جعل العلم بنية تحتية للدولة

قبيصة بن ذؤيب.. حلقة الوصل بين العامة وصناعة القرار

عالم يمشي في ممرات الحكم وهو يحمل كتبا ورسائل

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن قبيصة بن ذؤيب(1)، يقول: وقد كناه محمد بن سعد أبا إسحاق، وقال: شهد أبوه الفتح، وكان ينزل بقديد، وكان يقرأ الكتب إذا وردت على الخليفة، قال: وكان ثقة مأمونًا، كثير الحديث، توفي سنة ست أو سبع وثمانين.

قال البخاري: سمع قبيصة أبا الدرداء وزيد بن ثابت.

قال أبو الزناد: كان عبدالملك بن مروان رابع أربعة في الفقه والنسك هو وسعيد بن المسيب، وقبيصة بن ذؤيب، وعروة بن الزبير.

قال محمد بن راشد المكحولي: حدثنا حفص بن عمر بن نبيه الخزاعي، عن أبيه: أن قبيصة بن ذؤيب كان معلم كتاب، قلت: يعني في مبدأ أمره.

وعن مجالد بن سعيد، قال: كان قبيصة كاتب عبد الملك بن مروان.

وعن مكحول قال: ما رأيت أحدًا أعلم من قبيصة.

وعن الشعبي قال: كان قبيصة أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت.

ابن لهيعة: عن ابن شهاب، قال: كان قبيصة بن ذؤيب من علماء هذه الأمة.

قال علي بن المديني وجماعة: توفي سنة ست وثمانين، وقيل: سنة سبع وقيل: سنة ثمان وثمانين(2).

تكشف سيرة قبيصة بن ذؤيب عن حقيقة كبرى في بناء الدول والحضارات: أن أخطر ما تحتاجه الدولة ليس مجرد أصحاب المناصب، بل أصحاب العلم الذين يفهمون طبيعة القرار قبل أن يشاركوا في صناعته، فقبيصة لم يصبح رجل دولة لأنه اقترب من الخليفة، بل اقترب من مركز القرار لأنه كان قد تكوّن في مدرسة علمية صنعت منه عقلًا قادرًا على الجمع بين الفقه والإدارة.

فهو نموذج لما يمكن تسميته رجل الحلقة المركزية؛ الرجل الذي وقف في نقطة التقاء بين ثلاث دوائر كبرى؛ دائرة العلم التي ورثت فقه الصحابة، ودائرة التدوين التي حملت العلم إلى الأجيال التالية، ودائرة الدولة التي احتاجت إلى عقل أمين يقرأ ويحلل ويوجه، وهاتان الدائرتان والمكانة العلمية هما المفتاح الذي يفسر كيف استطاع قبيصة أن يكون في الوقت نفسه فقيهًا كبيرًا، ورجل دولة يمسك بمفاصل حساسة في الخلافة.

كيف أهّل التلقي عن الصحابة قبيصةَ بن ذؤيب للإدارة؟

لم يكن علم قبيصة وليد الذكاء الفردي فقط، بل كان ثمرة اتصال مباشر بمصادر التأسيس الأولى؛ فقد أخذ عن عدد من كبار الصحابة، وكان أبرزهم زيد بن ثابت رضي الله عنه، صاحب المكانة الكبرى في القضاء والفرائض وتدوين المصحف الشريف.

ولم يكن أثر زيد في قبيصة مجرد نقل مسائل فقهية جزئية، بل كان انتقالًا لمنهج كامل في فهم الأحكام وتنزيلها على الواقع، ولهذا قال الإمام الشعبي: «كَانَ قَبِيصَةُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِقَضَاءِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ».

وهذه الشهادة تكشف نوعية العلم الذي امتلكه قبيصة؛ فلم يكن علمه مقتصرًا على مجرد الرواية، بل كان علمًا مرتبطًا بالقضاء وإدارة مصالح الناس، وهي من أكثر أبواب الفقه اتصالًا بحياة المجتمع ومؤسسات الحكم، فالقاضي والمسؤول لا يحتاج فقط إلى معرفة النص، بل يحتاج إلى فهم النفوس، وتقدير الظروف، وتحقيق العدل بين المصالح المتعارضة.

وقد أصل الشارع الحكيم أهمية التفقه والتهيؤ العلمي الراسخ قبل التصدر لمواقع المسؤولية والحكم؛ كما جاء في التوجيه النبوي الشريف حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن قاضياً ومعلماً، فقال له: «كيف تَقضِي إذا عَرَضَ لكَ قَضاء؟»، قال: أقضي بكتابِ الله، قال: «فإن لم تَجِدْ في كتاب الله؟»، قال: فبسُنةِ رسولِ الله، قال: «فإن لم تجد في سُنة رسولِ الله ولا في كتابِ الله؟»، قال: أجْتَهِدُ رأيِ ولا آلُو، فضربَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم صَدْرَهُ وقال: «الحمدُ لله الذي وَفَّق رسولَ رسولِ الله لما يَرضَى رسولُ الله»(3).

ومن هذا الإعداد الفقهي المتين بدأت ملامح رجل الدولة تظهر في شخصية قبيصة قبل أن يطأ ديوان الخلافة.

كيف تكامل الفقه والحديث والسياسة لدى قبيصة بن ذؤيب؟

يمكن فهم تكوين قبيصة بن ذؤيب الاستثنائي من خلال ثلاثة روافد علمية وحضارية كبرى:

1- مدرسة القضاء والفرائض.. زيد بن ثابت رضي الله عنه: من زيد أخذ قبيصة فقه القضاء والفرائض، وهو الفقه الذي يجعل العالم قادرًا على الانتقال السلس من النص المجرد إلى التطبيق الميداني، ولهذا صار مرجعًا أصولياً في قضايا زيد وأحكامه، حتى شهد له الأئمة بالتقدم فيها.

2- مدرسة الإدارة والحكم.. فقه الصحابة في بناء المجتمع: إن أخذ قبيصة عن كبار الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وأبي الدرداء رضي الله عنهم لم يكن مجرد حفظ للروايات، بل كان اتصالًا عميقاً بجيل مارس إدارة الأمة في أعقد مراحل اتساعها، فالصحابة الذين نقل عنهم لم يكونوا علماء في المساجد فحسب، بل كانوا قادة مجتمع ودولة، جمعوا بين العبادة والسياسة والقضاء.

وقد ثبتت هذه النظرة التكافلية الشاملة في سيرة الصحابة الكرام؛ حيث روى نافع ابن عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ، فقال: «مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى، قَالَ: وَمَنْ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ، قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين»(4).

وهذا النوع من العلم المركب هو ما تحتاجه الدول؛ لأن الإدارة بلا فقه قد تتحول إلى قوة بلا بصيرة، والفقه إذا انفصل عن الواقع الاجتماعي يبدُو محدود الأثر.

3- مدرسة الحديث والأثر.. تثبيت الشرعية العلمية: أعطاه أخذه المباشر عن جيل الصحابة منزلة التوثيق والضبط الحديثي، فكان محل قبول مطلق عند أئمة الجرح والتعديل والمحدثين، وأصبح قادرًا على نقل العلم بأمانة إلى من بعده.

وهكذا اجتمعت في قبيصة ثلاثة عناصر تشكيلية: العلم الشرعي المحرر، والفهم الإداري النافذ، والثقة الأخلاقية الراسخة.

دور قبيصة بن ذؤيب في نقل الفقه لجيل التدوين

لم تكن قيمة قبيصة بن ذؤيب منحصرة فقط فيمن أخذ عنهم من الأكابر، بل برزت أيضًا في الجيل الذي تتلمذ عليه وأخذ عنه؛ فقد أصبح حلقة وصل مركزية بين جيل الصحابة وجيل كبار التابعين الذين حملوا العلم إلى مرحلة التدوين الرسمي والانتشار في الأمصار.

ومن أبرز من أخذ عنه وروى مروياته:

1- الإمام ابن شهاب الزهري: كان الزهري من أعمدة تدوين السُّنة النبوية، وقد أخذ عن قبيصة فقه الصحابة وآثارهم المدنية، وهنا تظهر أهمية موقع قبيصة؛ فهو لم يكن مجرد ناقل فردي، بل كان القناة الفقهية التي عبرت من خلالها معارف الجيل الأول إلى جيل التدوين الشامل.

2- الإمام مكحول الشامي: كان مكحول إمام أهل الشام وفقيههم، وقد قال في حقه شهادته العظيمة: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ قَبِيصَةَ»، وهذه الشهادة تكشف أن قبيصة لم يكن عالمًا محليًا في حدود قديد أو المدينة، بل كان صاحب أثر علمي جاوز الأقاليم إلى حاضرة الخلافة.

3- الإمام رجاء بن حيوة: يمثل رجاء بن حيوة النموذج الآخر للعالم الذي جمع بين الفقه الراسخ والحضور الفاعل في ديوان الخلافة، وهو المسار الذي يوضح كيف كانت المدرسة العلمية تخرج رجالًا قادرين على ترشيد القرار في مؤسسات الدولة.

وقد بين الشارع الحكيم شرف هذا النقل وتوريث المعرفة من جيل إلى جيل؛ كما جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»(5).

لماذا اشترط الأمويون الفقهَ لرجالات البريد والختم؟

عندما تولى قبيصة بن ذؤيب الكتابة والإشراف على ديوان البريد والختم للخليفة عبد الملك بن مروان، لم يكن المنصب مجرد وظيفة كتابية تنفيذية؛ فقد قال الإمام محمد بن سعد: «وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ إِذَا وَرَدَتْ عَلَى الْخَلِيفَةِ».

وهذه العبارة تحضُر فيها دلالة سياقية كبيرة؛ فالذي يقرأ مكاتبات الدولة الرسمية والرسائل الواردة من العمال والأمراء قبل وصولها إلى صاحب القرار لا يقوم بعمل ناقل مجرد، بل يشارك بوعيه في فهم الواقع، وتفريغ الرسائل، وتقييم المعلومات المشكوك فيها، وترشيد ما ينبغي عرضه.

وكان ديوان الختم والبريد من المركزيات الحساسة في الدولة الخلافية؛ لأنه يتصل بالمراسلات السرية وتنظيم الاتصال بين العاصمة والأطراف، ولهذا احتاجت الدولة إلى رجل لا يملك مهارة الخط والكتابة فحسب، بل يملك عقلًا فقهيًا متزنًا يستطيع أن يميز بين القضايا، ويفهم الأبعاد الأصولية والشرعية للقرارات.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الكاتب الإداري والعالم الكاتب: فالكاتب المادي ينقل الكلمات والألفاظ، أما العالم الكاتب فيفهم المقاصد وما وراء الكلمات.

وقد بين القرآن الكريم هذا الأصل الحاكم في ولاية الأمانات ومفاصل الإدارة؛ فقال الله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26).

كيف يصون العالمُ استقلاله داخل أجهزة الحكم؟

قد يظن بعض الناس أن دخول العالم إلى مؤسسات الحكم يعني بالضرورة فقدان استقلاليته العلمية أو ذوبان شخصيته الأخلاقية، لكن سيرة قبيصة بن ذؤيب تقدم صورة أكثر توازنًا ونضجاً في التاريخ الإسلامي.

فالمشكلة ليست في مجرد حضور العالم داخل أروقة الإدارة، وإنما في طبيعة وحقيقة هذا الحضور؛ فإذا دخل العالم محصناً بعلمه وأمانته ورسوخه، أصبح عنصر إصلاح وترشيد وميزان عدل لحفظ الحقوق، أما إذا دخل بلا ميزان تقوى، فقد يتحول علمه إلى غطاء لتسويغ الأخطاء.

وقبيصة يمثل النموذج الأول؛ فقد بقي معروفًا وموثقاً عند علماء الأمة، ولم تسقط منزلته الحديثية ولا حرمته العلمية بسبب عمله التنفيذي في ديوان الخلافة، بل إن شهادات العلماء الأكابر فيه تؤكد أن منصبه لم يلغِ شخصيته العلمية بحال، فقد قال فيه الإمام ابن شهاب الزهري: «كَانَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ مِنْ عُلَمَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ».

وهذه شهادة تدل دلالة قاطعة على أن السلطة لم تبتلع العالم، بل استفادت الدولة من عقل عالمٍ بقي محافظاً على رسم العلم وحرمته.

وقد جسد هذا الميزان أئمة التابعين في دخولهم على الحكام؛ كما ثبت عن أبي مسلم الخولاني أنه قام إلى معاوية بن أبي سفيان وهو على المنبر فقال: يا معاوية، إنما أنت قبر من القبور، إن جئت بشيء كان لك شيء، وإلا فلا شيء لك، يا معاوية، لا تحسب أن الخلافة جمع المال وتفريقه، إنما الخلافة القول بالحق والعمل بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله، يا معاوية، إنا لا نبالي بكدر الأنهار ما صفا لنا رأس عيننا، يا معاوية، وإياك أن تميل على قبيلة من العرب فيذهب حيفك بعدلك، قال: ثم جلس فقال له معاوية: يرحمك الله يا أبا مسلم، يرحمك الله يا أبا مسلم(6).

كيف تمنع المعرفةُ الشرعيةُ انحرافَ قرارات السلطة؟

الدول والحضارات لا تبنى فقط بالقوة العسكرية المسلحة أو التنظيم المالي المادي، بل تحتاج في المقام الأول إلى ذاكرة معرفية تحفظ أصولها وتربط حاضرها التشريعي بماضيها التأسيسي.

وكان قبيصة بن ذؤيب يحمل هذه الذاكرة العلمية والقضائية في عقله؛ فقد جمع بين علم كبار الصحابة، وفقه قضاء زيد بن ثابت، وخبرة الكتابة والتوثيق، وفهم الإدارة العامة، ولهذا كان وجود أمثاله في دوائر الخلافة يمثل حماية ذاتية للقرارات السياسية من الانفصال عن القيمة والعدل الشرعي.

فالدولة التي تهمش أهل العلم قد تمتلك القوة النفاذة، لكنها تفتقد البصيرة التي تسدد حركتها.

وقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة في الرجوع إلى الحفاظ وأهل الذاكرة النبوية في النوازل؛ كما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين اختلفوا في حكم أخذ الجزية من المجوس، حتى أتاه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بذاكرة الأثر، فقال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سنوا بهم سُنة أهل الكتاب»، قال ابن عيينة، عن عمرو، سمع بجالة يقول: «لم يكن عمر قبل الجزية من المجوس حتى شهد ابن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر»؛ في دلالة على امتثال امر المؤمنين لحديث رسول الله مباشرة بعد أن وجد ضالته في الخطب الذي دهاهم.

من هم رجال التجسير في المؤسسات المعاصرة؟

تحتاج المؤسسات والدول في كل عصر إلى شخصيات استثنائية تستطيع التجسير والعبور الواعي بين المجالات المتباينة: بين المعرفة النظرية والتطبيق الميداني، وبين المبادئ المستقرة والإجراءات التنفيذية، وبين التاريخ التأسيسي والواقع المعاش.

وهؤلاء هم «رجال التجسير» الذين لا يحبسون العلم في بطون الكتب والزوايا المغلقة، ولا يحولون الإدارة في الوقت نفسه إلى إجراءات روتينية فارغة من المعنى والضمير.

وقبيصة بن ذؤيب مثال حضاري مبكر لهذا النوع من الشخصيات؛ فقد حمل فقه المدينة وميراث الصحابة إلى قلب عاصمة الدولة بدمشق، وحوّل المعرفة الشرعية إلى قدرة عملية في إدارة المرفق العام ورعاية الأمانة.

سر نجاح النموذج التكاملي للعالم الرباني التنفيذي

لم يكن قبيصة بن ذؤيب مجرد فقيه تفرغ للإفتاء في حلقة العلم، ولا مجرد كاتب غرق في الشؤون الروتينية للديوان؛ بل كان عهداً ممتداً ونقطة التقاء مركزية صنعتها مراحل طويلة من التعلم والتكوين الراسخ.

لقد منح الصحابةُ قبيصةَ أصلَ العلم وفقهَ القضاء، ونقل عنه التابعون امتدادَ هذا الفقه وثروةَ الحديث لتدوينها، واستعانت به مؤسسة الحكم لأنه جمع بين سلامة المعرفة ونقاء الأمانة، ولهذا لم يكن دوره تنفيذاً آلياً للأوامر، بل كان جزءاً من «عقل الدولة» الذي يقرأ الخطابات الرسمية بعين الفقيه، ويحلل الأحداث بوعي العالم البصير، فتصير مشورته سداداً ورأيه ترشيداً.

وقد ثبت في سيرته هذا الجمع الفريد بين الفقه التام والتقديم في الإدارة؛ كما قال أَحْمَد بن يُونُس: حدَّثنا أَبو شِهاب، عَنِ الأَعمَش، عن ابن ذَكوان، قَالَ: «إن عَبدالملك بن مَروان رابع أربعة فِي الفقه والنُّسُك، فذكر سَعِيد بْن المُسَيَّب، وعُروَة بْن الزُّبَير، وقَبِيصَة بْن ذُؤَيب، وعَبد الملك بْن مَروان»(7).

وهكذا بقي اسم قبيصة بن ذؤيب شامخاً ومحفوظاً في كتب الحديث والفقه والتاريخ على حد سواء؛ لأنه مثل هذا النموذج الحضاري النادر: العالم الذي لم ينعزل عن حركة مجتمعه ودولته، ورجل الدولة الذي لم تفقده الإدارة روح العلم وعزته.

تتجلى في سيرة قبيصة بن ذؤيب الزاوية التربوية والحضارية التي أردنا التركيز عليها: أن العلم الشرعي الراسخ متى ما اتصل بالضمير الحي لم يكن عائقاً عن بناء الدولة أو إدارة مفاصلها الحساسة، بل كان هو البنية التحتية الصلبة التي تمنح القرار الإداري بصريته وحصانته الأخلاقية.

لم يكن قبيصة مجرد فقيه تفرغ للفتيا في حلقة المسجد، ولا مجرد كاتب استغرقته الشؤون التنفيذية بباب البريد؛ بل كان نقطة التقاء نموذجية صنعها التكوين الراسخ على أيدي الصحابة، لقد منحه الصحابة أصل الفقه، ونقل عنه التابعون امتداد التدوين، واستعانت به الدولة لأنه جمع بين الكفاءة والنزاهة، ليبقى اسمه في كتب الحديث والفقه والتاريخ شاهداً على العالم الذي لم يقف خارج حركة مجتمعه، ورجل الدولة الذي لم تفقده السياسة روح العالم الرباني.

الهوامش
  • 1 قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي: ولد عام فتح مكة، ويُعدّ من كبار التابعين المدنيين وفقهائهم، اشتهر بالحديث والفقه، وحفظ قضايا أبي بكر، وعمر، حتى قيل: إنه «كان أعلم الأمة بقضاء أبي بكر»، وتولّى إدارة ديوان الخاتم والبريد ومستشارية الخلافة لمروان بن الحكم، وعبدالملك بن مروان، سكن المدينة ثم نزل الشام، وتوفي بدمشق سنة 86هـ (وقيل: 87هـ).
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 282).
  • 3 سنن أبي داود 5/ 444/ 3591).
  • 4 صحيح مسلم (1/ 559/ 817).
  • 5 سنن الترمذي (5/ 34/ 2658).
  • 6 مختصر تاريخ دمشق (12/ 64).
  • 7 التاريخ الكبير للبخاري بحواشي محمود خليل (7/ 174/ 3267).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة