا يجعل رضا الناس مقدمًا على ما يراه حقًا.
وقد حرص النبي
صلى الله عليه وسلم على مواجهة الغيبة بحسم وحزم، فعَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا.. تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: «لَقَدْ
قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ»(8).
قال النّوويّ:
اعلم أنّه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردّها ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام
زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللّسان، فارق ذلك المجلس(9).
كيف يصنع السلوك الفردي قيادة أخلاقية مؤثرة؟
قد يظن بعض
الناس أن القيادة مرتبطة بالمناصب أو كثرة الأتباع، لكن مواقف العلماء تكشف أن
القيادة تبدأ من القدرة على صناعة معيار داخل دائرة التأثير.
فسعيد بن جبير
لم يكن بحاجة إلى سلطة رسمية حتى يحمي مجلسه من الغيبة؛ فقد كانت مكانته العلمية
والأخلاقية تمنحه تأثيرًا يجعل الحاضرين يراجعون طريقة حديثهم، وهذه صورة من
القيادة بالقدوة، حيث يكون سلوك الشخص نفسه هو القانون الذي يتعلم منه الآخرون.
ومن ذلك ما روي
عن الحسن أن رجلاً قال له: إن فلانا قد اغتابك، فعبث إليه رطباً على طبق، وقال قد
بلغني أنك أهديت إليّ من حسناتك، فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر
أن أكافئك على التمام(10).
وفي واقع
المؤسسات والأسرة والتعليم اليوم، تظهر أهمية القيادة التي لا تسمح بالغيبة؛
فالثقافة التي تسمح بالاستهزاء بالآخرين أو الطعن في غيابهم تتحول تدريجيًا إلى
بيئة فاقدة للثقة، أما البيئة التي تحترم الغائب وتحفظ اللسان فإنها تبني علاقات
أكثر استقرارًا.
كيف تؤدي حماية الغائب لبناء الأمان الاجتماعي؟
الغيبة ليست
اعتداءً على فرد فقط، بل هي إضعاف لرأس المال الاجتماعي بين الناس؛ لأن الشخص الذي
يسمعك تتحدث عن الآخرين بسوء قد يشعر أن دوره سيأتي لاحقًا، ولهذا كان منع سعيد بن جبير للغيبة عنده نوعًا من بناء الأمان الأخلاقي، فالحاضرون يتعلمون من موقفه أن
المجلس الذي يجمعهم ليس مساحة لتبادل العيوب، بل مساحة للعلم والإصلاح، وسبيل إلى
سلامة النفس والغير.
قال الشاعر:
إذا شئت أن تحيا
ودينك سالم وحظّك موفور وعرضك صين
لسانك لا تذكر
به عورة امرئ فعندك عورات وللنّاس
ألسن
وعينك إن أبدت
إليك معايبا لقوم
فقل: يا عين للنّاس أعين
وصاحب بمعروف
وجانب من اعتدى وفارق ولكن بالتي هي
أحسن(11)
وإذا كان رفض
الغيبة سبيلا إلى السلامة والصلاح في الدنيا فإنه أسلم في الآخرة، فعن أَبِي
الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ
القِيَامَةِ»(12).
أما مصير
المغتابين فقد صورته السُّنة النبوية الشريفة فيما رواه أنسِ بنِ مالك رضي الله
عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لما عُرج بي مررتُ بقوم لهم أظفارٌ
من نُحاسٍ يخمُشونَ بها وجُوهَهُم وصدُورَهُم، فقلت: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هؤلاء
الذين يأكلُون لحومَ الناس، ويقعونَ في أعراضِهِم»(13).
والمعنى العام
الذي تهدف إليه الأحاديث هو تعظيم حماية أعراض المسلمين وكف الأذى عنهم.
ضبط اللسان في زمن الضجيج
تزداد قيمة هذا
الخلق في العصر الحديث؛ فوسائل التواصل جعلت نقل الكلام أسرع، وأصبح الإنسان
قادرًا على نشر حكم أو تعليق يصل إلى عدد كبير من الناس خلال لحظات.
ومن هنا يصبح
نموذج سعيد بن جبير حاضرًا بقوة: قبل أن يكتب الإنسان أو ينقل أو يعلق، يحتاج إلى
أن يسأل هل هذا القول إصلاح أم تشهير؟ هل هو نصح أم تتبع للعورات؟
وفي السُّنة
النبوية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ
خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»(14)، وهو أصل جامع في ضبط الكلام وتحويل
اللسان إلى وسيلة بناء، فالمسلم إذا أراد أن يتكلم فعليه أن يذكر الله، وإذا أراد
أن يسلم فعليه أن يمتنع عن ذكر الناس، فعَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «عَلَيْكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ وَإِيَّاكُمْ
وَذِكْرَ النَّاسِ فَإِنَّهُ دَاءٌ»(15).
كيف تصنع حدود مسؤوليتك الأخلاقية في دائرتك؟
يمتاز هذا الأثر
بقوة التعبير؛ فقول الراوي: «لا يدع أحدًا» يحمل معنى الاستمرار والعموم، فهو لا
يشير إلى موقف عابر، بل إلى منهج ثابت، كما أن كلمة «عنده» تحدد مساحة المسؤولية؛
فكل إنسان يستطيع أن يصنع في دائرته الصغيرة معيارًا أخلاقيًا يلتزم به من حوله.
وهنا تظهر روعة
التربية النبوية التي لم تجعل الأخلاق شعارات مجردة، بل حولتها إلى ممارسات يومية
تبدأ من الكلمة وتنتهي ببناء المجتمع.
تطبيق حراسة الكلمات في الواقع المعاصر
يحتاج البيت إلى
هذا الخلق حتى لا تتحول المجالس العائلية إلى ساحات للحديث عن الناس، ويحتاجه
المعلم حتى يجعل الصف مكانًا يحترم فيه الطلاب بعضهم بعضًا، ويحتاجه القائد في
العمل حتى يمنع ثقافة الطعن الخلفي التي تهدم روح الفريق.
إن حماية
المجالس من الغيبة ليست مجرد التزام فردي، بل هي صناعة لمناخ من الثقة والاحترام، وكل
بيئة يعلو فيها قدر الكلمة الطيبة تكون أقرب إلى النجاح والاستقرار.
لقد علّم سعيد
بن جبير من خلال موقف بسيط أن الإنسان قد يصنع أثرًا عظيمًا بطريقة تعامله مع
الكلمات؛ فرب كلمة تحفظ قلبًا، ورب مجلس يحرسه صاحبه من الغيبة يتحول إلى مدرسة في
تزكية النفوس.
ويبقى موقف سعيد
بن جبير شاهدًا على أن عظمة العلماء لا تظهر فقط في كثرة ما يروونه من العلم، بل
في مقدار ما يحولونه من العلم إلى سلوك حيّ يراه الناس، فقد كان يستطيع أن يكتفي
بالصمت عن الغيبة، لكنه اختار مقامًا أعلى: أن يحمي مجلسه منها، وأن يجعل من حضوره
حصنًا يحفظ ألسنة الجالسين وقلوب الغائبين.
إن أخطر ما في
الغيبة أنها تبدأ بكلمة يظن صاحبها أنها عابرة، ثم تتحول إلى عادة تُضعف المروءة
وتفسد العلاقات وتزرع سوء الظن بين الناس، ولهذا كان موقف سعيد بن جبير تربية
عميقة على أن الإنسان مسؤول ليس فقط عما يقوله، بل عما يسمح بانتشاره في محيطه.
وفي زمن كثرت
فيه المنصات التي تمنح كل إنسان قدرة على الحديث عن الآخرين، تزداد الحاجة إلى هذا
الخلق النبيل؛ فليس الشأن أن يمتلك المرء صوتًا مسموعًا، بل أن يمتلك ضميرًا يضبط
هذا الصوت، وليس القوي من ينتصر في الحديث على غيره، وإنما القوي من يملك نفسه حين
يستطيع أن يخوض في الناس ولا يخوض.
لقد ترك لنا
سعيد بن جبير درسًا يتجاوز حدود مجلس من مجالس الكوفة إلى كل بيت ومدرسة ومؤسسة
ومجتمع: أن بناء النفوس يبدأ من حراسة الكلمات، وأن المجالس التي تُصان فيها أعراض
الناس تُبنى فيها الثقة، وحيث تُحفظ الثقة ينمو العلم والإصلاح والعمران.
فطوبى لمن كان وجوده أمانًا للغائب قبل الحاضر، ولسانه باب خير لا باب أذى، ومجلسه موضع تزكية لا موضع تجريح؛ فرب كلمة امتنع عنها الإنسان رفعت درجته، ورب مجلس حفظ فيه حرمة الناس كان له عند الله أثر لا تراه العيون، لكنه يبقى في ميزان الأعمال.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (4/ 336).
- 2 المعجم الوسيط (2/ 667).
- 3 التعريفات: الجرجاني، ص 163.
- 4 التوقيف على مهمات التعاريف: المناوي، ص 254.
- 5 الإفصاح عن معاني الصحاح: ابن هبيرة (8/ 176).
- 6 صحيح مسلم (2589).
- 7 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: الأصفهاني (2/ 116).
- 8 سنن أبي داود بسند صحيح (4875).
- 9 الأذكار: النووي، ص 343.
- 10 إحياء علوم الدين: الغزالي (3/ 154).
- 11 شذرات الذهب في أخبار من ذهب (5/ 325).
- 12 سنن الترمذي بسند صحيح (1931).
- 13 سنن أبي داود بسند صحيح (4878).
- 14 متفق عليه، أخرجه البخاري (6110)، ومسلم (47).
- 15 الزهد: أحمد بن حنبل، ص 101.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً