قراءة في شخصية تابعيّ جعل من الهدي النبوي سلوكاً مرئياً ومقياساً للقدوة والزهد

كيف تصنع الصلاة قدوة صامتة؟ موقف عمرو بن الأسود

تصوير رمزي لمحراب قديم وكتاب من كتب التراجم يعبر عن سيرة عمرو بن الأسود العنسي وأثر العبادة في صناعة القدوة.

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن عبدالوهاب بن نجدة، حدثنا بقية، عن أرطاة بن المنذر، حدثني رزيق أبو عبدالله الألهاني، أن عمرو بن الأسود(1) قدم المدينة فرآه ابن عمر يصلي فقال: من سره أن ينظر إلى أشبه الناس صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هذا، ثم بعث إليه بقرى وعلف ونفقة، فقبل ذلك ورد النفقة،

وروى أحمد في «مسنده»: حدثنا أبو اليمان، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، وحكيم بن عمير، قالا: قال عمر بن الخطاب: من سره أن ينظر إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هدي عمرو بن الأسود(2).

يكشف هذا الأثر عن صورة نادرة من صور صناعة القدوة في الجيل الأول؛ إذ لم يكن عمرو بن الأسود العنسي صاحب خطاب طويل أو حضور إعلامي واسع، وإنما كان حضوره الحقيقي في هيئة العبادة واستقامة السلوك، وقد جاءت شهادة رجلين من كبار الصحابة، عمر بن الخطاب، وعبدالله بن عمر، رضي الله عنهما، لتدل على أن قيمة الإنسان عند ذلك الجيل كانت تُقاس بمدى قربه من الهدي النبوي في الواقع العملي.

لماذا لفتت صلاة عمرو بن الأسود أنظار الصحابة؟

لم يكن عمرو بن الأسود- من أعلام التابعين في الشام- ممن يطلبون بعبادتهم الثناء، أو يبتغون بزهدهم الشهرة والحظوة؛ بل كان ممن استقروا في ظلال الخفاء، وحازوا شرف الاتباع والاقتداء.

وعندما يمّم وجهه شطر المدينة المنورة، لم يدخلها ليُعرّف بنفسه، بل دخلها بسيرةٍ تعطر نَشْرُها قبل أن تطأها قَدَمُه؛ تجسيدًا للمنهج النبوي الخالد في وصف الصفوة من عبادالله: «إنَّ أغبطَ أوليائي عندي لمؤمنٌ خفيفُ الحاذِ ذو حظٍّ من الصلاة أحسنَ عبادةَ ربه وأطاعه في السرِّ وكان غامضًا في الناسِ لا يشار إليه بالأصابعِ وكان رزقُه كفافًا فصبر على ذلك ثم نقر بإصبعَيه فقال عُجِّلت منيتُه قلَّتْ بواكيهِ قلَّ تراثُه»(3).

  • دلالة الخفاء والستر: يُبرز النص أهمية العبادة الصامتة؛ حيث تحضر الحقيقة ويغيب الادعاء.
  • البعد عن التكلف: قيمة «غموض الشخصية بين الناس» تجعل الأثر خالصاً لوجه الله، لا تشوبه رغبة في التصدر.

وفي طيبة الطيبة، تجلت أسمى صور التأثير؛ حيث تنطق الحال بما تقصر عنه المقال، ويغدو الإنسان شاهداً حياً على منهجه قبل أن يتفوه بحرف.

فحين أبصر عبدالله بن عمر صلاة عمرو بن الأسود، لم يكن بحاجة إلى موعظةٍ تُقال، ولا إلى سَفرٍ يُقرأ؛ بل رأى خشوعاً أشرق في جوارحه، فاستحضر فوراً صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا تتجلى قوة القدوة بالمشاهدة؛ فالأعين تستوعب الحقائق قبل الآذان، والنفوس تتأثر بالمعنى الملموس لا باللفظ الملموس، مصداقاً للحديث الشريف: «ألَا أُنبِّئُكم بخِيارِكم؟»، قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: «خياركم الذين إذا رُؤُوا ذُكِر الله عز وجل»(4).

  • السمت النبوي: الرؤية البصرية للعبادة الصادقة تعمل كجسر مباشر يربط القلوب بالله دون حاجة للشرح.
  • الأثر التراكمي: القدوة الحقيقية ليست خطبةً تُلقى، بل هي نتاج التفاصيل اليومية الصامتة في العبادة والسلوك.

إن هذه الرحلة تهمس لنا بأن القدوة ليست رتبةً تُمنح، ولا دعوى تُدّعى، بل هي أثرٌ صامت تصنعه دقائق الأيام:

  • خشوعٌ في المحراب يُحْيِي الشغف.
  • وضبطٌ للنفس عند الفتن والشهوات.
  • وزهدٌ صادق يتسامى عن التصنّع والشبهات.

كيف تعكس هيئة الصلاة حقيقة الاتباع النبوي؟

إنّ قول ابن عمر: «من سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هذا» ليس مجرد إشادةٍ بهيئة، بل هو كشفٌ عن سرّ الاتباع وحقيقة الانطباع؛ فالعبادة في الفلسفة الإسلامية ليست حركاتٍ تُؤدّى بالجوارح، بل هي أشواقُ قلبٍ تفيض على الجسد، لِتُحيل المنهج إلى واقعٍ مُشاهد، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21)؛ فالأسوة لا تُستَقى من بطون الكتب وحدها، ولا تُبنى على سرد السِّيَر، وإنما تنبتُ حين تتحول السُّنة إلى سلوكٍ يَمشي بين الناس:

1- شهادة عائشة في محرابها: كان عروة بن الزبير يغدو إلى بيت خالته عائشة رضي الله عنها، فرآها ذات يومٍ قائمة تسبحُ وتقرأ: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) (الطور: 27)، ترددها وتبكي وتدعو، ذهب إلى السوق وقضى حاجته، ثم رجع فإذا هي على حالها لم تبرح محرابها(5)! لم تُلْقِ عليه موعظةً، ولكن ذلك المشهد الصامت انحفر في وجدانه درساً لا يَمحوه الزمان.

2- رسالة خبيب في مشنقته: حين قُدِّم خبيب بن عدي رضي الله عنه للقتل، لم يصرخ ولم يتذمر، بل استأذنهم في ركعتين خفيفتين(6)، سنَّ بهما للناس لغة الثبات الصامت؛ فكانت صلاته أبلغ من آلاف الخطب، ورسالةَ اقتداءٍ خُطّت بالمهج والنفوس.

وهنا تتجلى حاجةُ التربية والتعليم والدعوة اليوم إلى هذا الأثر المشهود؛ فالنفوس قد تمجُّ المواعظ المكررة، لكنها تُذعن لليقين الملموس.

  • في البيت: يرتقي الأبناء برؤية الخشوع في صلاة الآباء، لا بكثرة الأوامر.
  • في الميدان: يتأثر الطلاب والأجيال بصدق القدوة المتجسد أمامهم، لا بجمال الألفاظ وزخرفة الكلام.

كيف يحفظ الزهد المالي استقلالية الرأي والموقف؟

لم يكن موقف عمرو بن الأسود في ردّه للنفقة وقبوله للضيافة مجرد خيارٍ عابر، بل كان فِقْهًا مُشْرِقًا في إدارة المال والنَّفْس؛ فقد أدرك بنور بصيرته أن العطايا إن لم تُضبط بميزان الحكمة، أحالت العزة ذلةً، والحريةَ عبوديةً، فالمشكلة ليست في جَمْعِ المَال، بل في أن يَتَمَكَّنَ حُبُّ المالِ مِنَ الجَنَان.

فالزهد في منطق السلف لم يكن حِرماناً يتدثر بالفقر، ولا هُروباً من عِمارةِ الأرض؛ بل كان سِيَادَةً يَمْلِكُ بها الإنسانُ الأشياءَ ولا تَمْلِكُه، تجسيداً للقاعدة النبوية الخالدة: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ».

ولنا في دواوين التأريخ صورٌ تفيض بهذه الحرية المطلقة:

1- زهدُ التَّجَرُّدِ لا العَوَز (أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها): تُمسي رضي الله عنها ويُجلَبُ إليها المالُ بالآلاف، فتجلسُ تُقَسِّمُهُ بين المساكين حتّى لا يَبْقَى منه دِرْهَم، وهي صائمةٌ ثوبُها مُرَقَّع(7)! لم يمنعها وُفُورُ المَال من سَخَاءِ النَّفْس، ولم تُشْغِلْها لَذَّةُ الأخْذِ عن حَلاوَةِ العَطاء؛ فقد كَانَت تَمْلِكُ المالَ في كَفِّها، ولا تُسْكِنُهُ في قَلْبِها.

2- زهدُ التَّرَفُّعِ عَنِ الجَاه (الإمام ابن حزم الأندلسي): نشَأَ في نِعْمَةٍ سَابِغَة، وفي حِضْنِ وِزَارَةٍ وَجَاهٍ عَرِيض، فلمّا رأى أنَّ حِبَالَ الرِّيَاسَةِ قد تُقَيِّدُ استِقْلالَ الفِكْرِ وتَخْنُقُ حُرِّيَّةَ الحَقّ، نَفَضَ يَدَهُ مِنَ المَنَاصِب طَوَاعِيَة، وَانْصَرَفَ إلى العلمِ والتَّصْنِيف؛ آثِراً عِزَّةَ المَبْدَأِ على بَهْرَجِ المَنْصِب.

إنَّ هذا المَفْهُومَ هُوَ الشِّرْيَانُ النَّابِضُ لِكُلِّ قَادَةِ الفِكْرِ وَعُمَّالِ الرَّأْيِ اليوم؛ فَمَنْ ارتبطت قَرَاراتُهُ بِالمَطَامِع، ضَعُفَتْ فِيهِ نَخْوَةُ الشَّجَاعَةِ فِي قَوْلِ الحَقّ، وَمَنْ أسْتَغْنَى عَمَّا فِي أَيْدِي الخَلْقِ، اسْتَقَامَتْ لَهُ كَرَامَتُهُ، وَشَادَ لِنَفْسِهِ عِزًّا لا يُهْدَم.

كيف صنعت شهادة الصحابة معياراً تربوياً للمجتمع؟

لم يكن ثناء العظماء وشهادات الكبار مجرد كلمَاتٍ تُقال في المناسبات، أو مدائح تُزَفُّ للذوات؛ بل كانت صِناعةً واعيةً للمَعَاييرِ الاجتماعية، ورَسْماً لِمَعَالِمِ القُدْوَة؛ لتأكيد أنَّ المِيزَانَ الحَقِيقِيَّ هُوَ سُمُوُّ السُّلُوك، لا زَخْرَفُ القَوْلِ والادِّعَاء.

إنَّ المجتمعاتِ الرَّاشِدَة لا تَتَشَكَّلُ بالقَوَانِينِ الصَّارِمَةِ وَحْدَهَا، بل بالرُّمُوزِ الصَّادِقَةِ التي تُقَدَّمُ للأَجْيَال؛ فعندما يُكَرِّمُ العُظَمَاءُ أهلَ الاسْتِقَامَة، فإنهم يَرْفَعُونَ سَقْفَ التَّطَلُّعَات، وَيُوَجِّهُونَ الطَّاقَاتِ نحو القِيَمِ العُلْيَا:

1- صناعة معيار الأمانة والقيادة (أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه): حين أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أمام الأمة: «إنَّ لِكُلِّ أمَّةٍ أمِينًا، وأَمِينُ هذِهِ الأُمَّةِ أبو عُبَيْدَةَ»، لم يَبْنِ سُمْعَةً شَخْصِيَّة، بل أَسَّسَ مِعْيَاراً خَالِداً لِلرِّيَادَة، ولذا، لما بلغ عمر بن الخطاب أن بالشام وباء شديداً، فقال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي، استخلفته، فإن سألني الله عز وجل: لم استخلفته على أمة محمد؟ قلت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»، قال: فأنكر القوم ذلك، وقالوا: ما بال علياء قريش؟ يعنون بني فهر، ثم قال: وإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة، أستخلف معاذ بن جبل، فإن سألني ربي، قلت: إني سمعت نبيك يقول: «إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء»

2- إبراز الرموز العملية في الميدان (أبو مسلم الخولاني): حين قَدِمَ التابعيُّ الجليل أبو مسلم الخولاني المدينة، لم يَتْرُكْ عمرُ بن الخطاب ثَبَاتَهُ وعِبَادَتَهُ تَمُرُّ في الخَفَاء؛ بل أخذ بيده وأجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق، وقال بدموع الشكر: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن»؛ لِيَجْعَلَ من الثَّبَاتِ العَمَلِيِّ نَمُوذَجاً حَيّاً يُرَى بالأَعْيُن(8).

3- تأسيس معيار العلم والمرجعية (أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها): لم يَكُن الفَضْلُ يُقَاسُ في مجتمع الصحابة بضَخَامَةِ الشُّهْرَة، بل بعُمْقِ الأَثَر؛ ولذا قال مسروق: «نحلف بالله لقد رأينا الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عائشة عن الفرائض»(9)؛ فصَارَ العِلْمُ المَتِينُ المعْيَارَ الأعْلَى الذي تَنْحَنِي لَهُ هَاماتُ الرِّجَال.

إنَّ خللَ المَوَازِينِ يبدأ حين تُصْبِحُ الشُّهْرَةُ رَهِينَةً لِلظُّهُورِ الفَارِغ والمَظَاهِرِ الخَادِعَة؛ فيَتَقَدَّمُ الشَّكْلُ على المَضْمُون، أما حين يُعْلَى شَأْنُ أهلِ الصِّدْقِ والعَمَل، فإنَّ المجتمعَ يَسْتَرِدُّ عَافِيَتَهُ، ويَغْدُو المَعْنَى المَجْدُودَ بَدِيلاً عَنِ الرَّسْمِ المَمْدُود.

كيف واجه عمرو بن الأسود اختبار ثناء الصحابة؟

من أصلبِ الاختباراتِ التي تُمَحَّصُ بها النُّفُوسُ الزَّاكِيَةُ؛ أنْ يُصَبَّ عليها الثَّنَاءُ صَبّاً؛ فالمدحُ سَيْفٌ ذو حَدَّيْن، إن لم يَحْمِلْهُ المَرْءُ بِوَعْيٍ وَتَوَاضُع، أصَابَ قَلْبَهُ بِغُرُورِ العُجْبِ وَالخُيَلاء.

لكنّ عمرو بن الأسود لم تُطْغِهِ شَهَادَاتُ الصَّحَابَةِ، ولم يَجْعَلْ مِنْ ثَنَائِهِمْ مِعْرَاجاً لِطَلَبِ المَكَانَةِ والظُّهُور؛ بل بَقِيَ ثَابِتاً في مِحْرَابِهِ، كأنَّما يَسْتَمِدُّ عِزَّهُ مِنْ صِلَتِهِ بِالخَالِق، لا مِنْ نَظَرَاتِ الخَلْق، وهذا هو جَوْهَرُ السَّمْتِ النَّبَوِيِّ الذي يُجَسِّدُ الحَقِيقَةَ الخَالِدَة ولنا في أعْلَى المَرَاتِبِ نَمَاذِجُ شَامِخَةٌ كَيْفَ يُكْسَرُ كِبْرِيَاءُ النَّفْسِ أَمَامَ أَعْظَمِ لَحَظَاتِ المَجْد:

1- تَوَاضُعُ الفَتْحِ وَالْتِمَاسُ الشُّكْر (النبي صلى الله عليه وسلم): في يَوْمِ الفَتْحِ الأَعْظَم، يومَ دَانَتْ لَهُ مَكَّةُ، وَأَشْرَقَتْ الدَّعْوَةُ بِأَعْظَمِ نَصْرٍ في التاريخ، لم يَدْخُلْهَا النبي صلى الله عليه وسلم بَاهِياً ولا مُسْتَكْبِراً؛ بل دَخَلَهَا وَاضِعاً رَأْسَهُ الشَّرِيفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ انْكِسَاراً لِلَّه، حتّى إن أنس قال: دخلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يومَ الفتحِ وذقنُهُ على رحلِهِ متخشِّعًا(10)؛ ليُعَلِّمَ الأُمَّةَ أنَّ التَّمْكِينَ لا يَزِيدُ العَظِيمَ إلا خُشُوعاً.

2- فَزَعُ الصِّدِّيقَةِ مِنَ التَّزْكِيَة (أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها): دَخَلَ عليها ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما في مَرَضِ المَوْت، لِيَبُثَّ إليها بُشْرَى مَكَانَتِهَا وأَنَّهَا حِبُّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فما كان من نَفْسِهَا الأَوَّابَةِ أَمَامَ هَذا الثَّنَاءِ العَظِيمِ إلا أنْ قَالَتْ لَهُ بِفَزَعِ المُخْلِصِين: «دَعْنِي مِنْكَ يَا ابْنَ عَبَّاس، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً»(11)؛ هَرَبَاً مِنَ العُجْبِ وِرَعَاً مِنَ التَّزْكِيَة.

إنَّ الثَّنَاءَ الصَّادِقَ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أَرِيكَةً يَتَكِئُ عليها الإنسانُ لِيُعْجَبَ بِنَفْسِهِ، بل مَهْمَازاً يَدْفَعُهُ إلى المَزِيدِ مِنَ الإِخْلاَص؛ فالمُوَفَّقُ هُوَ مَنْ إذا زَادَهُ النَّاسُ مَدْحاً وثَنَاءً، زَادَهُ اللهُ خُشُوعاً وانْكِسَاراً.

كيف تعيد سيرة التابعي الاعتبار لمفهوم القدوة؟

تَكْشِفُ لَنَا سِيرَةُ عمرو بن الأسود أَنَّ الحَضَارَاتِ لا تُبْنَى بِالنَّظَرِيَّاتِ المُجَرَّدَةِ المَسْطُورَة، ولا بِالمَوَاعِظِ الرنانة المَفْهُومَة؛ وإِنَّمَا بِالرِّجَالِ الَّذِينَ يُحِيلُونَ القِيَمَ إلى حَيَاة، وَيَجْعَلُونَ مِنَ الهَدْيِ وَاقِعاً يُرَى، فالأَفْكَارُ تُولَدُ مَيِّتَةً حَتَّى تَتَنَفَّسَ فِي سُلُوكِ البَشَر.

وَلِهَذَا لَمْ يَكُنِ اهْتِمَامُ الجِيلِ الأَوَّلِ بِتَرَاجِمِ الرِّجَالِ مِنْ فُضُولِ الخَبَر، بل كَانَ إِدْرَاكاً لِعُمْقِ الأَثَر؛ كَمَا صَوَّرَهُ ابنُ خَلْدُونَ بِبَلاغَتِه: «إِذْ هُوَ يُوقِفُنَا عَلَى أَحْوَالِ المَاضِينَ فِي أَلْوَانِهِم، وَالأَنْبِيَاءِ فِي سِيَرِهِم.. حَتَّى تَتِمَّ فَائِدَةُ الاِقْتِدَاءِ فِي ذَلِكَ لِمَنْ يَرُومُهُ فِي أَحْوَالِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا».

ولَقَدْ تَجَلَّتْ هَذِهِ النَّظْرَةُ الحَضَارِيَّةُ فِي أُمْنِيَةِ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حِينَمَا جَلَسَ بينَ أَصْحَابِهِ وطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَتَمَنَّوْا، فَتَمَنَّوْا مَالاً وَذَهَباً يُنْفَقُ فِي سَبِيلِ الله، فَقَالَ عُمَرُ بِمِيزَانِ المُلْهَم: «لَكِنِّي أَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مِلْءُ هَذَا البَيْتِ رِجَالاً مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بنِ الجَرَّاح.. فَأَسْتَعْمِلَهُمْ فِي طَاعَةِ الله»(12).

فالحَاجَةُ اليَوْمَ فِي كُلِّ مِيدَانٍ مِنَ البَيْتِ إلى المَعْمَل، وَمِنَ المَدْرَسَةِ إلى القِيَادَة لَيْسَتْ إلى إِطْنَابِ المَقَال، بَلْ إلى صِدْقِ الحَال.

حِينَ يَتَحَوَّلُ الهَدْيُ النَّبَوِيُّ إلى مَنْهَجِ حَيَاةٍ لا تُغَيِّرُهُ المَحَن، كَمَا صَنَعَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال عَليٌّ: ما تَرَكتُه مُنذُ سَمِعتُه مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قيلَ له: ولا لَيلةَ «صِفِّينَ»؟ قال: ولا لَيلةَ «صِفِّينَ»، وفي حَديثِ عَطاءٍ، عن مُجاهِدٍ، عَنِ ابنِ أبي لَيلى، قال: قُلتُ له: ولا لَيلةَ «صِفِّينَ»(13)؛ ليُبَيِّنَ أَنَّ المَبَادِئَ الصَّادِقَةَ لا تُبَاعُ فِي مَوَاسِمِ الأَزَمَات.

إنَّ أَعْظَمَ الشَّهَادَاتِ لَيْسَتْ وِسَاماً يُعَلَّق، ولا ثَنَاءً يُصَدَّق، بَلْ عَمَلٌ صَالِحٌ يَشْهَدُ لِصَاحِبِهِ حَيّاً وَمَيِّتاً؛ فَحِينَ يُصْبِحُ الهَدْيُ خُلُقاً يُعَاش، يَمْشِي الإِنْسَانُ فِي الأَرْضِ وَهُوَ رِسَالَةٌ صَامِتَة، تُذَكِّرُ الخَلْقَ بِالخَالِق.

الهوامش
  • 1 عَمْرو بن الْأسود وَيُقَال قيس بن ثَعْلَبَة الْعَنسِي كنيته أَبُو عِيَاض وَيُقَال أَبُو عبد الرحمن من عباد أهل الشَّام وزهادهم ممن ادرك زمن النبوة وروى عَن عبد الله بن عَمْرو فِي الصَّوْم والأشربة وروى عَنهُ زِيَاد بن فياض وَمُجاهد، رجال صحيح مسلم، لأحمد بن علي بن محمد بن إبراهيم، أبو بكر ابن مَنْجُويَه، أَبُو عِيَاض وَيُقَال أَبُو عبد الرحمن عَمْرو بن الْأسود روى عَن عبدالله بن عَمْرو فِي الصَّوْم روى عَنهُ زِيَاد بن فياض، وَمُجاهد.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 79).
  • 3 أخرجه الآجري في «الغرباء» (35)، والحاكم (7148)، والبغوي في «شرح السُّنة» (4044) واللفظ لهم.
  • 4 أخرجه ابن ماجه (4119)، وأحمد (27599)، والطبراني (24/ 167) (423)، والبيهقي في «الشعب» (10596) واللفظ لهم جميعاً.
  • 5 صفة الصفوة (1/ 319).
  • 6 زاد المعاد لابن القيم (3/ 220).
  • 7 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار (27/ 406).
  • 8 سير أعلام النبلاء (1/ 10).
  • 9 أخرجه الدارمي (2901)، وسعيد بن منصور (287)، وحسين المروزي في زياداته على «الزهد» لابن المبارك (1079) جميعهم بلفظ مقارب.
  • 10 أخرجه الحاكم (4365)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (5/ 68) واللفظ لهما.
  • 11 أخرجه أحمد (2496)، والطبراني (10/ 390) (10783)، والحاكم (6726) باختلاف يسير، وأصله في صحيح البخاري (4753).
  • 12 أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (1280)، والحاكم (5005)، وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 102) باختلاف يسير.
  • 13 أخرجه البخاري (3113)، وأحمد (1141)، وابن حبان (5524) باختلاف يسير.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة