ضغط السائل وحدود المعرفة..

متى يقول العالِم «لا أدري»: موقف طاووس بن كيسان

رسم تصويري يجسد منهج طاووس بن كيسان في قول العالم لا أدري حين لا يكون عنده علم بما يسأل فيه

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عَنْ حَنْظَلَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ عَالِماً قَطُّ يَقُوْلُ: لَا أَدْرِي، أَكْثَرَ مِنْ طَاوُوْسٍ(1).

ليست «لا أدري» في هذا الخبر جوابًا عابرًا قاله طاووس بن كيسان مرة، وإنما سمة لاحظها رجل عرف مجالس العلماء، حنظلة بن أبي سفيان لا يقول: سمعت طاووسًا مرة يقولها، بل يقول: «ما رأيت عالمًا قط يقول: لا أدري، أكثر من طاووس».

وفي هذه الشهادة مفارقة تستحق التأمل: الرجل الذي كثر علمه هو نفسه الذي كثرت على لسانه عبارة الاعتراف بحدوده.

وهنا يكمن الدرس؛ لأن الجهل لا يعرف دائمًا بصمت صاحبه، فقد يكون أكثر الناس جوابًا أقلهم تحقيقًا، بينما يدفع العلم الراسخ صاحبه إلى رؤية مساحات لا يراها من عرف مسائل قليلة فظن أنه أحاط بالباب كله.

شجاعة التوقف أمام إلحاح السائل على الجواب.

في الظاهر تبدو العبارة سهلة: كلمتان فقط، لكن قولهما أمام مستفتٍ ينتظر الجواب أصعب مما يبدو؛ لأن السؤال لا يمتحن معرفة المسؤول وحدها، بل يمتحن صورته عن نفسه.

العالم المعروف يتوقع الناس منه أن يجيب، والسائل الذي قطع الطريق إليه لا يحب أن يعود بلا فتوى، والمجلس يراقب، وكل هذه العناصر يمكن أن تضغط على النفس حتى تبحث عن جواب بأي صورة: قياس سريع، أو ذاكرة غير متيقنة، أو عبارة محتملة تحفظ الهيبة، وطاووس اختار طريقًا آخر: أن تبقى الحقيقة أهم من صورته أمام السائل.

وهذا معنى قرآني أصيل؛ قال الله تعالى: (‌وَلَا ‌تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)، وقال سبحانه في تعداد المحرمات: (وَأَنْ ‌تَقُولُوا ‌عَلَى ‌اللَّهِ ‌مَا ‌لَا ‌تَعْلَمُونَ) (الأعراف: 33)، فقد جعل القول بغير علم من أعظم المحرمات.

ولهذا فالصمت عند فقد العلم ليس نقصًا في الوظيفة العلمية، بل أداء لها، العالم مؤتمن على أن يخبر الناس بما يعلم، ومؤتمن كذلك على ألا ينسب إلى الدين ما لا يعلم.

وفي زمن الإجابات الفورية تصبح هذه الفضيلة أشد حاجة؛ إذ يستطيع الإنسان اليوم أن يقول رأيه في الطب والاقتصاد والسياسة والشريعة والتربية في دقائق، ويكافئه الفضاء العام أحيانًا على سرعة الجواب أكثر مما يكافئه على دقته، لكن «لا أدري» تقطع هذه الدائرة من أولها: لا ينبغي أن يكون الفراغ المعرفي دعوة إلى اختراع جواب.

كيف رسخ المنهج الإسلامي فضيلة التوقف العلمي؟

أقوى ما يعيد هذه العبارة إلى مكانها الصحيح، أن السنة نفسها حفظت لنا موقفًا قيلت فيه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ورود العلم إليه، ففي الحديث الشريف

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صَلى الله عَلَيه وسَلم، أَيُّ الْبِقَاعِ شَرٌّ؟ قَالَ: «‌لَا ‌أَدْرِي ‌حَتَّى ‌أَسْأَلَ ‌جِبْرِيلَ، فَسَأَلَ جِبْرِيلَ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ مِيكَائِيلَ، فَجَاءَ فَقَالَ: "خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ، وَشَرُّهَا الأَسْوَاقُ»(2).

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم -وهو المؤيد بالوحي- لا يتقدم بالجواب فيما لم يأتِه فيه علم، فكيف يكون التوقف نقصًا في حق عالم أو مفتٍ أو معلم؟ إنها تربية عميقة على الفصل بين مكانة الإنسان ومقدار علمه بالمسألة المعينة.

قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وما أبردها على القلب إذا سئل أحدكم فيما لا يعلم أن يقول الله أعلم، وإن العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل، وقال عبد الله بن عباس: إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله، وقال بعض العلماء: هلك من ترك لا أدري، وقال بعض الحكماء: ليس لي من فضيلة العلم إلا علمي بأني لست أعلم(3).

قد يكون المرء من أعلم الناس، ومع ذلك ترد عليه مسألة لا يعرفها، ولا يوجد تناقض بين الأمرين؛ لأن العلم البشري مهما اتسع محدود، والمشكلة لا تبدأ عندما يجهل العالم، وإنما عندما يعتقد أن منزلته تمنعه من الاعتراف بالجهل.

ولهذا كانت «لا أدري» عند أهل العلم حماية من التحول الخطر: أن يصبح صاحب المعرفة أسيرًا لصورته بوصفه الشخص الذي يجب أن يعرف كل شيء.

اتساع العلم يكشف تعقيد المسائل وتشابك الأدلة.

في شهادة حنظلة دقة أخرى: «ما رأيت عالمًا قط..، أكثر من طاووس»، فهو لم يقارن طاووس بالعامة، بل بالعلماء، وقد يبدو هذا لأول وهلة عجيبًا: لماذا يكثر أكثر العلماء علمًا من قول «لا أدري»؟

لأن المعرفة الحقيقية توسع إدراك الإنسان لتعقيد المسائل، المبتدئ يرى سؤالًا واحدًا، أما الراسخ فقد يرى وراءه عشرات الاحتمالات: هل ثبت النص؟ هل له معارض؟ هل المسألة مجمع عليها أم مختلف فيها؟ هل صورة الواقعة مطابقة للصورة التي تكلم عنها الفقهاء؟ هل يحتاج السؤال إلى تفصيل لم يذكره السائل؟ ولهذا قد تكون سرعة الإجابة أحيانًا نتيجة قلة رؤية التعقيد، لا علامة على قوة العلم.

وفي موضع قريب من الخبر نفسه نقل الذهبي عن ليث قوله عن طاووس: كان إذا شدد الناس في شيء رخص فيه، وإذا ترخصوا في شيء شدد، ثم قال ليث: «وذلك للعلم»(4)، فالرسوخ لا يعني امتلاك جواب آلي دائم، بل معرفة الفروق ومواطن الاحتياط والتوقف.

وهذا مبدأ معرفي يصلح خارج أبواب الفتوى أيضًا، الطبيب الأمين لا يخجل من طلب فحص إضافي، والباحث لا يجزم إذا كانت البيانات ناقصة، والمدير لا ينبغي أن يخترع رقمًا لأنه سئل عنه في اجتماع، قول «لا أملك معلومات كافية» قد يكون أكثر مهنية من إجابة واثقة خاطئة.

حين تصبح «لا أدري» درع العالم الحصين.

هذا المنهج لم يكن خاصًا بطاووس، ومن أبلغ ما حفظ في ذلك عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس قوله: «جُنّة العالم: لا أدري، فإذا أغفلها أصيبت مقاتله»(5)، والـجُنّة هي الوقاية والستر؛ فكأن مالك يجعل «لا أدري» درعًا يحمي العالم؛ ومم تحميه؟

تحمي دينه من القول بغير علم، وتحمي الناس من خطئه، وتحمي سمعته الحقيقية من أن تقوم على الادعاء، وتحميه من عادة خطيرة تبدأ بإجابة متكلفة ثم تنتهي بأن يصبح التوقف أشق عليه في كل مرة.

ولهذا نقل الذهبي أيضًا عن الهيثم بن جميل أنه سمع مالكًا سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: «لا أدري»، وعن خالد بن خداش أنه قدم إليه بأربعين مسألة فلم يجبه إلا عن خمس، كما نقل عن عبد الله بن يزيد بن هرمز قوله: «ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول: لا أدري، حتى يكون ذلك أصلًا يفزعون إليه»(6)؛ وهذا التعبير الأخير مهم؛ فالمسألة ليست مجرد نجاة شخصية للعالم، بل ثقافة ينبغي أن يورثها لتلاميذه.

فإذا رأى الطالب شيخه يقول «لا أدري» بلا اضطراب، تعلم أن التوقف جزء من العلم، أما إذا رأى أستاذه يجيب في كل شيء، تربى لا شعوريًا على أن الاعتراف بالجهل عيب ينبغي إخفاؤه.

تدافع الصحابة عن الفتوى يكشف خطر التسرع.

من أخطر الأخطاء أن يتعامل المفتي مع السؤال كما لو كان اختبارًا شخصيًا: إما أن يجيب وإما أن يبدو عاجزًا، الفتوى ليست كذلك، السائل لا يحتاج إلى عرض لقدرة المسؤول على الارتجال؛ يحتاج إلى حكم يطمئن إلى أنه مبني على علم.

ولهذا جاء عن عبد الرحمن بن أبي ليلى -وهو من كبار التابعين- أنه أدرك عددًا كبيرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أحدهم يحيل المسألة إلى الآخر، حتى ترجع إلى الأول؛ خوفًا من التسرع في الفتوى، وهذه الروح هي النقيض الكامل لثقافة التسابق إلى الإجابة.

وكان ابن مسعود رضي الله عنه شديد التحذير من التوسع فيها، وروي عنه ذم من يفتي الناس في كل ما يسألونه، فقد قَالَ: «مَنْ أَفْتَى النَّاسَ فِي كُلِّ مَا ‌يَسْتَفْتُونَهُ ‌فِيهِ ‌فَهُوَ ‌مَجْنُونٌ»(7).

وهذا يضع تصرف طاووس في موضعه الصحيح: لم تكن «لا أدري» نقصًا في خزان معلوماته، بل جزءًا من نظام حماية العلم نفسه.

فالخطأ في بعض المعارف لا يقف عند صاحبه؛ وإذا تحول إلى فتوى فقد يتعلق بزواج وطلاق ومال وعبادة وحقوق أشخاص، لذلك كان الورع العلمي جزءًا من حفظ حقوق الناس، لا شأنًا روحيًا خاصًا بالعالم وحده.

أمانة الإقرار بالعجز تضاعف مصداقية القول الحق.

إذا كان الإنسان يجيب عن كل شيء، فلن يعرف الناس متى يتحدث بعلم ومتى يتحدث بتخمين، أما من اعتاد التوقف حين يجهل، فإن قوله عند العلم يكتسب وزنًا أكبر.

ومن هنا يمكن فهم شهادة حنظلة على وجه آخر: كثرة «لا أدري» عند طاووس لم تهدم مكانته العلمية، وإلا لما بقيت شهادته أصلًا بوصفه عالمًا كبيرًا، على العكس، صارت أمانته في حدود المعرفة جزءًا من سبب الثقة به.

وهذا قانون مهم في القيادة أيضًا، فالمدير الذي يدعي معرفة كل التفاصيل يعلّم فريقه إخفاء الجهل والأخطاء؛ لأن الجميع سيحاول تقليده، أما القائد الذي يقول: «لا أعرف، فلنتحقق» فيعطي الآخرين إذنًا أخلاقيًا بالصدق.

وبذلك تتحول عبارة صغيرة إلى ثقافة مؤسسية كاملة: لا مكافأة على التخمين، ولا عقوبة على الاعتراف بحدود المعرفة، والمعلومة الموثقة أفضل من الرأي السريع.

فقه طاووس بن كيسان يعالج فوضى التصدر على الإنترنت.

لم تكن الحاجة إلى فقه طاووس أقل من يومنا هذا؛ فالمنصات الرقمية تكافئ السرعة والوضوح والحسم، بينما المعرفة الدقيقة كثيرًا ما تحتاج إلى عبارات أقل إثارة: «المعطيات غير كافية»، «هناك خلاف»، «لا أستطيع الجزم»، «أحتاج إلى التحقق».

وقد يشعر المتحدث أن هذه العبارات تضعف حضوره، فيندفع إلى اليقين الزائف، لكن المعيار الذي يجسده طاووس يعكس المسألة تمامًا: ليست قيمة العالم في عدد الأسئلة التي يجيب عنها، بل في صدق الحد الفاصل بين ما يعرفه وما لا يعرفه.

ويمكن تطبيق ذلك في التعليم كذلك، حين يسأل الطالب أستاذه سؤالًا لا يعرف جوابه، يكون أمامه خياران تربويان؛ أن يموه عليه حفاظًا على صورته، أو أن يقول: «لا أعرف، وسأرجع إلى المصدر»، الخيار الثاني لا يعلم الطالب المعلومة وحدها عندما يجدها، بل يعلمه كيف يتعامل الإنسان المحترم مع حدود معرفته.

الصمت العلمي مقاومة لضغط الجماعة.

هناك ضغط خفي يصاحب السؤال العلني: الناس ينتظرون، وهذا الانتظار قد يدفع المسؤول إلى ملء الصمت بأي شيء.

لكن طاووس كان قادرًا على تحمل الفراغ الذي تتركه «لا أدري»، وهذه قدرة نفسية لا تقل أهمية عن المعرفة نفسها؛ لأن كثيرًا من الأخطاء لا تنتج من فقد المعلومات وحده، بل من العجز عن احتمال أن يراك الآخرون غير قادر على الإجابة.

ومن هنا يلتقي التواضع العلمي بتزكية النفس، قال الله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: 32)، فمن صور تزكية النفس الخفية أن يتعلق الإنسان بصورة «العالم الذي لا يعجزه سؤال»، ثم يدافع عنها ولو على حساب الحقيقة.

أما من تحرر من هذا الاحتياج، صار قادرًا على الاعتراف بحدوده، ومن اعترف بحدوده أمكنه أن يتجاوزها بالتعلم.

والناظر فيما سبق يجد أن حنظلة بن أبي سفيان لم يقل: لم أر رجلًا أقل علمًا من طاووس؛ بل وصف رجلًا من العلماء ثم قال إنه كان أكثرهم قولًا: «لا أدري».

وفي هذه المفارقة يكمن الدرس كله، فالعلم الحقيقي لا يمنح صاحبه شعورًا بأنه أحاط بكل شيء، بل يعطيه معيارًا أدق لتمييز ما يعلم مما لا يعلم، وكلما صار هذا الخط أوضح، ازدادت أمانته.

وليس المطلوب أن تصبح «لا أدري» زينة لفظية يتظاهر بها الإنسان بالتواضع، بل أن تتحول إلى مبدأ: لا تقل ما لا تعلم، ولا تجعل ضغط الجمهور يسبق الدليل، ولا تجعل مكانتك تمنعك من مراجعة نفسك، ولا تستحِ من التوقف إذا كان التوقف هو الحقيقة.

ثم إذا قلت: لا أدري، فلا تتوقف عندها؛ اسأل وابحث وتحقق، لقد كان في وسع طاووس أن يحمي صورته بكثرة الأجوبة، لكنه اختار أن يحمي العلم نفسه.

ولهذا بقيت «لا أدري» التي قالها أكثر من مرة شهادة له، لا عليه، فالجاهل قد لا يعرف الجواب، أما العالم حقًا، فيعرف أيضًا متى لا يملك الجواب.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (5/ 43).
  • 2 صحيح ابن حبان (42).
  • 3 أدب الدنيا والدين، ص 74.
  • 4 سير أعلام النبلاء (5/ 43).
  • 5 جامع بيان العلم وفضله: ابن عبدالبر (2/ 841).
  • 6 التمهيد: ابن عبدالبر (1/ 690).
  • 7 جامع بيان العلم وفضله (2/ 1125).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة