وداع الأبناء في غزة.. «هات نصفه الثاني يابوي!»
لم يكن سهلاً أن ترفع هاتفك النقال لتتصل معزياً أباً في استشهاد نجله، كنت أشعر أن الكلمات تتلعثم، وأنها ثقيلة على لساني؛ لأنني أعلم أن المصاب جلل، وأدرك حجم ما تعنيه وداع الأبناء في غزة لأسرٍ وجدت نفسها تواجه أقسى صور الفقد، وقبل أن يرن الهاتف، كنت أسأل نفسي: ماذا أقول؟ وكيف أتحدث مع من فقد فلذة كبده؟ وكيف يمكن أن أواسي أباً بفقدان نجله؟
فقد كان ارتقاء
الشهيد صالح، نجل د. زياد مقداد، أمراً كبيراً بالنسبة إليّ، فقد كان شيخي وأستاذي
في سنوات الجامعة، خلال مرحلتي البكالوريوس والماجستير، تلقيت منه العلوم الشرعية،
وتعلمت على يديه أخلاق العلماء وتواضعهم.
تعلمت منه
التريث في الفتوى، والإحاطة بما يحيط بالمسألة من أحداث وملابسات قبل إصدار الحكم،
كما تعلمت أن الإنسان مهما بلغ من العلم، لا بد أن يتحلى بالتواضع وحسن المعاملة
مع السائل.
وكان يحظى من
جميع الزميلات بالاحترام الأبوي، فكان بمثابة الأب الذي تتوارث أجيال الطلبة
احترامه ومحبته.
الصبر والثبات.. فغزة تستحق
سبقتني صديقتي
بالاتصال به، ثم هاتفتني لتخبرني بذلك، فشجعتني على اتخاذ الخطوة رغم شعوري
بالهيبة، وظل السؤال نفسه يلح عليَّ: كيف يمكن أن نواسي أباً استشهد نجله؟
تذكرت في تلك
اللحظة ما تعلمته منه في كتب الفقه وأصوله عن الصبر والثبات، وأن كل غالٍ في سبيل
الله تعالى يهون ويرخص، خاصة أن فلسطين عقيدة ودين قبل أن تكون وطناً وطيناً.
عرفناه على مدى
أجيال بإيمانه، وسلامة بوصلته، وحبه للخير ومساعدة الآخرين، واتصافه باللين وحسن
التعامل، فجاء اليوم الذي يترجم فيه ما كان يعلمه لطلابه من الناحية النظرية إلى
واقع عملي؛ ترجمة للصبر والثبات والرضا والإيمان.
يبحث عن نصف جثمان نجله!
وفي الوقت الذي
كنت أواسي شيخي د. زياد بارتقاء نجله، وأقول له: «أعظم الله أجرك»، جاء خبر
استشهاد بصير، نجل مدير عام وزارة الصحة في غزة، الطبيب منير البرش.
كان نجله قد
سبقه بخطوات خارج الخيمة، حتى جاءت لحظة الارتقاء.
وجد أبو بصير
نصف جثمان نجله، فطلب البحث عن النصف الآخر، حتى يجمعهما قبل دفنه.
لا أعرف كيف
استطاع هذا القلب أن يجمع قواه أمام هذا المشهد المفجع! في تلك اللحظة تختفي
الألقاب، ويبقى لقب الأب والابن، في وداع يهتف فيه الأب بقلبه وعلى لسانه: «سبقتني
على الجنة يا بوي.. والله جاهدت في سبيل الله، بس أنت سبقتني على الجنة يا بوي».
أبو بصير لم
يغادر قطاع غزة رغم الإبادة، كانت أمامه فرص كثيرة للمغادرة، لكنه جعل من الثبات
على أرض الرباط الفرصة الأثمن؛ رغم أن منزله قُصف على رؤوسه ورؤوس أفراد عائلته،
وأصيب إصابات خطيرة، واستشهدت ابنته جنان، ومع ذلك بقي في غزة، ولم يخرج منها أو
حتى ينزح إلى الجنوب، رغم حدة الجوع، ونقص المستلزمات الطبية، وشدة القصف.
واصل عمله
متنقلاً ومحاصراً بين المستشفيات، رافضاً المغادرة، رغم القصف ومحاصرة الاحتلال
للمستشفيات، وواجه الروايات التي كان الاحتلال يرددها عقب كل قصف، بزعم وجود أنفاق
أو عناصر مقاومة داخل المستشفى، كان يقابل تلك الروايات بالحقائق والصور والمرضى
والجرحى.
حكايات الفقد والوجع
حكاية الأب
والابن من أكثر حكايات الفقد التصاقاً بالقلب؛ من الصعب فيها العثور على كلمات
للمواساة، لأن العلاقة أعمق وأكبر من أن تصفها الكلمات.
ولهذا يصبح
الحديث عن وداع الأبناء في غزة وجعاً غائراً في قلوب آلاف الآباء في القطاع؛ شهيد
خلف شهيد، وأب يحمل جثمان نجله على كتفه، إذا كان الجثمان موجوداً أصلاً، وليس
أشلاء أو بقايا جسد.
كثير من
الجنازات في غزة تحمل نصف جسد، أو أشلاء وقطعاً من اللحم اختلطت بالعظام، فهذا كل
ما تبقى من ابن كان قبل لحظات جزءاً من حياة أبيه، ثم أصبح الأب مضطراً إلى توديع
ما تبقى منه.
هي حكايات لا
تشبه بعضها، لكنها تلتقي جميعاً عند وجع واحد؛ أب يودع ابنه، وابن يرحل قبل أبيه،
وذاكرة لا تجد وقتاً كافياً لاستيعاب حجم الفقد.
وفي غزة، لم يعد
وداع الأبناء مشهداً عابراً، بل صار جزءاً من يوميات الحرب؛ وجعاً يتكرر مع كل
جنازة، وكل اسم يُضاف إلى قائمة الشهداء، وكل أب يبحث بين الركام عن وجه ابنه أو
نصف جسده أو حتى أثر يدل عليه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً