قراءة في وفاة أبي مسلم الخولاني ومعاني الأثر الروحي والقيادة التي تبقى بعد الرحيل..

أبو مسلم الخولاني الرجل الذي سبقه أثره قبل رحيله

صورة رمزية لمخطوط وطريق ممتد في الأفق، تعبّر عن رحيل أبي مسلم الخولاني وبقاء أثره دون تقديم رسم تخيلي مباشر للشخصية.

ذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»: حدثنا عن محمد بن شعيب عن بعض المشيخة قال: أقبلنا من أرض الروم، ومررنا بالعمير على أربعة أميال من حمص في آخر الليل، فاطلع راهب من صومعة، فقال: هل تعرفون أبا مسلم الخولاني(1)؟ قلنا: نعم، قال: إذا أتيتموه، فأقرئوه السلام، فإنا نجده في الكتب رفيق عيسى ابن مريم، أما إنكم لا تجدونه حياً، قال: فلما أشرفنا على الغوطة، بلغنا موته.

قال الحافظ أبوالقاسم ابن عساكر: يعني سمعوا ذلك، وكانت وفاته بأرض الروم.

وروى إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن سعيد بن هانئ، قال: قال معاوية: إنما المصيبة كل المصيبة بموت أبي مسلم الخولاني، وكريب بن سيف الأنصاري(2).

يضعنا هذا الخبر أمام صورة مهيبة من صور حضور الإنسان بعد موته؛ رجل لم تكن شهرته قائمة على سلطان أو مال، وإنما على أثر تركه في القلوب، غير أن القراءة العلمية تقتضي التفريق بين جمال المعنى وثبوت كل تفاصيل الرواية؛ فخبر الراهب وما فيه من معرفة أبي مسلم يحتاج إلى النظر في سنده، كما أن بعض أخبار التراجم تروى في سياق الفضائل والسير لا في مقام الأحكام القطعية.

ومع ذلك، فإن الثابت من ترجمة أبي مسلم الخولاني أنه كان من كبار التابعين، ومن أهل العبادة والزهد والثبات، وأن شخصيته تركت أثرًا عميقًا في عصره حتى عده العلماء من أعلام أهل الشام.

لماذا يتجاوز تأثير الصالحين حدود المناصب الرسمية؟

لم يكن أبو مسلم الخولاني صاحب نفوذ سياسي ولا صاحب بيت من بيوت الملك، وإنما كانت قوته في صدقه وصلته بالله، وهذه إحدى السنن التي تتكرر في التاريخ؛ فبعض الأشخاص يملكون تأثيرًا يتجاوز حدود المناصب؛ لأن الناس لا يتعلقون بهم لما في أيديهم، بل لما في نفوسهم من ثبات وإخلاص.

وتتجلى هذه القيمة العظيمة في الاستغناء عن السلطة والاعتزاز بالقيمة الذاتية؛ كما ظهر في موقف التابعي الجليل سالم بن عبدالله بن عمر حين دخل الخليفة هشام بن عبدالملك الكعبة فوجده، فقال له الخليفة: «يا سالم سلني حاجة»، فأجابه سالم باستغناء تام: «إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله»، ولما خرج كرر عليه الخليفة طلبه، فسأله سالم: «من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟»، فقال الخليفة: «بل من حوائج الدنيا»، فكان رده الذي يثبت أن القيمة الحقيقية فوق المكانة: «ما سألت من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها؟!»(3).

ولهذا جاء خبر الراهب في أرض الروم بصورة لافتة حين سأل الركب عن أبي مسلم الخولاني قائلاً: «هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟ فإنا نجده في الكتب رفيق عيسى ابن مريم»؛ فالرجل لم يسأل عن قائد عسكري أو صاحب سلطان، بل سأل عن عابد صالح، فالشهرة التي تصنعها القوة قد تنتهي بزوالها، أما الشهرة التي تصنعها الأخلاق فإنها تنتقل بين الناس والبيئات المختلفة.

وهذا المعنى هو ذاته الذي أرساه النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر عن أويس القرني قبل أن يراه الناس، مبيناً منزلته الروحية العالية بقوله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل»، موضحاً أنه «مجهول في أهل الأرض، معروف في السماء»(4).

وفي واقعنا المعاصر، يظهر هذا المعنى في العلماء والمربين وأصحاب الرسالة؛ فقد لا يملكون منصبًا كبيرًا، لكن حضورهم الأخلاقي يجعلهم مرجعًا عند الناس؛ لأن القيمة الحقيقية لا تقاس بحجم السلطة، بل بعمق الأثر.

كيف يصنع الإيمان وُدًّا في قلوب الآخرين؟

يصور الخبر راكبًا قادمًا من أرض الروم، يمر في طريقه براهب في صومعة قرب حمص، فإذا به يسأل عن أبي مسلم الخولاني، وهذه الصورة -مع التحفظ العلمي على تفاصيلها- تحمل معنى مهمًا؛ أن الإنسان الصادق قد يصبح معروفًا بصفاته وآثاره قبل أن يُعرف باسمه أو يُرى بشخصه.

وقد جعل القرآن محبة الصالحين وانتشار ثنائهم الطيب أثرًا علوياً من آثار الإيمان والعمل الصالح، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) (مريم:96)؛ فالقبول في القلوب والمهابة في النفوس ليس دائمًا نتيجة شهرة مقصودة أو ترويج ذاتي، بل هو ثمرة صدق طويل لا يطلب صاحبه عليه ثناءً، فيعبر أثره القارات ويتجاوز الحدود.

ويتجلى هذا المعنى حين يعبر الصدق الحدود ليصل إلى قلوب الخصوم والأباعد؛ كما وقع حين بلغ ملك الروم كلام محمد بن الحنفية(5) ورده القائم على التوكل واليقين بالله، فما كان من ملك الروم إلا أن أدرك هيبة القائل ومعدنه الصافي من وراء المسافات البعيدة، معترفاً بصدق أثره بقوله: «ما خرج هذا منك، ولا خرج إلا من بيت نبوة».

كما يبرز هذا القبول الإلهي في سيرة الإمام أبي زرعة الدمشقي؛ فقد بلغ طيب أثره وعلمه الآفاق، حتى إن أهل «الرّي» في بلاد فارس لما أعجبهم علمه وسيرته العابرة للحدود، قاموا بتكنية عالمهم وحافظهم عبيد الله بن عبدالكريم بلقب أبي زرعة(6) تيمناً به وبركةً بأثره الذي لم تحده جغرافيا.

لكن من المهم ألا نحمل خبر الراهب مع أبي مسلم الخولاني أكثر مما يحتمل؛ فقول الراهب: «نجده في الكتب رفيق عيسى ابن مريم» جزء من الرواية، ولا يعني بالضرورة ثبوت اطلاع أهل الكتاب على منزلة شخص بعينه بنصوص محفوظة، وإنما يُفهم ضمن سياق كتب المناقب التي كانت تسوق أمثال هذه الأخبار للدلالة على رفعة القدر وعمق الأثر الصادق الذي لا تحجبه الحدود.

لماذا اهتزت القيادة السياسية لموت التابعي الزاهد أبو مسلم الخولاني؟

أما قول معاوية رضي الله عنه: «إنما المصيبة كل المصيبة بموت أبي مسلم الخولاني»، فهو -إن صح الخبر- يكشف عن إدراك القادة لقيمة الشخصيات التي تمثل الضمير الأخلاقي للمجتمع.

فالدول والمؤسسات لا تقوم بالقوة المادية أو الهياكل التنظيمية وحدها؛ بل تحتاج إلى رجال يحفظون المعاني التي تمنح تلك القوة غايتها وتوازنها، قد تفقد الأمة قائدًا عسكريًا فتخسر خبرة ميدانية، أو تفقد عالمًا فتخسر علمًا وفقهًا، لكنها حين تفقد أصحاب المبادئ والضمير الحي تخسر جزءًا من توازنها الداخلي وروحها.

وتتجلى هذه الحقيقة بأعظم صورها في وفاة الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه؛ سيد الأوس ورجل المبادئ والموقف، حيث تجسدت قيمته الروحية ومكانته العظيمة التي لا تُعوض عند وفاته في السنة الخامسة للهجرة، حين اهتزَّ عرشُ الرحمنِ لموتِ سعدِ بنِ مُعاذٍ(7)؛ تعبيراً عن عِظم الفقد وخسارة الأمة لركنٍ من أركان ثباتها الأخلاقي والإيماني.

ويتطابق هذا المفهوم تماماً مع ما وقع عند رحيل زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما؛ فقد كان أناس من أهل المدينة يعيشون سنوات طويلة لا يدرون من أين يتأتّى لهم معاشهم وقوت يومهم، فلما مات فقدوا ما كانوا يؤتون به بالليل، وأدركت الأمة قيمته الحقيقية وحجم الفراغ الذي تركه حين انقطعت عنهم صدقة السر التي كان يحملها على ظهره دون أن يعلم به أحد، وقال أهل المدينة حينها يائسين: «ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين»(8).

وهذا المعنى عميق الأهمية في إدارة المؤسسات وبناء المجتمعات اليوم؛ فالقادة الناجحون لا يبحثون فقط عن أصحاب المهارات الفنية، بل عن أصحاب النزاهة والثقة الذين يمثلون ثقافة المكان وقيمه الحاكمة؛ ورحيل مثل هؤلاء لا يعوضه التوظيف السريع ولا تسد مسده القرارات الإدارية؛ لأن بناء الشخصية المؤثرة التي تشكل الضمير والأمان بحاجة إلى سنوات من التربية والتجربة والصدق.

كيف يصنع الصدق امتدادًا حقيقيًا بعد الرحيل؟

سر بقاء أبي مسلم الخولاني في الذاكرة ليس كثرة الأخبار المروية عنه، بل اجتماع صفات راسخة تصنع الأثر الخالد: صدق العلاقة بالله، والثبات عند الفتن، والاستعداد للتضحية، وعدم تحويل الدين إلى مجرد خطاب أجوف.

فالإنسان قد يترك وراءه أموالًا أو مباني أو مناصب، لكنها جميعاً قد تفنى، بينما لا يساوي شيءٌ أثرًا صالحًا يبقى ينفع الناس في حياتهم وبعد رحيلهم؛ وقد أصل النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الامتداد المبارك بقوله: « إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له»(9).

ويتجلى هذا الامتداد الروحي والأخلاقي حتى في أولئك الذين رحلوا قبل أن يستكملوا الدعوة؛ كما في موقف ورقة بن نوفل؛ حيث خُلّد ذكره وخلُص أثره الصالح بصدق نيته ونصرته المبتغاة للحق في بدايات الوحي المبكرة، حتى قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته مسلياً أهله ومبيناً بقاء أثره: «لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير؛ لأنه آمن بي وصدقني»(10).

ومن أعظم صور الامتداد عبر «العلم الذي ينتفع به» ما كتبه الله لعلماء الأمة ومربيها؛ مثل الحافظ ابن عساكر الدمشقي الذي كتب الله لسيرته الخلود بفضل صدق جهده وعلمه، حيث أثمر إخلاصه مصنفاً عظيماً مثل «تاريخ دمشق» في 8 مجلداً، فظلت باقية بعده، ووصف الإمام ابن كثير هذا الأثر الخالد قائلاً بأنه: «أتبَعَ من جاء بعده من المتأخرين»، ليبقى علمه صدقة جارية تروي عقول الأجيال عبر القرون.

وتكتمل هذه الصورة الملهمة في سيرة التابعي الجليل عروة بن الزبير، الذي أدرك كيف يصنع الإنسان لنفسه أثراً نافعاً في النفوس والعقول، فكان يقول متمنياً بقاء نفع علمه: "«أنا أتمنى أن يؤخذ عني العلم»، ولم يقتصر أثره على التعليم، بل قرنه بالإحسان والصدقة الجارية؛ فكان إذا جاءت أيام الرطب كسر حائط بستانه ليدخل الناس عامتهم وخاصتهم فيأكلون ويحملون، فبقي أثره الطيب محفوراً في عقول الناس وقلوبهم.

وهذا يفتح بابًا واسعًا للتأمل؛ أن كل إنسان يصنع بعد موته امتدادًا لما زرعه في حياته؛ فقد يرحل صاحب المنصب ويبقى نظامه، وقد يرحل المعلم وتبقى كلماته، وقد يرحل المربي وتبقى شخصيات من أثر فيه؛ فالقيمة الحقيقية للوجود ليست في المساحة التي تشغلها في حياتك، بل في الأثر الطيب الذي تتركه بعد رحيلك.

كيف يربط الزهد الحقيقي بين العبادة والميدان؟

يشير الخبر إلى أن وفاة أبي مسلم الخولاني كانت بأرض الروم، وهي دلالة على أن الزهد عنده لم يكن انسحابًا سلبيًا من الحياة، ولا انعزالاً في الصوامع، بل كان حضوراً فاعلاً في ميادينها؛ فقد كان من جيلٍ رأى العبادة مسؤولية اجتماعية وأخلاقية، ورأى خدمة الأمة وتكاليفها جزءًا أصيلاً من التقوى.

ويتجلى هذا الفهم الراقي للإيمان الحي في سيرة الصحابية الجليلة أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها؛ التي لم تكتفِ بعبادتها وزهدها في بيتها، بل طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها لتكون ضمن أول جيش يركب البحر لخدمة الأمة ونشر رسالتها(11)، وقد استجاب الله لها، فركبت البحر مع زوجها عبادة بن الصامت رضي الله عنه تحملاً للمشقة وسعياً حثيثاً في الميدان، حتى كانت نهايتها ووفاتها بعيدة عن ديارها وأهلها، حيث سقطت عن دابتها فمُتعت بالشهادة وقُبرت بساحل قبرص؛ لتقدم نموذجاً عملياً للعبادة المتصلة بواقع الأمة وحاجاتها.

وتتكرر هذه الصورة المشرقة في سيرة العابد المجاهد عبد الوهاب بن بخت؛ الذي جمع بين كثرة العبادة والحج، وبين الحضور في ميادين التضحية ببلاد الروم تحديداً، ولما لقي العدو وانكشف بعض الناس، لم يتردد أو يمتنع، بل نادى بقلب يملؤه اليقين: «هلموا إلى الجنة! ويحكم؛ أتفرون من الجنة؟!(12)»، وظل يقاتل بثبات حتى قُتل رحمه الله بأرض الروم، مجسداً صدق الإيمان الذي لا يقف عند حد الكلام بل يتحول إلى عمل وتضحية.

وهنا يظهر معنى إيماني مهم؛ أن الشخصيات العظيمة لا تختار دائمًا الطرق الأسهل، ولا تبحث عن الراحة، بل تتحرك حيث تدعو الحاجة؛ فالإيمان الذي لا ينتج عملاً يبقى مجرد فكرة ذهنية، أما الإيمان الذي يحرك صاحبه لخدمة الناس وتحمل المشقة فهو إيمان حي يترك بصمته في الأرض.

وفي زماننا المعاصر، يحتاج المجتمع أشد الحاجة إلى هذا النموذج؛ فالعابد الحقيقي ليس من ينعزل عن مشكلات مجتمعه، والعالم ليس من يكتفي بالحديث النظرِي، والقائد ليس من يطلب التقدير والمناصب، بل من يجعل قيمه ومبادئه حاضرة في الميدان وفاعلة في الواقع.

كيف يقلل رأس المال الأخلاقي الحاجة للرقابة؟

تكشف قصة أبي مسلم الخولاني عن حقيقة كبرى؛ أن القوة الحقيقية ليست دائمًا فيما تراه العين أو تقيسه أدوات المادة، فقد لا يملك الإنسان جيشًا أو منصبًا أو مالًا، لكنه يملك من الصدق والنزاهة ما يجعله حاضرًا في قلوب الناس، بل وفي ذاكرة من يختلفون معه في الدين والثقافة.

وتتجلى هذه القوة الروحية التي تفوق قوة المناصب والمادة في هيبة التابعي الجليل سعيد بن المسيب؛ فعلى الرغم من أنه لم يكن صاحب سلطة مادية ولا جندٍ يحرسونه، إلا أن صلاحه وعلمه أورثاه سلطاناً مهيباً على القلوب، حتى وصف عبد الرحمن بن حرملة هذا الأثر البالغ بقوله: «ما كان إنسان يجترئ على سعيد بن المسيب يسأله عن شيء حتى يستأذنه كما يستأذن الأمير»(13).

إن الميزان الحقيقي للأثر لا يقاس بالمكاسب المادية الملموسة؛ ولهذا لما تنازل صهيب الرومي رضي الله عنه عن كل ثروته وأمواله المادية التي جمعها في مكة لقريش كي يخلوا سبيله للهجرة، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم المعيار الحقيقي للقوة والربح، فقال معبراً عن الربح الروحي الخالد الذي لا تراه العين المادية: فلمَّا رَآهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: «أبا يَحْيى، رَبِحَ البَيعُ رَبِحَ البَيعُ»(14).

ولهذا فإن بناء الإنسان الصالح ليس مشروعًا فرديًا فقط، بل هو بناء لرصيد الأمة الأخلاقي، فحين يكثر أصحاب المبادئ، تقل حاجة المجتمع إلى الرقابة القسرية؛ لأن القيم تصبح جزءًا أصيلاً من النفوس لا مجرد قوانين مكتوبة.

وهذا ما يفسر القبول المهيب والتأثير الروحي العابر للزمان؛ كما ظهر في المشهد المهيب ل- جنازة الإمام ابن الجوزي؛ والذي عكس قوة الأثر في القلوب بعيداً عن السلطة، حيث اجتمعت جموع غفيرة جداً من عامة الناس لتشييعه، وغلقت الأسواق، وحملت جنازته على رؤوس الناس إجلالاً له ومحبةً في أثره.

رحل الجسد ويبقى الأثر

لقد رحل أبو مسلم الخولاني، ورحل معه أجيال من الصالحين، لكن بقاء ذكرهم يذكرنا دائماً بأن أعظم ما يتركه الإنسان خلفه ليس اسمه أو ماله، بل المعنى والقيمة التي يمثلها؛ فالأشخاص يفنون، والمناصب تزول، أما الآثار الصادقة فتمتد عبر التاريخ ولا تزيدها الأيام إلا ثباتاً.

لقد طويت صفحة الجسد لأبي مسلم الخولاني في أرض الروم غريباً عن دياره، لكنه لم يكن غريباً عن العلياء ولا مقطوعاً عن قلوب المؤمنين، ورحيله لم يكن مجرد غيابٍ لرجلٍ من الصالحين، بل كان رحيل مدرسةٍ تمشي على الأرض، برهنت للأمة أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بعرشٍ يُبنى ولا بجاهٍ يُجمع، وإنما بصدقٍ يُورث، وأثرٍ يمتد، وإيمانٍ خالط شغاف القلوب فلم تهززه الفتن ولم تُغره المطامع.

لعمرك ما الرزية هدمُ دار    ولا شاة تموت ولا بعير

ولكنّ الرزيُة موتُ حُرٍّ       يموتُ لموته بشر كثير

رحل من عاش بالقيمة ولم يبالِ بالمكانة، ليبقى اسمه شاهداً على أن الأخلاق والنقاء واليقين هي القوة الخالدة التي لا تبليها الأيام ولا تطمسها جغرافيا الأرض، فصار كما قال الإمام الشافعي:

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم     وعاش قوم وهم في الناس أموات

الهوامش
  • 1 عبدالله بن ثوب، وَيُقَال: ابْن عَوْف، وَيُقَال: ابْن مشْكم أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ الشَّامي، قارئ أهل الشَّام، غلبت عَلَيْهِ كنيته، أدْرك الْجَاهِلِيَّة وأتى المدينة وقد قبض النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستخلف أَبُو بَكْر، وَكَانَ فاضلاً عابداً ناسكاً، لَهُ فضائل مشهورة.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 8).
  • 3 المرجع السابق (4/ 458).
  • 4 أخرجه مسلم (2542)، والحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (5719)، وأبو عوانة في «مستخرج أبي عوانة» (11086)، باختلاف يسير.
  • 5 سير أعلام النبلاء (4/ 111).
  • 6 كتاب الرواة الذين كنوا بأبي زرعة، ص38.
  • 7 جابر بن عبدالله وأنس بن مالك، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الجامع (2521).
  • 8 سير أعلام النبلاء (4/ 387).
  • 9 المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى (1/ 191).
  • 10 أخرجه البيهقي في «دلائل النبوية» (2/ 158)، والآجري في «الشريعة» (973)، والثعلبي في «تفسيره» (10/ 244)، وابن عساكر في «تاريخه» (63/ 6) جميعاً بلفظه.
  • 11 من أفراد البخاري على مسلم أم حرام بنت ملحان، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري (2924).
  • 12 البداية والنهاية لابن كثير (9/ 305).
  • 13 صفة الصفوة (159).
  • 14 صحيح على شرط مسلم المستدرك على الصحيحين (5816).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة