‌منازل الإحسان في إحياء ‌العشر ‌الأواخر ‌من ‌رمضان

د. أحمد ناجي

09 مارس 2026

411

إذا علمنا أن شهر رمضان هو أفضل الشهور، كانت نتيجة ذلك أن نجتهد فيه اغتناماً لفضله، وإذا علمنا أن العشر الأواخر هي أفضل أيامه، وأفضل لياليه، كانت نتيجة ذلك أن نكثر من الاجتهاد فيها، ويستحب في هذه الليالي العشر ثلاثة أشياء:

1- إحياؤها كلها.                   

2- زيادة الاجتهاد فيها بالأعمال الصالحة.

3- الاعتكاف واعتزال الشهوات والملذات.

إحياء النبي العشر الأواخر

ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجدّ، وشدّ المئزر» (رواه البخاري، 2024)، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أيقظ أهله ورفع المئزر، قيل لأبي بكر: ما رفع المئزر؟ قال: اعتزل النساء» (رواه الترمذي، 795).

استحباب زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر

ورد في حديث عائشة: «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر، أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجَدَّ»، والجَد هو: بذل الجهد في فعل الطاعات؛ أي: بذل ما يمكن من الوسع، وذلك يستدعي أن نأتي الطاعة بنشاط، ورغبة، وصدق ومحبة، وأن نبتعد عن الكسل، والخمول.

مجالات الجد في الطاعة كثيرة منها الصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى

بم يكون الجد في الطاعة؟

مجالات الجد في الطاعة كثيرة، فالجد في الصلاة؛ يكون بالصلاة في الليل والنهار ما استطاع، والجد في القراءة يكون بقراءة ما تيسر من القرآن بتدبر وخشوع وقلب حاضر، والجد في الذكر يكون بذكر الله تعالى، وفي الحديث أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله تعالى» (رواه الترمذي، 3375).

إيقاظ الأهل في العشر الأواخر:

ويدخل في ذلك أمر الأهل -وهم الأولاد والنساء- بالصلاة، فيستحب للمسلم أن يوقظ أهله بهدف الصلاة، وأن يذكرهم بفضلها، وكان السلف رحمهم الله يوقظون أهليهم حتى في غير رمضان، وكان عمر رضي الله عنه إذا كان آخر الليل أيقظ أهله كلهم، وأيقظ كل كبير وصغير يطيق الصلاة، وكان يقرأ قوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (طه: 132)، وفي الحديث: «إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين والذاكرات» (أبو داود، 1309).

أقسام الناس في إحياء العشر الأواخر

ينقسم الناس في إحياء هذه الليالي إلى أربعة أقسام:

الأول: وهؤلاء يحيون العشر الأواخر من رمضان بالعبادات، فيحيونها بالصلاة، وطول القيام والركوع والسجود، والاعتكاف في المساجد اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان يديم الصلاة في هذه الليالي؛ فإنه صلى ليلة ببعض صحابته حتى خشوا أن يفوتهم السحور، وكذلك صلى مرة ومعه أحد أصحابه -حذيفة رضي الله عنه- فقرأ في ركعة واحدة سورة «البقرة» و«آل عمران»، و«النساء»، يقرأ بتدبر، ويقف عند آية الرحمة فيسأل، وعند آية العذاب فيتعوذ، يقول: فما صلى ركعتين، أو أربع ركعات حتى جاءه المؤذن للصلاة.

يستحب للمسلم أن يوقظ أهله للقيام ويذكرهم بفضله حتى في غير رمضان

وهذا هو الأصل في إحياء هذه الليالي، وكان الصحابة يصلون في ليالي رمضان ثلاثاً وعشرين ركعة، وربما صلى بعضهم، أو بعض التابعين كما عند الإمام مالك في رواية ستاً وثلاثين، وعند الإمام الشافعي يصلي في ليالي رمضان إحدى وأربعين ركعة في رواية عنه فيصلون أربع ركعات، وتستغرق نصف ساعة، يستريحون بعدها نحو خمس أو عشر دقائق، ثم يصلون أربعاً وهكذا، ولذلك سموا هذا القيام بالتراويح حيث إنهم كانوا يرتاحون بعد كل أربع ركعات.

ويدخل في إحياء تلك الليالي أيضاً إحياؤها بالقراءة؛ فإن هناك من يسهر ليالي العشر يصلون ما قُدر لهم، ثم يجتمعون حلقات، ويقرؤون ما تيسر من القرآن في بيت من بيوت الله في المساجد، أو في بيت أحدهم رجاء أن تُحقَّق الفضائل التي رتبت على ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (رواه مسلم، 2699).

الثاني: يندرج في هذا القسم أولئك الذين يحيون ليلهم في التكسب، في تجاراتهم، وفي صناعاتهم وفي دكاكينهم؛ وهؤلاء قد ربحوا نوعاً من الربح، وهو ربح عابر؛ ربح دنيوي، لكنه قد يكون عند بعضهم أنفس وأغلى ثمناً مما حصل عليه أهل المساجد، وأهل القراءات، وأهل العلم! ولكنهم في الحقيقة قد خسروا أكثر مما ربحوا، فترى أحدهم يبيت ليله كله في مصنعه، أو في متجره أو حرفته، أو نحو ذلك، فهذا قد أسهر نفسه، وأحيا ليله، ولكن في طلب الدنيا.

الرابحون يحيون العشر الأواخر بالعبادات وطول القيام والركوع والسجود والاعتكاف

فإذا كان ممن رغب عن الأعمال الأخروية، وزهد فيها، وأقبل على الدنيا بكليته، وانصرف إليها ولم يعمل لآخرته، خيف عليه أن يكون ممن قال الله تعالى في حقهم: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ {15} أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (هود).

وهذه الآية فيمن جعل دنياه أكبر همه، ونسي أو تناسى الآخرة، ولم يعمل لها، وكان مقصده وديدنه السعي وراء هذا الحطام؛ بل جعلها هي مقصده، لا يعمل ولا يسعى ولا يكدح إلا لها، وهذا يتحقق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش» (رواه البخاري، 2887).

وبعض هؤلاء قد يحصل على جزء من الصلاة والقراءة ولا يكون غافلاً عن ربه ولا متغافلاً عن الذكر، فيقرأ القرآن ويذكر الله في أوقات فراغه، وهذا قد ربح نوعاً من الربح، وإن لم يكن الربح الأكمل.

الثالث: يحيونها في اللهو واللغو، وهؤلاء نراهم يجتمعون في بيوتهم ومجالسهم يتبادلون الفكاهات والضحك، والقيل والقال، وربما تجاوز الأمر بهم إلى الغيبة، وإلى النميمة، وإلى الكلام في أعراض الناس، ولا يذكرون الله في مجالسهم إلا قليلاً، ولا يقرؤون شيئاً من القرآن، وينقطع ليل أحدهم، ليس لهدف سوى نوم النهار، فيفوت عليهم الأمران؛ أنهم لا يشاركون المصلين في الصلوات، ولا يشاركون القراء في قراءتهم، وكذلك لا يشاركون أهل الأرباح الدنيوية في أرباحهم، فيفوت عليهم خيري الدين والدنيا.

الرابع: يحيونها في المعاصي كبيرها وصغيرها، وهم الذين يحيون هذه الليالي الشريفة في معصية الله، فنراهم يسهرون على آلات اللهو، والمجون، وربما زادوا على ذلك هذه النظرات التي ينظرونها إلى ما يثير الشهوات المحرمة؛ وهؤلاء مع كونهم محرومين، فإنهم آثمون إثماً كبيراً. 

اقرأ المزيد: 

·     تأخير قضاء رمضان.. وكيف نتعامل مع المسلم الذي لا يصوم؟

·     ما لا يسع الصائم جهله من أحكام

·     استقبال رمضان

·     العمرة في رمضان.. 6 فضائل وأحكام

·     فضل شهر رمضان.. 10 نفحات إلهية 

·     تهيئة النفوس لاستقبال سيد الشهور

·     الصوم.. تهذيب لا تعذيب 


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة