فقه الجماعة وقت الفتن
وهب بن منبه.. اجتماع كلمة الأمة في مواجهة الخوارج
يسوق الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء» خبرًا عن وهب بن منبه(1)؛ حيث قَالَ: فَقَالَ
ذُو خَوْلَانَ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: انْظُرْ زَكَاتَكَ فَأَدِّهَا إِلَى
مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَجَمَعَهُمْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ
الْمُلْكَ مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ وَبِيَدِهِ، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، فَإِذَا
أَدَّيْتَهَا إِلَى وَالِيَ الْأَمْرِ بَرِئْتَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ فَضْلٌ
فَصِلْ بِهِ أَرْحَامَكَ وَمَوَالِيَكَ وَجِيرَانَكَ وَالضَّيْفَ، فَقَالَ: اشْهَدْ
أَنِّي نَزَلْتُ عَنْ رَأْيِ الْحَرُورِيَّةِ(2).
كيف يحمي العلم الشرعي الأمة من الاقتتال؟
لم تكن هذه
الكلمات النيرة مجرد جواب فقهي طارئ عن الجوانب المالية لدفع الزكاة، بل كانت
خاتمة مناصحة علمية بليغة أنقذ بها التابعي وهب بن منبه أبا شمر الخولاني من
الانضمام إلى تنظيمات الحرورية والخوارج.
وتكشف هذه
المناصحة المسندة عن فقه تربوي واعي لدى علماء السلف؛ حيث أدركوا أن صلاح المجتمع
واستقراره لا ينفصلان عن حفظ النسيج الاجتماعي، وأن علاج الأخطاء لا يكون بالتكفير
أو شق العصا ورفع السلاح.
وكان السؤال
الحقيقي الذي واجهه وهب بن منبه أعمق من المجهود المالي: كيف يستطيع المسلم إبراء
ذمته وأداء واجباته دون أن يتحول إلى وقود لفتنة تمزق مجتمعه وتستبيح الدماء
والأموال بغير حق شرعي؟
أسباب تشديد السلف في التحذير من الخوارج
ليست هذه الفتوى
المسندة المروية عن التابعي الجليل وهب بن منبه مجرد موعظة جزئية في أحكام المال،
وإنما تكشف عند النظر في أبعادها عن منهج أصيل في تقرير الفقه الاجتماعي والأمني
لأمة الإسلام، يبدأ هذا المنهج بحراسة استقرار الجماعة من دعوات التكفير، ويمر بفك
ارتباط المكلّف عن مظاهر الشك والوسواس الفقهي، وينتهي بتحويل طاقات الأفراد من
الصراعات النزاعية إلى ميادين البر وصلة الأرحام وبناء المجتمع.
وفي هذا الموقف
الفقهي الحاسِم يبرز سؤال تربوي يتجاوز الوقائع التاريخية ليخاطب الواقع المعاصر:
كيف يستطيع المسلم حماية دينه واستقراره النفسي، وهو يعيش في زمن تتدفق فيه دعوات
الفرقة وتستغل الحرص الديني لتفكيك الجماعة؟
وهب بن منبه وموقفه من الحرورية
ينتمي وهب بن
منبه الصنعاني إلى طبقة كبار التابعين في اليمن، وقد عاصر حوادث الخوارج وما
أحدثوه من شقاق واقتتال بين المسلمين، مما جعله مدركاً لآثار الغلو على السلم
الاجتماعي ومقاصد الشريعة.
وقد أفرد له
الإمام الذهبي ترجمة حافلة في سير أعلام النبلاء، كما أورد الحافظ ابن عساكر هذه
المناصحة الشهيرة في تاريخ دمشق، لتبين المسلك الفقهي الذي كان يعتمده العلماء في
مواجهة دعاة الفتنة والتكفير.
وتُقرأ هذه
المرويات التاريخية باعتبارها آثاراً يستأنس بفقهها في حماية الاستقرار، ويدرس
أسلوبها في تفكيك الشبهات على ضوء المحكمات الثابتة في الكتاب والسنة النبوية
الشريفة التي تحث على لزوم جماعة المسلمين.
ومع هذا
الاحتراز العلمي، فإن التوجيهات المسندة عن وهب تنبض برؤية حكيمة توازن بين أداء
الفرائض الذاتية وحفظ الأمن العام، وتمنع من اتخاذ أخطاء الأمراء مبرراً لشحن
النفوس وتأجير الفتن.
لماذا قدم وهب بن منبه لزوم الجماعة على المعارضة؟
ظهر الخوارج في
الصدر الأول من التاريخ الإسلامي، وارتبط مسلكهم بغلو شديد في التكفير واستحلال
دماء المخالفين، مما جعل الأئمة والتابعين يحذرون منهم أشد التحذير لما يترتب على
مذهبهم من استباحة الحرمات.
وقد أدرك وهب بن
منبه الشؤم التاريخي المصاحب للفرقة؛ حيث بين لخصمه مآل الجماعات المتنازعة التي
تستبيح الحقوق، في قوله: «مَا كَانَتِ الْخَوَارِجُ جَمَاعَةً قَطُّ إِلَّا
فَرَّقَهَا اللَّهُ عَلَى شَرِّ حَالَاتِهِمْ».
ولم يكن تحذير
علماء السلف موقوفاً على مجرد الخلاف الرأي، بل كان بسبب استباحة الدماء المعصومة
وتهديد الأمن العام، وهو ما ورد النهي الصارم عنه في السنة النبوية الشريفة
الصريحة الداعية إلى الصبر وحفظ الصف.
فقد ثبت في
التوجيه النبوي الحذر من مفارقة جماعة المسلمين وشق عصا الطاعة، في قوله صلى الله
عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ،
فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً
جَاهِلِيَّةً»(3).
فالصبر المأمور
به في الحديث ليس إقراراً للجور، بل تحذير حاسم من معالجة المنكر بما يفضي إلى
فتنة أكبر تسفك فيها الدماء، مع بقاء أصل النصيحة والأمر بالمعروف قائماً بضوابطه
الشرعية الحكيمة.
اجتماع الكلمة.. لماذا قدّم وهب بن منبه مصلحة الجماعة؟
حين سأل أبو شمر
الخولاني شيخه مسترشداً: «فما تأمرني؟»، لم يتردد وهب بن منبه في أمره بأداء زكاته
إلى من اجتمعت عليه ولاية المسلمين، مستحضراً ضرورة حفظ نظام الجماعة ومنع
التشرذم.
واللافت أنه لم
يجعل تصحيح كل خطأ في تصرفات السلطة شرطاً لامتثال أداء الفريضة، بل نظر إلى
التكليف المنوط بالفرد وإلى المصلحة العظمى المتمثلة في بقاء الأمة متماسكة تحت
سلطان قائم يحمي الثغور.
وهذا المعنى
يظهر جلياً في سنن السلف الصالح؛ إذ اشتهر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
الصلاة خلف الولاة ولزوم الجماعة وتجنب الفتن، كما قرر الإمام أحمد في أصول السنة
حظر الخروج بالسيف.
ثم بين وهب أن
التدافع وحفظ النظام هو الميزان الذي يدفع الله به الفساد العريض عن حياة الناس، مستشهداً
بالتوجيه القرآني في قوله تعالى: (وَلَوْلَا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (البقرة: 251).
وفي هذا السياق
يتضح الفرق الحاسم بين الخلاف الفقهي السائغ الذي تسعه الأمة، وبين الفرقة المسلحة
التي تتحول إلى اقتتال وتفكيك للروابط الاجتماعية، مما يجعل حفظ الجماعة مقصداً
شرعياً مقدماً.
الفرق بين مسؤولية الفرد وتصرفات السلطة المالية
كان المدخل
الشيطاني الذي نفذت منه الحرورية إلى قلب أبي شمر هو التشكيك في إجزاء زكاته
المفروضة، بزعم أن الولاة لا يضعونها في مصارفها الشرعية، ودعوه لتدفيعها إليهم
لضمان قبولها.
فأحدث ذلك لديه
حرجاً دينياً شديداً؛ لأنه يريد براءة ذمته أمام الله، فأتاه جواب وهب الحاسِم
ليمنحه المخرج الفقهي القاطع في قوله: «فَإِذَا أَدَّيْتَهَا إِلَى وَالِيَ
الْأَمْرِ بَرِئْتَ مِنْهَا».
وتبرز دقة هذا
التوجيه في الفصل التام بين مسؤولية المكلف بامتثال أداء الحق المنوط به، وبين
مسؤولية الحاكم القائم على المال وتصريفه؛ إذ لا يطالب الفرد بالتنقيب عن سرائر
وولايات القائمين.
وقد قرر فقهاء
السلف هذا المبدأ لقطع الطريق على الجماعات المتطرفة التي تستغل الوسواس الفقهي
لجمع الأموال واحتكار الولاء، مؤكدين أن السعي لبراءة الذمة يتحقق بأداء الفريضة
للجهة الرسمية المعينة.
وبهذا الفقه
السديد، استطاع وهب أن يفك الارتباط بين الحرص الإيماني للرجل وبين الاستقطاب
الحزبي، مبيناً أن الشريعة جاءت برفع الحرج وتيسير سبل الطاعة دون تكلف أو انسياق
خلف الشبهات.
كيف نجمع بين إنكار المنكر ومنع الاقتتال؟
قد يتبادر إلى
الذهن القاصر أن توجيه وهب بن منبه يدعو إلى المداهنة أو قبول أخطاء الولاة، لكن
السياق التاريخي والشرعي ينفي هذا الظن؛ إذ لم يقدم وهب تزكية لأفعال الأمراء أو
تصرفاتهم المالية.
فالمحافظة على
الجماعة لا تعني تقديس الحكام أو الامتناع عن نصحهم، بل تعني حظر اتخاذ الخلاف
والظلم ذريعة لشهر السلاح والتكفير، مع استمرار النصيحة الشرعية القائمة على
الحكمة والرفق.
وقد ضبط الشرع
الحنيف حدود الطاعة لولاة الأمر وجعلها مقيدة بالمعروف دون المعصية، كما جاء في
التوجيه النبوي المحكم الصريح في قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ
فِي الْمَعْرُوفِ»(4).
فالنصيحة أصل
أصيل من أصول الدين، لكن ممارستها ينبغي أن تلتزم بضوابطها الشرعية؛ فلا يزال
المنكر بما هو أنكر منه، ولا ترفع شعارات الإصلاح إذا كانت تؤدي إلى الفوضى
واستباحة الدماء.
ومن هنا تتجلى
القيمة التربوية لفقه المآلات؛ إذ العبرة بالنظرة الكلية لنتائج وسائل الإصلاح،
فلا يكفي حسن النية والمقصد إذا كانت الممارسة تؤدي إلى تمزيق نسيج الأمة واختلال
أمنها.
كيف يحول العالم طاقة النزاع لإحسان اجتماعي؟
تتألق حكمة وهب
بن منبه حين لم يقف عند حدود التوجيه المالي للزكاة، بل فتح للرجل آفاق البر
الواسعة في قوله: «وَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَصِلْ بِهِ أَرْحَامَكَ وَمَوَالِيَكَ
وَجِيرَانَكَ وَالضَّيْفَ».
فبعد أن أغلق
أبواب الفتنة، وجه طاقته وماله نحو دوائر الإحسان القريبة؛ كصلة الرحم، وتفقد
الجيران، وإكرام الضيف، ليعيد ربط الفرد بمجتمعه عبر الممارسة الأخلاقية الإيجابية
بدلاً من النزاع.
وقد جاء الأمر
القرآني بالتمسك بالدين والاعتصام الجماعي ونبذ التفرق في قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103).
كما حث التوجيه
الشرعي على توجيه الفضل والصدقات للإطعام والمواساة الاجتماعية الشاملة، كما في
قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ
الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الإنسان: 8).
إن هذا الانتقال
الذكي ينقل اهتمام المسلم من ممارسات الصراع والتنازع إلى ميدان البناء؛ فحماية
الوحدة لا تتأتى بالخطابات السلبية، بل بتمتين أواصر التكافل والرحمة في النسيج
الاجتماعي.
كيف أثمر الحوار العلمي في تراجع الخولاني؟
تصل المناصحة
إلى ثمرتها الميدانية العظيمة حين يعلن أبو شمر الخولاني تراجعه الكامل أمام
الحضور قائلاً: «اشْهَدْ أَنِّي نَزَلْتُ عَنْ رَأْيِ الْحَرُورِيَّةِ»، لتسجل
الرواية نجاح المنهج العلمي الأصيل.
وهذه اللحظة
تكشف عن الأثر الذي ينبغي أن يؤديه العالم الراسخ في زمان الفتن؛ فهو يملك الشجاعة
لتفنيد أفكار الغلو، والرفق لاستيعاب المترددين، والفقه لتقديم الحلول الشرعية
التي ترفع الحرج.
ولم يكن هذا
المنهج دعوة لإلغاء العقل أو حظر السؤال، بل كان إرشاداً لرد النوازل إلى أهل
العلم المعتبرين، والنظر في أدلة الأحكام ومآلاتها، لحماية الأفراد من الوقوع في
شباك التنظيمات المتطرفة.
وهكذا أثمرت
البصيرة العلمية في العصمة من الفتنة؛ حيث أنقذت رجلاً صالحاً من الانزلاق خلف
الشبهات، وحفظت للمجتمع فرداً نافعاً يوجه ماله وجهده لبناء مجتمعه وصلة أرحامه.
خلاصة منهج وهب في حماية وحدة المجتمع
تكشف مناصحة
التابعي الجليل وهب بن منبه لأبي شمر الخولاني عن وعي عميق بمحورية حفظ جماعة
المسلمين؛ فالتحذير من الخوارج لم يكن موقفاً انحيازياً، بل كان حماية لضروريات
الدين والنفس والمال من أخطار التكفير وسفك الدماء.
وهنا تبرز الزاوية الأساسية التي ركز عليها هذا المقال: إن اجتماع كلمة المسلمين وحفظ استقرارهم ليس مجرد مصلحة سياسية عابرة، بل هو مقصد شرعي كلي تتوقف عليه إقامة الدين وصيانة الحقوق؛ وإن أي إصلاح مزعوم يؤدي إلى شق عصا الطاعة وتمزيق نسيج الأمة واستباحة أبنائها يناقض المقاصد الشريفة التي جاءت الشريعة لتحقيقها؛ فالعالم الراسخ هو من يجعل من علمه حصناً يثبت الناس بالحق، ويبين لهم أن البر الحقيقي يكمن في اجتماع الكلمة، ونبذ الغلو، وتعمير المجتمع بصلة الأرحام والخير.
الهوامش
- 1 وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الأبناوي، أبو عبد الله، وُلد سنة 34 هـ، من جلة التابعين وثقات علماء اليمن، اشتهر بسعة علمه في أخبار الأمم السالفة (الإسرائيليات) ورواية الحديث، وعُرف بالحكمة والزهد وتولى القضاء، سكن مدينة صنعاء، وتوفي بها سنة 110هـ، وقيل: 114هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 545).
- 3 صحيح البخاري (9/ 47/ 7054).
- 4 سنن أبي داود (4/ 265/ 2625).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً