حين تصحح الحجة الحكم بالمظهر.. موقف يزيد بن أبي مسلم

عبدالله السيد

15 أكتوبر 2026

22

تصور فني لمجلس حكم أموي يرافق قصة يزيد بن أبي مسلم أمام سليمان بن عبد الملك

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة يزيد بن أبي مسلم(1)، أنه لما تولى سليمان بن عبدالملك الخلافة، أُحضر أبو العلاء في غُلٍّ، وكان قصيرًا دميمًا، كبير البطن، مشوَّه الخِلقة، فنظر إليه سليمان وقال: «لعن الله من ولَّاك».

فقال أبو العلاء: «لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإنك رأيتني والأمور مدبرة عني، فلو رأيتني في الإقبال لاستعظمت ما استحقرت».

فقال سليمان: «قاتله الله، ما أسدَّ عقله!»(2).

قد تختزل لحظة واحدة تاريخ إنسان في أعين الآخرين؛ فإذا أقبلت عليه الدنيا عظموه، وإذا أدبرت عنه استصغروه، وربما تبدلت نظرتهم إليه دون أن يتغير من حقيقة قدراته شيء، وفي هذا الموقف تتجلى مفارقة لافتة بين رجل فقد أسباب القوة الظاهرة، وخليفة يملك الحكم عليه، وكلمة استطاعت أن تنقل الحوار من الاستحقار إلى الإعجاب.

غير أن قيمة هذه الحكاية لا تقف عند براعة الجواب، بل تمتد إلى فهم أثر الظروف في أحكام الناس، وطبيعة الثبات عند الشدائد، وحدود الذكاء حين ينفصل عن العدل والأمانة.

كيف فقد يزيد بن أبي مسلم نفوذه؟

كان يزيد بن أبي مسلم من رجال الحجاج بن يوسف الثقفي المقربين، وعمل كاتبًا له، ثم تولى مهام إدارية ومالية جعلته من أصحاب النفوذ في الدولة الأموية.

لكن وفاة الوليد بن عبدالملك وتولي أخيه سليمان الخلافة غيرتا موقعه السياسي؛ فقد كان سليمان شديد النفور من الحجاج ورجاله، فوجد يزيد نفسه في موقف مختلف تمامًا عما اعتاده في أيام سلطانه.

لم يعد الرجل الذي تؤخذ مشورته وتنفذ توجيهاته، وإنما أصبح مطلوبًا، يُساق إلى الخليفة مقيدًا بالأغلال.

وهذا التحول يكشف هشاشة المكانة التي تستمد قوتها من المنصب وحده، فقد يتصور صاحب النفوذ أن ما يحظى به من احترام ناشئ كله عن شخصيته وكفاءته، ثم يكتشف بعد زوال سلطته أن جانبًا كبيرًا منه كان متعلقًا بالموقع الذي يشغله، وقد قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140)، والآية في سياق الحديث عن أحوال المؤمنين وما أصابهم يوم أحد، لكنها تذكر بحقيقة تداول الأحوال وعدم دوام الغلبة لأحد.

وفي المؤسسات المعاصرة، تظهر هذه الحقيقة حين يتغير احترام بعض الناس للمسؤول بمجرد مغادرته موقعه، مع أن التقدير المنصف ينبغي أن يميز بين سلطة المنصب والقيمة الفعلية لصاحبه.

كيف يضلل المظهر الخارجي تقييم الكفاءات الإدارية؟

استوقف سليمانَ بن عبدالملك ما رآه من هيئة يزيد بن أبي مسلم، فاستصغر شأنه واستغرب أن يكون قد بلغ تلك المنزلة في عهد الحجاج.

ويكشف هذا المشهد عن خطأ شائع في تقدير الأشخاص، حين يُجعل المظهر الخارجي دليلًا على القدرة أو الجدارة، مع أن الهيئة لا تكشف بالضرورة عن حقيقة العقل والكفاءة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»(3).

والحديث يقرر أن ميزان التفاضل عند الله يقوم على صلاح القلب والعمل، لا على الهيئة والمال، أما تقدير الكفاءة في المسؤوليات، فيحتاج إلى النظر في القدرة والأمانة والخبرة.

وفي واقع التعليم والعمل، قد يؤدي الانطباع الشكلي إلى إغفال مواهب بعض الأشخاص أو المبالغة في تقدير آخرين، ولذلك فإن الإنصاف يقتضي تقديم الشواهد العملية على الأحكام المستمدة من الصورة الأولى.

كيف استثمر سوء ظروفه لبناء حجة مقنعة؟

تتمثل براعة يزيد بن أبي مسلم في أنه لم يناقش الخليفة في أوصاف جسده، ولم يحاول الدفاع عن مظهره، وإنما اتجه مباشرة إلى أصل الحكم الذي صدر عليه، فقال: «فإنك رأيتني والأمور مدبرة عني، فلو رأيتني في الإقبال لاستعظمت ما استحقرت».

لقد نقل القضية من صورة الرجل إلى الظروف التي أحاطت برؤيته، فهو يلفت نظر الخليفة إلى أن الإنسان قد يبدو في حال الضعف على غير الصورة التي كان عليها في حال التمكين، وأن المشهد الحاضر لا يكفي وحده لتكوين حكم شامل على مكانته وقدراته.

وفي هذا الجواب 3 عناصر جعلته مؤثرًا:

1- حسن اختيار مدخل الحوار؛ إذ بدأ بقوله: «لا تفعل يا أمير المؤمنين»، فاعترض دون أن يحول الحديث إلى تحدٍّ مباشر للسلطة.

2- أنه قدم تفسيرًا بديلًا للانطباع الأول، بدل الاكتفاء برفضه، فهو لم يطلب من الخليفة تغيير رأيه لمجرد الاعتراض، بل أشار إلى سبب يجعل المراجعة معقولة.

3- الإيجاز؛ إذ جمع فكرته في عبارة قصيرة تقوم على المقابلة بين الإدبار والإقبال، والاستعظام والاستحقار.

وهذا نموذج من قوة البيان حين يكون مبنيًا على فهم المشكلة لا على كثرة الكلام.

وتظهر قوة الحجة وحسن تصحيح الأحكام المتعجلة في موقف أسماء بنت عميس رضي الله عنها، حين قال لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنهم أسبق بالهجرة وأحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم تكتفِ بالاعتراض، بل بيّنت اختلاف ظروفهم، فقالت: «كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار أو في أرض البُعد بالحبشة، وذلك في ذات الله عز وجل وفي رسول الله»، فلما نقلت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم يا أهل السفينة هجرتان»(4)؛ وهو موقف يبرز أن قوة الرد ليست في حدّته، بل في تقديم حجة واضحة تكشف ما غاب عن الحكم الأول وتعيد الأمور إلى نصابها.

وفي واقع الحياة، قد يواجه الإنسان حكمًا متعجلًا من مدير أو معلم أو مسؤول، ولا تكون المعالجة المثلى دائمًا في إظهار الغضب أو سرد المبررات، بل في تحديد موضع الخلل في التقييم، ثم تقديم ما يصححه بلغة واضحة.

إدارة الانفعال.. كيف تتحدث بوعي وقت الخوف؟

لم يكن يزيد بن أبي مسلم يتحدث في مجلس عادي، بل أمام خليفة غاضب وهو مقيد بالأغلال، في موقف يحمل من دواعي الخوف والاضطراب ما قد يعجز معه كثير من الناس عن ترتيب كلامهم، ومع ذلك، يظهر في عبارته تماسك ذهني وقدرة على اختيار الجواب المناسب.

ولا نستطيع الجزم بحقيقة مشاعره في تلك اللحظة؛ فالرواية لا تكشف عما كان يعتمل في نفسه، لكنها تبين أنه استطاع، على مستوى السلوك الظاهر، أن يحافظ على اتزان كلامه.

وهنا ينبغي التفريق بين الخوف وفقدان السيطرة؛ فقد يشعر الإنسان بالخوف دون أن يسمح له بإفساد قراره، كما قد يكون شديد الحماسة لكنه عاجز عن ضبط لسانه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»(5).

ومن هنا تتضح أهمية تربية النفس على التريث قبل الرد، خصوصًا حين يكون الإنسان عرضة للإهانة أو الاتهام، فالانفعال قد يدفعه إلى ألفاظ تزيد أزمته، بينما يمنحه الهدوء فرصة لفهم الطرف المقابل واختيار ما يناسب الموقف.

ولا يعني ذلك أن السكوت واجب أمام كل إساءة، أو أن الحجة الهادئة تحقق النجاة دائمًا؛ وإنما يعني أن ضبط الانفعال يحفظ للإنسان قدرته على التصرف بوعي، حتى عندما لا يملك السيطرة على النتائج.

لماذا لا يكفي الذكاء الإداري لنجاح القائد؟

تثير نهاية الحوار سؤالًا يتجاوز الموقف نفسه؛ فقد أعجب سليمان بجواب يزيد بن أبي مسلم حتى قال: «قاتله الله ما أسد عقله»، وهذا الإعجاب يشهد في حدود الرواية على تقدير الخليفة لقدرته العقلية، لكنه لا يثبت صلاح يزيد في سائر أعماله.

وهنا تظهر أهمية قراءة التراجم التاريخية قراءة متكاملة، لا الاكتفاء بالمواقف اللامعة؛ فالذهبي يذكر في ترجمة يزيد بن أبي مسلم أن سليمان تفقد أمواله فلم يجد عليه خيانة مالية، وأنه همّ باستكتابه، ثم يذكر أن يزيد بن عبدالملك ولاه إفريقية، وأنه قُتل سنة 102هـ إثر ثورة عليه بسبب ظلمه.

وهذه النهاية تكشف أن الذكاء الإداري وحسن التصرف في المواقف لا يكفيان للحكم على استقامة صاحب السلطة، فالإنسان قد يكون قوي الحجة، دقيق الحساب، سريع البديهة، لكنه يسيء معاملة الناس حين تتاح له القدرة عليهم.

وقد جاء في القرآن الكريم: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)؛ فالآية تجمع بين القدرة والأمانة، وهما ركنان مهمان في إسناد المسؤوليات.

ومن الخطأ أن تطغى إحدى الصفتين على الأخرى؛ لأن القدرة بغير أمانة قد تصبح أداة للإضرار بالناس، بينما تعجز الأمانة المجردة من الكفاية عن أداء بعض المسؤوليات على وجهها المطلوب.

وفي المؤسسات المعاصرة، ينبغي ألا ينحصر اختيار القادة في مهارات الإقناع أو سرعة اتخاذ القرار أو القدرة على تحقيق النتائج، بل يشمل كذلك نزاهتهم، وعدلهم، واحترامهم لحقوق العاملين والمتعاملين معهم.

حين يكون العقل قوة والعدل ميزانًا

وقف يزيد بن أبي مسلم أمام سليمان بن عبدالملك مجردًا من سلطانه، مثقلًا بالأغلال، فأظهر بجوابه أن حال الإنسان الظاهرة لا تكشف بالضرورة عن جميع قدراته، وأن العبارة المحكمة قد تبدل انطباعًا نشأ عن نظرة متعجلة.

لكن قراءة سيرته كاملة تمنعنا من تحويل الإعجاب بفطنته إلى حكم شامل بصلاحه؛ فقد يجتمع الذكاء مع سوء استعمال القوة، مثلما قد تجتمع القدرة على الإقناع مع التقصير في حقوق الآخرين.

وتبرز قيمة العلم والعقل في بناء مكانة الإنسان في وصية عروة بن الزبير لبنيه، إذ قال: «يا بنيّ، تعلّموا، فإنكم إن تكونوا صغار قوم عسى أن تكونوا كبارهم، واسوأتاه، ماذا أقبح من شيخ جاهل»(6)؛ مؤكدًا أن رفعة الإنسان لا تقوم على مظهره أو مكانته الحاضرة، وإنما على ما يكتسبه من علم يؤهله لتحمل المسؤولية ويمنحه مكانته بين الناس.

وهكذا تكتمل دلالة الموقف في ميزان يجمع بين الإنصاف والحكمة: فلا يُستصغر الإنسان لهيئته، ولا تُمحى قدراته لمجرد سقوط مكانته، ولا يُغتر بذكائه دون النظر إلى أمانته وأعماله.

فالعقل قد يمنح صاحبه الهيبة في مجلس، أما العدل والأمانة فهما اللذان يمنحان قيادته قيمتها في حياة الناس.

الهوامش
  • 1 يزيد بن أبي مسلم أمير المغرب أبو العلاء بن دينار الثقفي، مولى الحجاج وكاتبه ومشيره.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص594.
  • 3 رواه مسلم (2564).
  • 4 صفة الصفوة، ج2، ص62، 63.
  • 5 متفق عليه؛ أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (2609).
  • 6 صفة الصفوة، ج2، ص85.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة