كيف ننصف الخصوم؟ درس من موقف الأخطل التغلبي
روى الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، في ترجمة الأخطل التغلبي(1)، أنه قيل للفرزدق: من أشعر الناس؟
فقال: «كفاك بي إذا افتخرت، وبجرير إذا هجا، وبابن النصرانية إذا امتدح».
وكان عبدالملك بن مروان يُجزل عطاء الأخطل، ويفضّله في الشعر على غيره(2).
يجمع هذا الخبر
بين ثلاثة مشاهد تبدو متباعدة، ولكنها تلتقي عند معنى إنساني عميق؛ شاعر يعترف
بتفوق منافسه، وخليفة يكرم صاحب الموهبة على اختلاف الدين، وأديب نال حظوة السلطان
ثم أنشد أبياتًا تضع العمل الصالح فوق متاع الحياة وطول العمر.
وليس في الخبر
مجرد شهادة نقدية لشاعر من شعراء العصر الأموي، بل نافذة على علاقة الموهبة
بالسلطة، والإنصاف بالتنافس، والأدب بالأخلاق، وعلى المفارقة بين ما يمنح الإنسان
مكانته بين الناس، وما ينفعه من عمله عند انتهاء حياته.
كيف أصبح الأخطل التغلبي شاعر الأمويين؟
عاش الأخطل
التغلبي، في القرن الأول الهجري، وهو العصر الذي شهد تحولات سياسية واجتماعية
كبرى، وبلغ فيه الشعر مكانة مؤثرة في الحياة العامة، فقد كان الشاعر لسان قبيلته،
والمدافع عن مفاخرها، والمنافح عن حلفائها، وصانعًا من صُنّاع السمعة والمكانة في
مجتمع كانت فيه القصيدة تنتقل بين الأمصار والمجالس.
وكان الأخطل
التغلبي من قبيلة تغلب العربية، وظل على نصرانيته، واشتهر بصلته بخلفاء بني أمية،
ولا سيما عبدالملك بن مروان، حتى عُرف بشاعر بني أمية.
ولفهم هذه
المكانة ينبغي إدراك أن الشعر في ذلك العصر لم يكن ترفًا أدبيًا منفصلًا عن
السياسة، بل كان وسيلة للتأثير في الجماعات، وتثبيت صورة الحاكم، والدفاع عن
القبيلة، ومواجهة الخصوم، وكانت القصيدة تقوم ببعض الوظائف التي تؤديها وسائل
الإعلام والخطاب السياسي في العصور الحديثة، مع اختلاف الوسائل والبيئات.
ومن هنا اكتسب
الأخطل التغلبي أهميته؛ فلم يكن مجرد صاحب ألفاظ جزلة وقوافٍ محكمة، بل كان قادرًا
على تحويل المهارة البيانية إلى تأثير اجتماعي وسياسي.
غير أن هذه
المكانة لا تعني أن كل ما قاله كان محمودًا؛ فقد عُرف بالمديح والهجاء ووصف الخمر،
ودخل في خصومات شعرية حادة، شأنه شأن عدد من شعراء عصره، والقراءة المنصفة تقتضي
التمييز بين الاعتراف بموهبته وبين تقويم مضمون شعره وأفعاله في ضوء المعايير
الشرعية والأخلاقية.
وهذا التمييز
ضروري في قراءة التاريخ؛ إذ ليس من الإنصاف إهدار فضيلة في إنسان لوجود نقص فيه،
كما ليس من العدل تحويل موهبته إلى تزكية مطلقة لشخصه.
لماذا يعد إنصاف الخصوم أصدق شهادة نقدية؟
حين سُئل
الفرزدق: «من أشعر الناس؟» لم يجعل التفوق كله لنفسه، بل قسم مجالات البراعة
الشعرية فقال: «كفاك بي إذا افتخرت، وبجرير إذا هجا، وبابن النصرانية إذا امتدح».
إنها شهادة
تكتسب قيمتها من مكانة قائلها؛ فالفرزدق لم يكن متفرجًا بعيدًا عن ساحة الشعر،
وإنما كان أحد أقطابها، ينافس الشعراء في الشهرة والمكانة، ويعرف دقائق الصناعة
الشعرية.
وقد بدأ بنفسه
في الفخر، ثم خص جريرًا بالهجاء، والأخطل بالمديح، فكأنه يقرر أن التفوق ليس منزلة
واحدة يمتلكها شخص ويحرم منها الآخرون، بل تتعدد وجوهه بتعدد المهارات.
وهنا يظهر معنى
مهم في فهم النفس الإنسانية؛ إذ يميل الإنسان أحيانًا إلى تعميم تفوقه في مجال
واحد حتى يجعله تفوقًا مطلقًا، كما قد يدفعه التنافس إلى إنكار مزايا غيره، أما
الاعتراف بتخصص المنافس فيدل، من حيث المعنى، على قدرة صاحبه على الفصل بين تقدير
الذات وتقدير الآخرين.
ويحضر هنا أصل
قرآني عظيم في الإنصاف، قال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8).
فالعدل لا يقتصر
على الحقوق المالية والقضائية، بل يدخل في تقويم الأقوال والأعمال، وفي تجنب بخس
الناس ما يستحقونه من تقدير.
وفي مؤسسات
العمل والتعليم والبحث العلمي تتكرر هذه المسألة بصور متعددة؛ فقد يمتنع مدير عن
الاعتراف بإنجاز موظف يختلف معه، أو يتردد باحث في الثناء على دراسة لمنافسه، أو
يُغفل معلم تفوق طالب بسبب خلاف سابق.
لماذا لا يشترط التميز المطلق لصناعة النجاح؟
تفتح عبارة
الفرزدق بابًا آخر لفهم النجاح؛ إذ جعل لكل شاعر مجالًا يبرز فيه: الفخر، والهجاء،
والمديح، وليس المقصود أن كل واحد من هؤلاء لم يُحسن إلا فنًا واحدًا؛ فقد شاركوا
جميعًا في أغراض شعرية متعددة، وإنما المقصود تمييز الجانب الذي اشتهر فيه كل منهم
أو رآه الفرزدق أظهر في براعته.
وهذه نظرة دقيقة
إلى طبيعة القدرات الإنسانية؛ فالموهبة العامة لا تمنع وجود تفاوت بين المهارات،
والنجاح لا يشترط أن يبلغ الإنسان القمة في جميع المجالات.
فقد يحسن أحد
الطلاب البيان، ويتميز آخر في التحليل، ويبرع ثالث في التنظيم، وكل منهم يستطيع أن
يضيف قيمة حقيقية إذا وُضع في المجال الملائم لاستعداده.
وهذا المعنى هو
الذي يفسر جانبًا من مكانة الأخطل لدى عبد الملك بن مروان؛ فقد وجد الخليفة في
موهبته البيانية قدرة نافعة لأغراض دولته، فقرّبه وأجزل له العطاء.
لماذا قرب الخليفة الأموي الأخطل التغلبي وقدر موهبته؟
تبدو علاقة عبد
الملك بن مروان بالأخطل التغلبي من أكثر جوانب الخبر إثارة للتأمل؛ فقد كان
الخليفة مسلمًا يتولى قيادة الدولة الأموية، وكان الشاعر نصرانيًا، ومع ذلك لم
يمنع اختلاف الدين من أن يحظى الأخطل بتقدير أدبي وعطاء مالي.
قال الذهبي:
«وكان عبد الملك بن مروان يجزل عطاء الأخطل، ويفضله في الشعر على غيره»، فالعطاء
هنا مرتبط بسياق البلاط الأموي ورعاية الشعراء، ولا يصح تحويله مباشرة إلى حكم
شرعي عام في كل صور الاستعانة أو الإنفاق السياسي.
ومع ذلك، فإن
الاستفادة من مهارة شخص مع اختلاف معتقده ليست فكرة غريبة عن التاريخ الإسلامي.
فقد ثبت في خبر
الهجرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه استأجرا رجلًا من بني
الدِّيل(3)، وهو عبدالله بن أريقط، وكان على دين قومه، ليدلهما على
الطريق؛ وذلك لخبرته وأمانته في المهمة التي أُسندت إليه.
وفي واقع
المؤسسات المعاصرة، يبرز هذا المعنى حين يكون معيار الاختيار هو القدرة على أداء
المهمة، والأمانة في تحمل المسؤولية، والالتزام بما تتطلبه من ضوابط.
لماذا ارتبطت بلاغة الشعراء بمراكز السلطة والحكم؟
لم يكن إكرام
عبد الملك للأخطل مجرد تعلق بجمال القصيدة، وإنما يُفهم أيضًا في إطار الصلة
الوثيقة بين الشعر والسياسة في العصر الأموي.
فالشاعر يستطيع
أن يرفع من شأن قبيلة، أو يخلد مكرمة، أو يدافع عن حاكم، أو يشوه صورة خصم، ولهذا
ارتبط بعض الشعراء بمراكز السلطة، وأصبحت القصيدة عنصرًا من عناصر المنافسة
السياسية والاجتماعية.
وقد كان الأخطل
التغلبي أحد الأصوات الأدبية المنافحة عن بني أمية، ودخل في نقائض مشهورة مع جرير،
بما يكشف أن أثره لم يقتصر على المديح وحده.
وهنا تتضح
الطبيعة المزدوجة للبلاغة؛ فهي قدرة يمكن أن تُسخّر لإظهار الحق وإشاعة الفضائل،
ويمكن أن تُستخدم لتزيين الباطل وإثارة العصبيات.
ولذلك لا تكفي
قوة البيان للحكم على قيمة الخطاب، بل لا بد من النظر إلى صدقه ومقصده وآثاره، قال
الله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ
يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) (الشعراء: 224)، ثم استثنى سبحانه أهل الإيمان
والعمل الصالح والذكر والانتصار المشروع في قوله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) (الشعراء: 227).
وفي هذا التفريق
القرآني توجيه إلى تقويم الكلمة بمضمونها وسلوك صاحبها، لا بجمالها المجرد، ومن
هنا تصبح المسؤولية الأخلاقية أشد كلما اتسعت دائرة التأثير؛ لأن صاحب الكلمة لا
يتحمل مسؤولية ما يقول فحسب، بل ينبغي أن يراعي أيضًا ما قد يترتب على قوله من
آثار.
لماذا لم يمنع الاختلاف الديني التقدير الأدبي؟
في وصف الفرزدق
للأخطل بأنه «ابن النصرانية» ملمح جدير بالتأمل؛ فقد أشار إلى هويته الدينية، ثم
قرن ذلك بالإقرار بتفوقه في المديح.
وهذا يكشف عن
واقع اجتماعي مركب في العصر الأموي؛ إذ اجتمعت في المجتمع انتماءات دينية وقبلية
وسياسية متعددة، ولم تكن علاقات الناس تُختزل دائمًا في بعد واحد منها.
فالأخطل نصراني
العقيدة، عربي اللسان والنسب، تغلبي الانتماء، أموي الصلة السياسية، وله مكانة
أدبية يعترف بها بعض معاصريه.
ولا يلزم من
الاعتراف بمكانته الشعرية الموافقة على معتقده، كما لا يلزم من مخالفته الدينية
إنكار موهبته.
والتمييز بين
الحكم على الاعتقاد والحكم على المهارة من مقتضيات النظر العادل، وقد نهى القرآن
عن بخس الناس حقوقهم، فقال تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) (الأعراف: 85).
ومع أن الآية
جاءت في سياق النهي عن صور الظلم في المعاملات، فإن معناها العام يذكّر بخطورة
الانتقاص من حقوق الناس ومقاديرهم بغير حق.
وفي العلاقات
الاجتماعية والمهنية اليوم، يحتاج الإنسان إلى هذا الوعي حتى لا يتحول اختلافه مع
الآخرين إلى حكم شامل على شخصياتهم وقدراتهم.
المقارنة بين الجزاء الدنيوي وقيمة العمل الصالح
تكشف ترجمة
الأخطل التغلبي عن صورتين مختلفتين للجزاء؛ الأولى: جزاء دنيوي ناله من الخليفة؛
فقد أكرمه عبدالملك بن مروان، وأجزل له العطاء، وفضله في الشعر، والثانية: معنى
أخلاقي عبّر عنه الأخطل نفسه، حين جعل صالح الأعمال أعظم الذخائر.
وبين الصورتين
فرق جوهري؛ فالعطاء الأول متعلق بمنزلة الإنسان عند الآخرين، أما الثانية فتتصل
بقيمة ما يقدمه الإنسان من عمل، وبما يرجو المسلم ثوابه عند الله.
وقد تجتمع
الشهرة والثروة مع العمل الصالح، كما قد تفترق عنه، فليس الغنى دليلًا على رضا
الله عن صاحبه، ولا الشهرة شهادة باستقامة المرء، كما أن قلة المال أو خمول الذكر
لا يدل على نقص المنزلة عند الله.
المقارنة بين الجزاء الدنيوي وقيمة العمل الصالح
إذا انتقلنا من
ساحة الشعر الأموي إلى بيئة العمل المعاصرة، وجدنا أن خبر الأخطل يضع أمامنا ثلاثة
أسئلة مترابطة.
أولها: هل
نستطيع الاعتراف بمزايا من ينافسوننا؟
وثانيها: هل
نحسن وضع الكفاءات في المجالات التي تتجلى فيها قدراتها؟
وثالثها: هل
نستخدم ما نملكه من مواهب وسلطات وموارد لتحقيق نفع يبقى، أم نستهلكها في صناعة
صورة زائلة؟
- فشهادة
الفرزدق تذكّر بأهمية الإنصاف، وعطاء عبدالملك يلفت النظر إلى أثر رعاية الموهبة.
- وفي المدرسة،
يمكن أن يبدأ الإنصاف حين يعترف المعلم بتميز الطالب المختلف معه في الرأي أو
السلوك، دون أن يتخلى عن تقويم ما يحتاج إلى تصحيح.
- وفي الأسرة،
يظهر حين يكتشف الوالدان اختلاف مواهب الأبناء، فلا يفرضان عليهم صورة واحدة
للنجاح.
- وفي الإدارة،
يتحقق حين تُربط المسؤوليات بالكفاءة والأمانة، لا بمجرد القرب الشخصي أو القدرة
على كسب رضا المسؤول.
وفي الإعلام
والدعوة، يظهر حين تقترن قوة العبارة بصدق المعلومة، وحين يكون الهدف بناء الوعي
لا مجرد اجتذاب الانتباه.
أما على مستوى
الفرد، فإن السؤال الأعظم يظل متعلقًا بالذخيرة التي يصنعها كل يوم؛ فقد يمتلك
الإنسان قدرة على الإقناع، أو مهارة في الإدارة، أو موهبة في الكتابة، لكن قيمة
هذه المواهب تتحدد أيضًا بالوجهة التي يسخرها لها.
ما الذي يمنح العمر قيمته بعد زوال الشهرة؟
عاش الأخطل
التغلبي في عالم تتنازع فيه القبائل مكانتها، ويتنافس فيه الشعراء على الصدارة،
ويجزل فيه الخلفاء العطاء لأصحاب البيان، وقد نال من الشهرة والحظوة ما جعل اسمه
باقيًا في كتب الأدب والتراجم.
ولعل أبلغ ما في
الخبر أن الشاعر الذي كان يعيش في عالم الشهرة والعطاء قد حفظت له كتب التراث
قولًا يرد الإنسان إلى ما هو أبقى من الشهرة والعطاء.
فالإنسان يحتاج
إلى موهبة ينهض بها، وعدل يحكم به على غيره، وبصيرة يزن بها ما يسعى إليه.
وإذا كانت الموهبة تصنع للإنسان مكانته بين الناس، فإن صلاح العمل هو الذي يمنح عمره قيمته الحقيقية في ميزان الإيمان.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً