قراءة نفسية في ثبات العلماء
كيف يصنع الثبات أثراً لا يموت؟ سعيد بن جبير أمام الحجاج
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن مُحَمَّد بن عَبْدِاللهِ بنِ عَبْدِ الحَكَمِ قال:
حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُوْلُ: حَدَّثَنِي رَبِيْعَةُ أَنَّهُ
لَمَّا قُتِلَ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ، خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ كَثِيْرٌ حَتَّى رَاعَ
الحَجَّاجَ، فَدَعَا طَبِيْباً، قَالَ لَهُ: مَا بَالُ دَمِ هَذَا كَثِيْرٌ؟
قَالَ: إِنْ أَمَّنْتَنِي أَخْبَرْتُكَ، فَأَمَّنَهُ، قَالَ: قَتَلْتَهُ
وَنَفْسُهُ مَعَهُ(1).
لا تكمن أهمية
قصة سعيد بن جبير في لحظة مقتله وحدها، بل في الطريق الطويل الذي سبق تلك اللحظة؛
طريق عالم نشأ في مدرسة التابعين، وتكوّن على العلم والعبادة، ثم وجد نفسه في
مواجهة واحدة من أعقد لحظات التاريخ السياسي في العصر الأموي.
فالرواية التي
نقلها الذهبي لا تقدم مجرد خبر وفاة، وإنما تعرض مشهدًا إنسانيًا كثيف الدلالات؛
رجل فقد حياته، لكنه لم يفقد سكينته، وسلطان امتلك القوة الظاهرة، لكنه اضطر إلى
البحث عن تفسير لمشهد أربكه.
وتأتي هذه
الحادثة في سياق الاضطرابات التي أعقبت ثورة عبد الرحمن بن الأشعث ومعركة الجماجم،
وهي فترة اتسمت بتوتر سياسي شديد بين سلطة الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق وبين
جماعات من العلماء والقراء وأهل العبادة الذين ارتبط بعضهم بأحداث تلك المرحلة، ولذلك
فإن فهم الموقف يحتاج إلى وضعه في سياقه التاريخي، مع التمييز بين نقل الأخبار كما
وردت في كتب التراجم وبين تحليل دلالاتها الإنسانية والتربوية.
ما معنى «قتلته ونفسه معه»؟
لم يكن معنى قول
الطبيب: «قتلته ونفسه معه» أن سعيدًا مات جسدًا فقط، وإنما أراد أن الحجاج قتل
جسده، لكنه لم يستطع أن يقتل إيمانه وثباته وعزيمته، فقد واجه سعيد الموت وهو ثابت
القلب، فلم يمنحه الحجاج انتصارًا نفسيًّا، بل بقي سعيد محتفظًا بكرامته ويقينه
حتى اللحظة الأخيرة.
ولذلك كان نزف
الدم الكثير -في سياق الرواية- سببًا في اضطراب الحجاج وخوفه، وكأن المشهد يكشف له
أن القتل لم يُنهِ أثر سعيد.
فالإنسان قد
يُقتل جسده، لكن مبادئه ومواقفه قد تبقى حيّة، بينما يتحول قاتله إلى أسير للخوف
والقلق وتأنيب الضمير، فقد عَاشَ الحجاج أياما معدودة لا تفارقه حالة سعيد بنجبير، حتى كان يغفل ويفيق قائلا: مَا لِي وَلِسَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ، كلما أردت
النوم أخذ برجلي(2).
وهنا تكمن
المفارقة العميقة؛ ظن الحجاج أنه قتل سعيدًا، فإذا بسعيدٍ يخرج من المشهد ثابتًا،
ويخرج الحجاج مثقلًا بأثر ما صنع.
كيف أثمر العلم والعبادة ثباتًا عند الابتلاء؟
كان سعيد بن جبير من كبار علماء التابعين، وعُرف بالعلم والعبادة، حتى صار اسمه مرتبطًا
بالتفسير والفقه والرواية، ولم يكن هذا التكوين العلمي منفصلًا عن شخصيته العملية؛
فالعلم عند علماء السلف لم يكن مجرد حفظ للمعلومات، وإنما بناء للإنسان وتكوين
لمعياره الداخلي، ولهذا كان الابتلاء يكشف حقيقة ما استقر في القلب، فالإنسان قد
يتحدث طويلًا عن المبادئ، لكن لحظات الخوف تكشف مقدار رسوخها فيه.
فهذا سعيد بن
المسيب رحمه الله يعالج الابتلاء بالثبات، فلا يلين ولا يخضع وإن ارتفع الثمن، قَالَ
أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي دَاوُدَ: كَانَتْ بِنْتُ سَعِيْدٍ قَدْ خَطَبَهَا عَبْدُ
المَلِكِ لابْنِهِ الوَلِيْدِ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَحْتَالُ عَبْدُ
المَلِكِ عَلَيْهِ حَتَّى ضَرَبَهُ مائَةَ سَوْطٍ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ، وَصَبَّ عَلَيْهِ
جَرَّةَ مَاءٍ، وَأَلْبَسَهُ جُبَّةَ صُوْفٍ(3).
فالعلم ليس مجرد
كلام يقال، بل لابد أن يترجم إلى عمل وثبات، وإلا فلا قيمة له، فعن علي بن أبي
طالب رضي الله عنه أنه قال: هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل(4).
فالاستقامة ليست
مجرد معرفة الطريق، وإنما القدرة على الثبات عليه عندما يصبح الثمن مرتفعًا، ومن
هنا يظهر سر تأثير سيرة سعيد بن جبير؛ لأن الناس لا يتأثرون بالعلم حين يبقى في
الكتب فقط، بل حين يرونه يتحول إلى خلق وموقف.
كيف صنعت سكينة سعيد بن جبير إنسانًا أقوى من الخوف؟
العبارة التي
نقلت عن الطبيب: «قتلته ونفسه معه» أصبحت من أكثر العبارات تداولًا عند الحديث عن
موقف سعيد بن جبير؛ لأنها تلخص معنى نفسيًا عميقًا: أن الإنسان قد يُقتل جسده، لكن
لا يستطيع أحد أن ينتزع منه سلامه الداخلي إذا كان قلبه متعلقًا بالله.
فعندما قال
الحجاج: اذبحوه، قال سعيد: أما إني أشهد وأحاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، وأن محمدا عبده ورسوله، خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة، ثم دعا سعيد الله!
فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، فذبح على النطع رحمه الله(5).
ولا يلزم من
الرواية أن نجزم بتفسير طبي محدد لخروج الدم، فذلك أمر يتعلق بتفاصيل جسدية لا
يمكن إثباتها من مجرد الخبر التاريخي، لكن المعنى الذي أبرزته الرواية واضح: أن
الحجاج رأى في هيئة سعيد بعد قتله أمرًا خارجًا عن الصورة المعتادة التي يتوقعها
الجلاد من ضحيته.
فالسلطة التي
تعتمد على إحداث الخوف تفترض أن الخوف هو النهاية الطبيعية للإنسان، فإذا وجدت
شخصًا لم ينكسر أمام التهديد فإنها تواجه سؤالًا أعمق: أين تكمن القوة الحقيقية؟
وهذا المعنى من
أعظم دروس التربية النفسية؛ فالسكينة ليست غياب الألم، بل امتلاك الإنسان لمرجعية
داخلية تمنعه من أن يصبح أسيرًا للخوف.
أثر القدوة العملية في توجيه المجتمع
تظهر القيادة في
أوقات الاستقرار من خلال التخطيط والكلام، لكنها تظهر في الأزمات من خلال الحضور
والثبات، لقد كان سعيد بن جبير عالمًا، وكانت مكانته العلمية تمنحه تأثيرًا في
الناس، لكن أعظم ما بقي من أثره ليس كثرة ما نُقل عنه من العلم فقط، بل الصورة
التي قدمها عندما جاء وقت الاختبار.
فالقيادة
الأخلاقية لا تقوم على إجبار الآخرين على الصمود، وإنما على أن يرى الناس نموذجًا
حيًا للصبر والثبات، ولهذا بقيت مواقف العلماء في المحن جزءًا من الذاكرة العلمية؛
لأن الأمة لا تحفظ الكتب فقط، بل تحفظ أصحابها عندما جسدوا معاني تلك الكتب.
ومن نظائر ذلك
في التاريخ الإسلامي موقف سيدنا أبي بكر الصديق يوم الردة، وموقف الإمام أحمد بن
حنبل في فتنة خلق القرآن(6)، فعن أبي يعلى الموصلي قال: سمعت عَلِيّ
ابن المديني يقول: إن اللَّه أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث، أَبُو بَكْر
الصديق يوم الردة، وأَحْمَد بْن حَنْبَل يوم المحنة(7).
حين يصبح قول الحق أفضل أشكال الجهاد
من أبرز المعاني
التي تحملها سيرة سعيد بن جبير أن العلم الحقيقي لا ينفصل عن العمل، فالعالم ليس
مجرد ناقل للمعلومات، وإنما هو إنسان يحمل مسؤولية ما يعلم.
ولهذا كانت
تراجم العلماء مليئة بمواقف الابتلاء؛ لأن الاختبار يكشف هل تحول العلم إلى يقين
وسلوك أم بقي في حدود المعرفة النظرية.
وعَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ،
أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ»(8).
ومن ذلك موقف
أبي حازم الأعرج مع الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، حيث قال سليمان: يا أبا
حازم فما تقول فيما نحن فيه؟ قال أبو حازم: أعفني عن هذا قال نصيحة تلقيها قال أبو
حازم إن ناسا أخذوا هذا السلطان عنوة بغير مشاورة من المؤمنين ولا اجتماع من رأيهم
فسفكوا فيها الدماء على طلب الدنيا وارتحلوا عنها فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم،
قال بعض جلسائه: بئس ما قلت يا شيخ، قال أبو حازم: كذبت، إن الله أخذ على العلماء
«لتبيننه للناس ولا تكتمونه»(9).
وهنا يظهر الفرق
بين الجرأة المنضبطة التي تنطلق من العلم والحكمة، وبين مجرد المواجهة التي لا
تقوم على بصيرة، فمواقف العلماء تُفهم في سياقها الكامل، لا بمجرد عناوينها.
استحضار المعايير الإيمانية في اتخاذ القرارات اليومية
لا تنحصر دلالة
قصة سعيد بن جبير في الجانب السياسي أو التاريخي، بل تمتد إلى بناء الشخصية في كل
زمان.
فالإنسان في
حياته اليومية يواجه صورًا مختلفة من الضغط؛ ضغط المجتمع، وضغط المصالح، والخوف من
الخسارة، والرغبة في القبول، وفي كل هذه المواقف يحتاج إلى قدر من الثبات الداخلي
يجعله قادرًا على الاختيار وفق القيم لا وفق الخوف.
ومن أهم المواقف
في تأسيس هذا المعنى ما ثبت في عيون الأخبار أن ابن هبيرة كتب إلى الحسن وابن
سيرين والشعبيّ فقدم بهم عليه، فقال لهم: إن أمير المؤمنين يكتب إليّ في الأمر، إن
فعلته خفت على ديني، وإن لم أفعله خفت على نفسي؛ فقال له ابن سيرين والشعبيّ قولا
رقّقا فيه، وقال له الحسن: يا بن هبيرة، إن الله يمنعك من يزيد، وإنّ يزيد لا
يمنعك من الله، يا بن هبيرة، خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله، يا بن هبيرة،
إنه يوشك أن يبعث الله إليك ملكا فينزلك عن سريرك إلى سعة قصرك، ثم يخرجك من سعة
قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلّا عملك، يا ابن هبيرة: إنه لا طاعة لمخلوق
في معصية الخالق(10)؛ ففي هذا تأكيد على ضرورة تقديم رضا الله تعالى
على كل خلقه.
وفي الأسرة يظهر
ذلك حين يربي الإنسان أبناءه على الصدق قبل أن يطالبهم به، وفي التعليم حين يكون
المعلم نموذجًا قبل أن يكون ملقنًا، وفي العمل حين يحافظ المرء على الأمانة حتى
عندما لا يراقبه أحد.
إن أعظم ما
تعلمه سيرة سعيد بن جبير أن الإنسان لا يُقاس فقط بما يملك، بل بما يستطيع أن
يحافظ عليه عندما يفقد كثيرًا من الأشياء.
وتبقى قصة سعيد
بن جبير واحدة من المشاهد التي تكشف قوة الإنسان حين يتصل قلبه بمعنى أكبر من ذاته،
فقد اجتمع في سيرته العلم والعبادة والصبر، وتحولت لحظة الموت إلى شهادة على حياة
طويلة من الاستقامة.
ولعل أعمق ما في الرواية أن الجسد غاب، لكن المعنى بقي؛ فالسلطان ينتهي، والمشهد السياسي يتغير، أما أثر الإنسان حين يثبت على ما يؤمن به فقد يبقى قرونًا في ذاكرة الأمة.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (4/ 340).
- 2 حلية الأولياء: الأصفهاني (4/ 294).
- 3 المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: ابن الجوزي (6/ 322).
- 4 البداية والنهاية: ابن كثير (12/ 184).
- 5 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (4/ 294).
- 6 البداية والنهاية (10/ 366).
- 7 تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي (6/ 90).
- 8 سنن أبي داود بسند صحيح (4344).
- 9 تاريخ دمشق: ابن عساكر (22/ 39).
- 10 عيون الأخبار: ابن قتيبة (2/ 371).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً