حين يتحول الفقد إلى يقين

كيف واجه سعيد بن جبير الموت بيقين الأجل؟

رسم تعبيري يجسد كيف واجه سعيد بن جبير الموت بيقين الأجل

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عَنْ عُمَرَ بنِ سَعِيْدِ بنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: دَعَا سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ حِيْنَ دُعِيَ لِلْقَتْلِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيْكَ؟! مَا بَقَاءُ أَبِيْكَ بَعْدَ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ سَنَةً(1).

لم يكن هذا الحوار القصير بين سعيد بن جبير وابنه مجرد موقف عاطفي عند لحظة النهاية، بل كان مشهدًا كثيف الدلالات يجمع بين التاريخ والإيمان والنفس الإنسانية، فقد وقف أحد كبار التابعين في مواجهة الموت في زمن اشتدت فيه الصراعات السياسية، وكان مقتله على يد الحجاج بن يوسف الثقفي بعد أن طُلب وأُحضر إليه عقب أحداث الفتنة التي ارتبطت بثورة ابن الأشعث.

وتحتاج قراءة هذا الموقف إلى مراعاة سياقه التاريخي؛ فهو موقف وقع في أواخر العصر الأموي، في مرحلة كانت السلطة فيها تواجه اضطرابات سياسية واسعة، وكان الحجاج يمثل جانبًا شديد الحزم من الإدارة الأموية في العراق، أما سعيد بن جبير فكان من كبار علماء التابعين، عرف بالعلم والعبادة والتفسير، وتتلمذ على عدد من الصحابة، حتى عُد من أعلام مدرسة ابن عباس رضي الله عنهما في التفسير.

ومن هنا، فإن قيمة المشهد لا تكمن فقط في مواجهة رجل للقتل، بل في الطريقة التي أعاد بها سعيد تعريف اللحظة كلها؛ فلم يرها لحظة خسارة وانهيار، بل لحظة انتهاء أجل وأداء رسالة.

كيف حمي يقين سعيد بن جبير بالأجل من الخوف؟

تكشف كلمات سعيد بن جبير لابنه عن يقين عميق بمعنى الأجل المكتوب، فلم يبدأ من سؤال: كيف أنجو؟ ولم ينشغل بإطالة الحياة بأي ثمن، بل نظر إلى العمر باعتباره مرحلة محددة تنتهي حين ينتهي دور الإنسان فيها، وهذا المعنى ينسجم مع قول الله تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا ‌جَاءَ ‌أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (يونس: 49).

فالمؤمن الذي يستقر في قلبه أن الأجل بيد الله لا يعني ذلك أنه لا يتألم أو لا يحزن، ولكنه لا يسمح للخوف من المخلوق أن يستولي على قلبه، ولهذا كان سعيد بن جبير قادرًا على استقبال اللحظة الأخيرة بعقل حاضر ونفس مطمئنة.

هذا اليقين والاطمئنان نابع من الإيمان بأن النفع والضر والحياة والموت بيد الله وحده، قال تعالى: (‌قُلْ ‌لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51).

وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا النَّاسَ، فَقَالَ: «هَلُمُّوا إِلَيَّ» فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ فَجَلَسُوا فَقَالَ: «هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ جِبْرِيلُ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّهُ لَا تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى ‌تَسْتَكْمِلَ ‌رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَلَيْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ(2).

وتسهم التربية الإيمانية في تحرير الإنسان من الخوف المفرط من الفقد؛ لأنها تربيه على استحضار قِصر الأمل، وأن الدنيا ليست دار إقامة، وإنما هي مرحلة في طريق الآخرة، ولذلك يقول ابن رجب: «المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يهيئ جهازه للرحيل»(3)، فالمؤمن الذي يستحضر حقيقة الرحيل لا يجعل بقاءه في الدنيا غايةً في ذاته، وإنما يقيس قيمة عمره بما أنجز فيه من عمل صالح، وبما تركه من أثر نافع.

إن الفرق بين الإنسان الذي يرى الموت نهاية عبثية، والإنسان الذي يراه انتقالًا إلى لقاء الله، هو فرق في تفسير الحدث قبل أن يكون فرقًا في الحدث نفسه، فالموقف الخارجي واحد: سيف وسجان ونهاية محتومة، لكن البناء الداخلي مختلف تمامًا.

كيف نربّي الأبناء على استيعاب فاجعة الفقد؟

كان بكاء الابن في ذلك المشهد استجابة طبيعية للفقد والخوف؛ فهو يرى أباه مقبلًا على الموت، والعاطفة الإنسانية لا يمكن إنكارها أو إلغاؤها، لكن سعيد بن جبير لم يسمح للحزن أن يتحول إلى انهيار، بل أعاد توجيه مشاعر ابنه بسؤال يحمل معنى تربويًا عميقًا: «ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟».

لم يكن مقصده إلغاء المحبة أو منع الحزن، وإنما نقل الابن من أسر الصدمة إلى إدراك الحقيقة، فالإنسان قد يبكي لأنه فقد محبوبًا، لكن التربية الإيمانية تعلمه أن الفقد جزء من سنة الحياة، وأن قيمة الإنسان لا تقاس بطول بقائه فقط، وإنما بما قدمه خلال عمره، وقد ضرب سعيد بن جبير نفسه المثل في ذلك، فعن حميد الأعرج قال: رأيت سعيد بن جبير رحمه الله يقول في ابنه ونظر إليه: إني لأعلم ‌خير ‌خَلَّة ‌فيك، قيل: ما هي؟ قال: يموت فأحتسبه(4)؛ أي: نظر سعيد بن جبير إلى ابنه، وكان يحبه ويرى فيه من الصفات الحسنة ما يراه الأب في ولده، ثم قال: «إني لأعلم خير خَلَّةٍ فيك»؛ أي: أعرف فيك خصلة عظيمة من الخير، فلما سألوه عنها قال: «يموت فأحتسبه»، و«أحتسبه» من الاحتساب، وهو أن يصبر الإنسان على المصيبة، ويطلب عند الله ثواب صبره ورضاه بقضائه، فالمعنى ليس أن موت الابن خير من حياته، وإنما المعنى أن هذا الابن سيكون سببًا في ظهور عبادة عظيمة من أبيه عند الفقْد؛ وهي الصبر والاحتساب.

وهذا الكلام يضع أمامنا حقيقة مهمة، هي المؤمن لا يستطيع أن يمنع كل صور الفقد، لكنه يستطيع أن يربي نفسه على كيفية التعامل مع الفقد إذا وقع، فسعيد بن جبير لا ينظر إلى ابنه باعتباره ملكًا دائمًا له، وإنما يراه نعمة مستودعة عند الله؛ فإذا أبقاه الله فذلك فضل، وإذا استرده سبحانه فله الحكم والأمر.

وهذا الأسلوب يمثل صورة من صور الحكمة في التعامل مع الأزمات؛ فالقائد والمربي لا يكتفي بتهدئة المشاعر، بل يساعد الآخرين على إعادة تفسير الحدث.

وفي واقع الأسرة اليوم، تظهر أهمية هذا المعنى عند التعامل مع الخسائر والابتلاءات؛ فالأبناء لا يحتاجون فقط إلى من يشاركهم الحزن، بل يحتاجون إلى من يمنحهم إطارًا يجعل الحزن محتملًا ومفهومًا.

أثر ثبات العلماء عند المحن في إظهار الحق

لم يكن سعيد بن جبير في تلك اللحظة يمثل نفسه فقط، بل كان يحمل صورة العالم الذي يواجه السلطة والسيف، ولذلك أصبحت طريقته في الثبات جزءًا من المعنى الذي بقي بعد رحيله.

فالإنسان في لحظات الضغط يكشف ما استقر في داخله، وقد يملك كثيرون المعرفة في أوقات الراحة، لكن الاختبار الحقيقي يظهر عندما تصبح المبادئ مكلفة، وهنا يظهر معنى القدوة العملية؛ إذ قد تكون لحظة واحدة من الثبات أبلغ من سنوات من الكلام.

وقد نقلت كتب السير مواقف مشابهة عن رجال من أهل العلم والصلاح، مثل موقف خبيب بن عدي رضي الله عنه حين ثبت عند قتله، ومواقف العلماء في المحن حين قدموا الثبات على ما يرونه حقًا على السلامة الشخصية(5).

وقد نقل ابن مفلح أن إِسْحَاقُ بْنُ حَنْبَلٍ عَمُّ الإمام أَحْمَدَ َقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: قَدْ أَعْذَرْت فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَجَابَ أَصْحَابُكَ، وَالْيَوْمَ بَقِيت فِي الْحَبْسِ وَالشَّرِّ، فَقَالَ لِي يَا عَمُّ: إذَا أَجَابَ الْعَالِمُ تَقِيَّةً وَالْجَاهِلُ بِجَهْلٍ ‌فَمَتَى ‌يَتَبَيَّنُ ‌الْحَقّ؟(6).

ولا يعني ذلك أن الإنسان يطلب البلاء أو يبحث عن الموت، فالشريعة جاءت بحفظ النفس، ولكنها أيضًا رفعت من شأن الثبات عند نزول البلاء إذا وقع، ولهذا قال الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة).

لماذا يُقاس أثر العالم بثباته لا بكثرة أتباعه؟

يمثل سعيد بن جبير نموذج العالم الذي لم تكن مكانته قائمة على العلم المجرد، بل على انسجام العلم مع السلوك، فالعلم الذي لا يصنع يقينًا عند الشدائد يبقى معرفة ذهنية ناقصة.

ولهذا بقيت مواقف العلماء عبر التاريخ جزءًا من الذاكرة الحضارية للأمم؛ لأن الناس لا يتأثرون فقط بما يقوله أصحاب المبادئ، بل بما يفعلونه حين تصبح المبادئ تحت الاختبار.

وفي زماننا تظهر الحاجة إلى هذا المعنى في مجالات متعددة؛ فالمعلم، والداعية، والقائد الإداري، ورب الأسرة، جميعهم يواجهون لحظات تختبر قدرتهم على ضبط النفس، فالناس قد ينسون كثيرًا من الكلمات، لكنهم يتذكرون طريقة الإنسان في مواجهة المحن.

رحلة العمر المحدودة بين كثرتها وبركتها

تميزت عبارة سعيد بن جبير بالإيجاز والعمق، فلم يقدم خطبة طويلة، ولم يدخل في جدل، بل قال كلمات قليلة تحمل تصورًا كاملًا للحياة.

فسؤاله عن بقاء الإنسان بعد سبع وخمسين سنة يحمل معنى أن العمر رحلة محدودة، وأن النهاية ليست هي المعيار الوحيد للحكم على حياة الإنسان، فهناك فرق بين طول العمر وبين بركة العمر، وبين كثرة السنوات وبين عظم الأثر.

وهذه البلاغة من خصائص كلام أهل اليقين؛ إذ تأتي العبارة قصيرة لأنها نابعة من معنى مستقر، لا من محاولة إقناع الآخرين بالكثرة.

ومما يشبه هذا ما ثبت عَنْ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا نِمْتُ يَوْمًا قَطُّ فَحَدَّثْتُ ‌نَفْسِي، ‌أَنِّي ‌أَسْتَيْقِظُ ‌مِنْهُ»(7).

وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلها أن تكون ‌منيتي ‌التي ‌لا ‌أقوم ‌منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم، وقال بكر المزني: إن استطاع أحدكم ألا يبيت إلا وعهده عند رأسه مكتوب، فليفعل، فإنه لا يدري لعله أن يبيت في أهل الدنيا، ويصبح في أهل الآخرة(8).

كيف يستفيد الإنسان المعاصر من مواقف الثبات؟

يقدم موقف سعيد بن جبير درسًا يتجاوز زمانه؛ فالإنسان المعاصر يواجه أنواعًا مختلفة من الأزمات: فقدًا، وفشلًا، وضغوطًا، وتغيرات مفاجئة، وليس المطلوب أن يفقد مشاعره، بل أن يمتلك القدرة على إدارة هذه المشاعر في ضوء معنى أكبر.

ففي التربية، يحتاج الأبناء إلى رؤية نماذج تضبط الخوف ولا تستسلم له، وفي العمل، يحتاج القادة إلى الثبات عند الأزمات حتى لا تنتقل الفوضى النفسية إلى فرقهم، وفي المجتمع، تحتاج الأجيال إلى نماذج تذكرها بأن قيمة الإنسان ليست فيما يملكه فقط، بل فيما يتركه من أثر.

وهذا يقود إلى معنى مهم؛ أن أعظم ما يبقى من الإنسان ليس عدد السنوات التي عاشها، وإنما نوع الرسالة التي حملها خلال تلك السنوات.

وبقي سعيد بن جبير في ذاكرة التاريخ لا لأنه مات فقط، فالموت نهاية يشترك فيها جميع البشر، ولكن لأنه كشف في لحظة الموت حقيقة ما كان يحمله في الحياة، لقد واجه السيف بقلب مطمئن، وواجه بكاء ابنه بتربية هادئة، وحول لحظة الفناء الظاهرة إلى لحظة بقاء للمعنى.

لقد علّم هذا الموقف أن اليقين ليس فكرة مجردة، وأن الإيمان لا يظهر أثره الكامل إلا عندما تضيق الخيارات وتشتد المحن، فهناك رجال تنتهي أعمارهم، لكن كلماتهم ومواقفهم تستمر؛ لأنهم لم يعيشوا بعدد الأيام، بل بما تركوه من أثر.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 332).
  • 2 مسند البزار بسند صحيح (2914).
  • 3 جامع العلوم والحكم (2/ 377).
  • 4 الأذكار للنووي، ص 152.
  • 5 تاريخ دمشق: ابن عساكر (21/ 162).
  • 6 الآداب الشرعية والمنح المرعية (2/ 22).
  • 7 قصر الأمل: ابن أبي الدنيا، ص 45.
  • 8 جامع العلوم والحكم (2/ 385).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة