من سؤال المناسك إلى مسؤولية العدل
كيف يصون العالم كلمة الحق؟ طاووس بن كيسان أمام السلطان
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنِ مُطَهِّر بن الهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، عَنْ أَبِيْهِ،
قَالَ: حَجَّ سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِالمَلِكِ، فَخَرَجَ حَاجِبُهُ، فَقَالَ: إِنَّ
أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ قَالَ: ابْغُوا إِلَيَّ فَقِيْهاً أَسْأَلْهُ عَنْ بَعْضِ
المَنَاسِكِ، قَالَ: فَمَرَّ طَاوُوْسٌ، فَقَالُوا: هَذَا طَاوُوْسٌ اليَمَانِيُّ،
فَأَخَذَهُ الحَاجِبُ، فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، قَالَ: أَعْفِنِي،
فَأَبَى، ثُمَّ أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ.
قَالَ
طَاوُوْسٌ: فَلَمَّا وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَمَجْلِسٌ
يَسْأَلُنِي اللهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ! إِنَّ صَخْرَةً
كَانَتْ عَلَى شَفِيْرِ جُبٍّ فِي جَهَنَّمَ، هَوَتْ فِيْهَا سَبْعِيْنَ
خَرِيْفاً، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَرَارَهَا، أَتَدْرِي لِمَنْ أَعَدَّهَا اللهُ؟
قَالَ: لَا، وَيْلَكَ لِمَنْ أَعَدَّهَا؟ قَالَ: لِمَنْ أَشْرَكَهُ اللهُ فِي
حُكْمِهِ، فَجَارَ، قَالَ: فَكَبَا بِهَا»(1).
هذا مشهد قصير
في عدد كلماته، لكنه يضع العالم والسلطان والكلمة والمسؤولية الأخروية جميعًا في
مساحة واحدة، الخليفة يريد فقيهًا يسأله عن المناسك، وطاووس يريد ابتداءً ألا يدخل
عليه، ثم يجد نفسه في المجلس بغير اختياره؛ وعند هذه اللحظة لا يسأل: كيف أخرج
سالمًا؟ بل يقول لنفسه: «إن هذا لمجلس يسألني الله عنه»، ومن هذه الجملة تحديدًا
يمكن قراءة المشهد كله.
كيف يحول استحضار الحساب الأخروي موازين الخوف الداخلي؟
أول ما يلفت
النظر أن طاووس لم يطلب اللقاء، بل قال للحاجب: «أعفني»، وهذا التفصيل يمنع قراءة
موقفه على أنه بحث عن بطولة أو رغبة في صناعة مواجهة، لقد أراد السلامة أولًا،
فلما لم يجد إليها سبيلًا، انتقل من سؤال النجاة من المجلس إلى سؤال أداء الأمانة
داخله.
وهنا تظهر
اللحظة النفسية الحاسمة: الخليفة أمامه، والحُجَّاب حوله، وسلطة الدولة حاضرة، لكن
طاووس أعاد تعريف المكان كله في داخله حين قال: «يسألني الله عنه».
فالإنسان يخاف
عادةً ممن يراه قادرًا على محاسبته، فإذا استحضر المؤمن حسابًا أعلى، تغيّر ترتيب
المخاوف في قلبه، لم تعد المسألة: ماذا سيفعل سليمان إن غضب؟ بل: ماذا أقول لله إن
سكتُّ عما أعتقد وجوب بيانه؟
هذا المعنى هو
الذي يصنع كثيرًا من الثبات الأخلاقي، فالعامل قد يخاف مديره، والمستشار قد يخشى
صاحب القرار، والعالم قد يخشى فقد المكانة، لكن استحضار المسؤولية يحول السؤال من
«كيف أرضيه؟» إلى «ما الذي يجب عليّ قوله بأمانة؟».
ولذلك قال الله
تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) (الصافات: 24)، والآية في سياق موقف القيامة، لكنها تربي في النفس
أصلًا كليًا: أن الإنسان ليس خارج دائرة السؤال مهما عظم موقعه أو صغر.
أولويات النصح الشرعي أمام أصحاب الولايات العامة
كان الطلب
محددًا: فقيه يسأله الخليفة «عن بعض المناسك»، لكن الخبر يصور طاووس وقد بادر قبل
السؤال بتذكيره بخطر الجور.
وهذه ليست دعوة
إلى أن يهمل المفتي سؤال المستفتي أو أن يستبدل الأحكام بالمواعظ، وإنما تكشف -في
بنية القصة- عن حس قوي بترتيب المسؤوليات: من جلس أمام صاحب ولاية عامة، ورأى
بابًا إلى تذكيره بثقل حقوق الناس، فإن قضية العدل لا تكون أمرًا هامشيًا.
والسُّنة
الصحيحة تجعل مسؤولية الحاكم عن الرعية من أشد أبواب التكليف، فقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم في حديث معقل بن يسار رضي الله عنه: «ما من أمير يلي أمر المسلمين
ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة»، وفي رواية أخرى في الصحيح: «ما من
عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة»(2).
فالولاية في
التصور النبوي ليست امتيازًا منفصلًا عن الحساب، بل أمانة يشتد حساب صاحبها باتساع
أثر قراراته في الناس.
ومن هنا نفهم
لماذا اختارت الرواية لفظًا بالغ الدقة: «لمن أشركه الله في حكمه فجار»؛ أي لمن
جعله الله صاحب ولاية وسلطان على الناس فعدل عن مقتضى الأمانة إلى الجور، وليس
المراد «الشركة» في الحكم الإلهي بمعناها العقدي، وإنما -بحسب سياق العبارة- أن
الله ولاه شيئًا من أمر عباده فظلم في ولايته.
وفي واقع
المؤسسات اليوم، يبقى أصل المعنى حاضرًا: كلما اتسعت صلاحية الإنسان اتسعت معها
دائرة أمانته، من رب الأسرة إلى مدير المؤسسة وصاحب القرار العام.
لماذا نالت كلمة العدل عند السلطان فضل الجهاد؟
يسهل على
الإنسان أن يكون شجاعًا في مكان لا يدفع فيه ثمن كلامه، أما حين يقف أمام من يملك
القوة، فهنا تظهر حقيقة ما في القلب.
ولهذا جاءت
السنة بفضيلة خاصة للكلمة التي تقال في هذا الموطن، عن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، أو
أمير جائر»(3)، وإنما صار ذلك أفضل الجهاد؛ لأن من جاهد العدو وكان
متردداً بين رجاء وخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب، وصاحب السلطان مقهور في يده، فهو
إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك، فصار ذلك أفضل
أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف»(4).
وليس سر الفضيلة
في ارتفاع الصوت، ولا في تعمد استفزاز صاحب السلطة؛ بل في اجتماع أمرين قلما
يجتمعان؛ صدق النصيحة وخطر الموقف.
وقد حفظ الحديث
الصحيح موقفًا شديد الدلالة للصحابي عائذ بن عمرو رضي الله عنه حين دخل على عبيد
الله بن زياد فقال له: «أي بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن
شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم»(5)، فلما حاول عبيد الله
الانتقاص منه ومن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أجابه عائذ بثبات: «وهل كانت
لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم»(6).
إنه المنطق
نفسه: لا تتحول هيبة المنصب إلى مانع من النصيحة، ولا تتحول النصيحة كذلك إلى فوضى
أو تشفٍّ؛ بل كلمة واضحة في موضعها، يقولها صاحبها وهو يعلم كلفتها.
لماذا يؤثر السؤال الصادق في النفوس الغافلة؟
في بناء الرواية
ملمح بلاغي دقيق، لم يقل طاووس مباشرة: «إياك والجور»، بل رسم صورة ثم طرح سؤالًا:
صخرة على شفير جب في جهنم، تهوي سبعين خريفًا حتى تستقر في قعره، ثم يسأل: «أتدري
لمن أعدها الله؟» بهذا انتقل سليمان -في سياق الخبر- من موقع المتلقي البارد إلى
موقع المنتظر للجواب.
والسؤال من أقوى
أدوات التعليم؛ لأنه يفتح فراغًا في الذهن يطلب الامتلاء، وحين يأتي الجواب بعد
ترقب يكون أوقع من المعلومة التي تلقى ابتداءً.
أما صورة «سبعين
خريفًا» فوظيفتها في المشهد تصوير البعد الهائل لقعر النار، ولا ينبغي تحويل الرقم
إلى حساب رمزي للمظالم أو القول إن لكل سنة منه معنى خاصًا؛ فذلك تكلف لا يدل عليه
النص، والذي يصح قوله أنّ طول زمن السقوط يزيد الصورة هولًا في المخيلة.
ولهذا استخدم
القرآن كثيرًا من الأسئلة التي توقظ العقل قبل أن تقدم الجواب: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)
(الغاشية: 1)، و(أَلَمْ
نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ) (البلد: 8)، فالسؤال ليس دائمًا طلبًا لمعلومة
مجهولة؛ قد يكون مفتاحًا لتحريك وجدان كان غافلًا.
وفي التربية
والاستشارة والإدارة، قد يكون السؤال الصادق أبلغ من الاتهام المباشر: ماذا سيحدث
للضعفاء إذا نفذ هذا القرار؟ من سيدفع كلفته؟ ماذا ستقول لمن تضرر منه؟ فالأسئلة
الجيدة تجبر صاحب القرار على رؤية ما كان يمر عليه سريعًا.
لماذا تشتد حاجة القائد إلى صوت صادق يصارحه؟
المشهد يكشف
أيضًا حقيقة اجتماعية تتكرر في كل زمان: كلما ارتفع صاحب القرار، ازداد خطر أن
يسمع ما يسره أكثر مما يسمع ما يحتاج إليه.
الخليفة في
الرواية محاط بحاجب ينفذ أمره ويأتيه بالفقيه، وهذا جزء طبيعي من تنظيم السلطة،
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الحجاب الإداري إلى حجاب معرفي؛ فلا يصل إلى صاحب
القرار إلا الكلام المنتقى، لهذا كانت النصيحة الصادقة من أهم عوامل حماية السلطة
نفسها من أخطائها.
وقد جسد معقل بن
يسار رضي الله عنه هذا المعنى في موقف ثابت الإسناد؛ فقد زاره عبيد الله بن زياد
في مرض موته، فقال له معقل إنه سيحدثه بحديث لولا قرب موته ما حدثه به، ثم روى له
وعيد النبي صلى الله عليه وسلم لمن يتولى أمر المسلمين ولا ينصح لهم(7).
تأمل طبيعة
النصيحة هنا: رجل في مرض موته لا ينتظر عطية ولا يخشى حرمانًا، ولذلك استطاع أن
يضع صاحب السلطة أمام معيار آخر غير رضا الحاشية: رضا الله وحقوق الرعية.
وكل مؤسسة تحتاج
إلى هذا النوع من الأصوات؛ أشخاص لا تكون وظيفتهم تثبيت رأي القائد، وإنما حماية
القرار من العمى الذي تصنعه المجاملة.
هل يعني استقلال العالم تحويل النصيحة إلى خصومة؟
قد تدفع قوة
المشهد بعض القراء إلى اختزال العلاقة بين العلماء والحكام في المواجهة الدائمة،
وهذا لا تدل عليه القصة ولا مجموع النصوص الشرعية.
المطلوب من
العالم هو استقلال الضمير وصدق البيان، لا أن يجعل الخصومة غاية في ذاتها، وطاووس
نفسه -في هذا الخبر- لم يطلب الدخول، ولم يصنع جمعًا، ولم يحرض الحاضرين، ولم
يتوسع في خطاب سياسي؛ إنما قال ما رآه مسؤولًا عنه حين صار في المجلس.
وهذا فرق مهم
بين الشجاعة الأخلاقية وطلب الصدام، فالقرآن يأمر بالعدل حتى مع الخصوم: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ
قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة:
8)، ومن ثم فإن قوة النصح لا تعني إطلاق الاتهامات، كما أن الحكمة لا تعني
تمييع الحق.
والناصح الصادق
يحتاج إلى ثلاثة أشياء مجتمعة: علم يمنعه من القول على الله بغير علم، وإخلاص
يمنعه من طلب البطولة لنفسه، وشجاعة تمنعه من كتمان ما يجب بيانه.
إذا غاب العلم
صار الكلام تهورًا، وإذا غاب الإخلاص صار استعراضًا، وإذا غابت الشجاعة صار العلم
مخزونًا لا أثر له وقت الحاجة.
كيف تنعكس صورة اليوم الآخر على مواقفنا المعاصرة؟
أجمل ما في
المشهد كله أن طاووس -كما تصفه الرواية- حسم الصراع قبل أن يبدأ الكلام؛ فلم ينتصر
حين ألقى الموعظة، وإنما انتصر أولًا عندما قال في نفسه: «إن هذا لمجلس يسألني
الله عنه»، فاللسان غالبًا ثمرة لما استقر في القلب.
إذا كان أكبر ما
في القلب هو المنصب، خضع اللسان للمنصب، وإذا كان أكبر ما فيه رضا الجمهور، أصبح
الكلام تابعًا للتصفيق، وإذا استقر فيه استحضار السؤال بين يدي الله، أصبحت
الموازين الدنيوية أصغر من أن تستبد به.
وفي الحياة
المعاصرة قد لا يقف المرء أمام خليفة، لكنه يقف أمام صور مصغرة من الموقف نفسه:
طبيب أمام إدارة تطلب منه ما يخالف أمانته، ومحاسب يرى رقمًا لا يصح تمريره، ومعلم
يواجه ظلمًا لطالب، ومستشار يعرف أن القرار الذي يريده رئيسه سيلحق ضررًا بالناس.
هنا يظهر السؤال
الذي أضاء مجلس طاووس: أي مجلس هذا الذي سيسألني الله عنه؟ إذا حضر هذا السؤال لم
يكن معناه أن يتكلم الإنسان في كل شيء، بل أن يعرف متى يكون صمته حكمة، ومتى يصبح
الصمت نفسه تقصيرًا.
دروس من مجلس طاووس بن كيسان وسليمان بن عبدالملك
أولاً: أن الخوف
لا يزول بمجرد تكرار عبارات الشجاعة، وإنما يحتاج الإنسان إلى مرجعية أعلى يعيد
إليها ترتيب مخاوفه.
ثانياً: أن صاحب
المعرفة لا يؤدي أمانته إذا تحول علمه إلى أداة لإرضاء الأقوى؛ فالعلم في جوهره
شهادة، والشهادة تفقد معناها حين تتغير بتغير من يجلس أمامنا.
ثالثاً: أن صاحب
القرار أحوج الناس إلى من يذكره؛ لأن أثر خطئه لا يتوقف عند نفسه.
رابعاً: أن
النصيحة لا تحتاج دائمًا إلى خطاب طويل، فقد تدخل جملة واحدة إلى موضع لا تدخل
إليه عشرات الخطب إذا خرجت من قلب يستحضر الحساب.
خامساً: يبقى
التحفظ العلمي نفسه جزءًا من الأمانة التي يعلمنا إياها معنى القصة: فالخبر الذي
بين أيدينا مشهور في كتب التراجم، لكنه مروي بطريق فيه ضعف، ولا يجوز أن تحولنا
جاذبية المشهد إلى إخفاء ذلك، ولعل هذا أيضًا وجه من وجوه «إن هذا لمجلس يسألني
الله عنه»: أن يقول الباحث ما تثبته المصادر، ويفرق بين الصحيح والمشهور، ولا يجعل
جمال القصة مقدمًا على صدق النقل.
فالكلمة التي
يحتاجها صاحب السلطان هي كلمة الحق، والكلمة التي يحتاجها قارئ التاريخ هي كذلك
كلمة الحق.
من خلال ما سبق
يتبين أن أعظم استقلال يملكه العالم والمستشار والمربي وكل صاحب كلمة، ليس أن يخلو
من المخاوف، بل أن يكون في قلبه ما هو أعظم من كل ما يخافه.
فإذا وقف الإنسان في مجلس قادر على تغيير مصائر الناس، ثم تذكر أن فوق الجميع حكمًا لا يحابي أحدًا، صار العدل أقرب، والمداهنة أصعب، وأصبحت النصيحة عبادة قبل أن تكون موقفًا.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً