نظرات في قاعدة البلاء عند الحركات الدعوية

د. عمرو نافع

29 مارس 2025

125

المحن ظاهرة إنسانية لها مبررات حدوثها، ودورة حياة تنتهي كما تنتهي الدول والجماعات البشرية والحركات الدعوية، تبدأ قوية ضخمة ثم تتلاشى تدريجياً حتى تنتهي.

ونظراً لأنها ظاهرة إنسانية، فهي لا تخص المسلمين وحدهم، بل تعم البشر أثناء محاولاتهم تغيير ظروفهم الإنسانية أو واقعهم السياسي.

وقد بان حديثاً أن ظاهرة المحن صارت ملازمة تلازمًا عضويًا مع بروز الصحوة الإسلامية حول العالم الإسلامي في مراكز التجمع البشري الضخمة مثل باكستان وتركيا ومصر، حيث أصبح هناك اعتقاد بأن شرط وجود صحوة إسلامية عاملة في مجالات الدعوة إلى الله هو وجود محنة وتضييق.

وهذه المحنة وذاك التضييق لهما أشكال متعددة، سواء بالإقصاء والتهميش تارة، أو بالمواجهة السياسية تارة، أو بالسجن والاعتقال والنفي تارة أخرى.

وقاعدة الحركات الإسلامية الأصلية ترى في المحنة بلاءً يحمل في طياته منحة في الوقت نفسه، تستفيد منه الحركات الدعوية وتربي من خلاله أبناءها وقياداتها، وتمحص أفرادها، حيث إن الرفاهية لا تصنع رجالاً، والضغوط في سبيل الله تجعلك إنسانًا متألقًا.

فقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم حياة مفعمة بالضغوط؛ هاجر من وطنه، وذاق في حياته ألوانًا وأشكالًا شتى من العذاب، وكلما ذاق منها شيئًا ازداد قربًا من الله عز وجل، وازداد ثباتًا على طريقه ومنهجه ودعوته، وازداد يقينًا في نصرة الله له ولو بعد حين، فالأمر لا يتسع إلا إذا ضاق، والصبح لا يتنفس إلا بعد ليل دامس مظلم، فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.

وفي ظل تلك القناعات، تعتقد التيارات الإسلامية أنها لم تجرب حظها بعد في قيادة المنطقة، ويعتقد كثير منهم أنهم يبصرون عورات الآخرين وعجزهم، ومن ثم يتعرضون لضغوط كثيرة ومحن كبيرة.


اقرأ أيضاً: الشباب بعد محنة السجون.. تجارب واقعية


وهنا يثور السؤال الأهم حول طبيعة تلك المحن، وهل كان بعضها نابعًا من تراجع حركة النقد الذاتي والتطور اللازم لمواكبة العصر داخل تلك الحركات أم لا؟

قاعدة البلاء وتحدياتها

البلاء يكون بالشر وأيضًا بالخير، مصداقًا لقول المولى عز وجل: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (الأنبياء: 35)، وقد انتبه المربون في حقل الدعوة الإسلامية مبكرًا إلى أن البلاء بالخير أيضًا فتنة قد لا تنتبه إليها الحركات الدعوية، وهو نوع من التربية والوعي الواجب الانتباه إليه في هذه المرحلة.

فعلى مدار تاريخ الدعوات الإصلاحية والاجتماعية، نجد أن قاعدة البلاء عند الإسلاميين تُعتبر دليلًا على الصوابية ونجاح الحركة وإخلاصها وسلامة الفرد وصحته.

ووفقاً للبعض، فإن تكرار المحن والأزمات والتجارب المصحوبة بالمحنة يعد قوة في الحركة وبقاءً في الاستمرار.

وفي السياق نفسه، نجد أن التعامل مع الخير والواقع السوي الطبيعي الذي تعيش فيه الحركات، ومن ثم جميع الأمم والحضارات، لا يعبر عن نمو وظهور وانطلاق لهذه الحركات من خلال ممارسات سوية حية ناجحة، ومن ثم يرى كثيرون أن بعض الإسلاميين لا يجيدون التعامل مع الوضع المستقر والثابت الطبيعي، ويكون هناك عجز وارتباك إذا مروا بحالات انسيابية وهدوء واستقرار.

لذلك، يجب أن تكون القاعدة الأساسية التي تنطلق منها الدعوات هي الظروف الصحية والعوامل الملائمة التي تصنعها لكي تتربى وتزدهر وتنتج وتدفع للتغيير الذي تطلبه، وهي توحيد الله الخالص؛ فبلاء المحنة فتنة، وبلاء الخير أيضًا فتنة، فإذا جاء بلاء المحنة، تكون القاعدة «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاثبتوا» (حديث صحيح).

ومعلوم أن الدعوات تكون في المساحات الفارغة والأماكن الرخوة والزمان القويم المناسب، حتى يحدث بناء قوي وسليم ومعافى أيضًا، ويكون البلاء هو الاستثناء مع الصبر والثبات.

إن هناك علاقة عضوية بين الفكرة والممارسة، ونجاح الممارسة يؤدي لنجاح الفكرة حتمًا، والتطبيق إن كان في جو متوتر أدى إلى صعود متواز للتراجع عن الفكرة، والعكس بالعكس صحيح.

فالطبيب لا يصبح طبيبًا لمجرد قراءة كتب السنوات الدراسية، بل عندما يربط بين الممارسة وما قرأ، وعن طريق الممارسة الطبيعية يتمحص ويصبح ذا خبرة ومرجعية قوية.


اقرأ أيضاً: حياة المسلم.. بين المحن وسوء التدبير


دورة حياة الحركات الإسلامية

دورة حياة الحضارة مثل حياة الإنسان، فلو عاشت الحركة التي تسعى للتغيير حالة دائمة من المحن، لن تستطيع أن يتوفر لها عطاء الواقع الطبيعي، فالمحنة وقتية وليست مستمرة طوال تكوينها الفكري والعقدي.

إن الدارسين للتاريخ دائمًا ما يلاحظون أن المحن تتبعها تجارب إنسانية رائدة وناجحة للحياة الاجتماعية السوية، مثل حياة النحل والنمل، حيث يكون فيها عمل شاق ولكن ينتج منها حالة الرحيق المختوم في النهاية، وكذلك حالة الشغيلة في حياة النمل، فهي تصنع بيوتاً قد تعجز التصميمات المعمارية الحديثة عن بنائها.

ولذلك، يركد الخبراء أن المحنة التي تطول ينتج عنها خلل في التكوين النفسي والإيماني، وليس كل المجتمع خباب بن الأرت، ولا سمية التي أغلظت القول لأبي جهل، ولا المجتمع كله آل ياسر.

ولذلك، وحتى لا تصبح حالة الاستضعاف مرادفة ومقاربة للتكوين النفسي لأي حركة اجتماعية أو سياسية، فإن الجماعات والتنظيمات والدول يجب أن تدرك أن لها دورة حياة متكاملة، تبدأ من الصعود ثم القوة ثم الأفول في النهاية، كذلك تتمتع الجماعة البشرية بدورة حياة متكاملة لا تقف عند محطة محددة، وهو موضع التأمل في عقلية الجماعة السياسية، أيًا كانت هذه الجماعة أو التيار.

ولا بد من الانتباه بشكل كبير إلى فقه كل مرحلة، حيث نميز بين 3 أنواع من الفقه السياسي:

1- فقه الماضي (فقه التاريخ): كيف نتعلم من التجارب والمحن ونقيمها، ونعقد لكل مرحلة تقييمًا ذاتيًا نقدمه للأجيال وللتاريخ بدون مجاملة.

2- فقه الحاضر (فقه الواقع): وندرسه من خلال خبراء مختصين في كافة المجالات القانونية والسوسيولوجية والنفسية والإدراكية، ونستند إلى هذه الخبرات في تقييم الواقع بعيدًا عن مؤثرات الإعلام وغاياته وأهدافه التمويلية أحيانًا والتعبوية أحيانًا كثيرة.

3- فقه المستقبل (علم استشراف المستقبل): وقراءة القادم علينا من خلال تحليل وتقدير موقف سليم الأبعاد والمكونات من خلال مراكزنا وقدراتنا البحثية، لا من خلال قراءة منهجيات توجهنا إلى اتجاهات مختلفة عن هويتنا الفكرية والثقافية.


اقرأ أيضاً: نظرات حول المظلومية


إن الإسلاميين المهرة هم من يحلون معادلة كيفية قيادة العالم الروحي الذي يحتاج خبراتهم العملية، فمفهوم الوظيفة الخيرية وعلاقتها بالمناهج المقاصدية هو محور التصور الإسلامي السديد.

كذلك، فإن تقديم البدائل الفكرية في عالم الفراغ الروحي والعقدي يحتم بروز حركة اجتماعية جديدة تسعى للتغيير بشرط فك شفرة الواقع ومعالجته وتجنب الأعداء المرحليين.


الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة