حين يقف الفقيه عند الميزان
كيف يجمع العالِم بين التيسير والتشديد؟ فقه طاووس بن كيسان
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنْ حَفْص بن غِيَاثٍ: عَنْ لَيْثٍ، قَالَ: كَانَ طَاوُوْسٌ
إِذَا شَدَّدَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ، رَخَّصَ هُوَ فِيْهِ، وَإِذَا تَرَخَّصَ
النَّاسُ فِي شَيْءٍ، شَدَّدَ فِيْهِ، قَالَ لَيْثٌ: وذَلِكَ لِلْعِلْمِ(1).
يفتح هذا الأثر
سؤالًا يتجاوز موقفًا عابرًا: هل وظيفة العالم أن يزيد الناس مما يميلون إليه، أم
أن يردهم إلى ما يدل عليه العلم، ولو خالف توقعاتهم؟
وطاووس هو
الإمام اليماني الذي لازم ابن عباس، وعُدَّ من كبار أصحابه، وتوفي بمكة سنة ست
ومائة للهجرة، وهذه الصلة العلمية أهم في فهم شخصيته من إسقاط تصورات معاصرة على
بيئته؛ فقد تلقى الفقه عن صحابي جمع معرفة النصوص إلى ممارسة التعليم والإفتاء.
كيف يحمي الامتناع عن الجواب مصداقية العالم؟ طاووس بن كيسان نموذجاً.
مفتاح الأثر ليس
اختلاف طاووس عن الناس، وإنما تعليل ذلك بالعلم، فالمخالفة قد تنشأ من بصيرة، وقد
تكون رغبة في الظهور؛ ولا يميز بينهما ارتفاع الصوت، بل قوة الدليل والاستعداد
للمراجعة، ومن أول امتحانات العالم أن يملك الامتناع عن الجواب حين لا تتضح له
المسألة، والأصل القرآني واضح: (وَلَا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: 36).
ولهذا يحسن أن
تُقرأ الرواية بجوار قول حنظلة بن أبي سفيان: «ما رأيت عالمًا قط يقول: لا أدري
أكثر من طاووس»(2)، فالتوقف هنا ليس عجزًا يناقض العلم، بل أمانة
تحرسه.
وفي موقف ثابت،
أنكر ابن مسعود على متحدث تكلم في تفسير آية الدخان، وقال: «من علم فليقل، ومن لم
يعلم فليقل: الله أعلم»(3)، لقد واجه التفسير المتكلف بإعادة المتكلم
إلى مسؤوليته، لا بمنافسة حماسته بحماسة أخرى.
وذلك يضع
معيارًا عمليًا للنشر والفتوى: قبل التعليق على قضية متداولة، يُتحقق من صورتها
ومصدرها وحدود الاختصاص فيها، لا يلزم صاحب المعرفة أن يكون حاضرًا برأي في كل
معركة، ولا أن يحوّل احتماله إلى يقين إرضاءً لجمهوره، وقد تكون كلمة «لا أدري»
أنفع للمجتمع من جواب سريع يرسخ وهمًا ثم يحتاج أصحابه إلى سنوات لتصحيحه.
فقه التيسير المنضبط في مواجهة التشدد والتسيب.
عبّر سفيان
الثوري عن صعوبة التيسير المنضبط بقوله: «إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما
التشديد فيحسنه كل أحد»(4)، والكلمة الحاسمة «من ثقة»؛ فهي تمنع تحويل
الرخصة إلى بحث عن الجواب الأكثر إرضاءً.
ومن التطبيق
الصحيح لذلك أن ابن عباس أمر مؤذنه في يوم مطير أن يقول: «صلوا في بيوتكم»، فلما
استنكر الناس، احتج بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «وإني كرهت أن أحرجكم»(5)،
لم يصنع الاستنكار الشعبي عنده حكمًا جديدًا، ولم يترك السنة اتقاءً للاعتراض.
هذا المثال يوضح
الوجه الذي يمكن أن يُحمل عليه الترخيص في أثر طاووس: إظهار السعة الثابتة حين
يحجبها الاعتياد، أما تبديل الحكم لأن الناس تشددوا، فليس هو المدلول اللازم للأثر،
وليست الرخصة دائمًا تخفيفًا يستنبطه المفتي؛ فقد تكون حكمًا منصوصًا يحتاج إلى من
يبيّنه، لا إلى من يعتذر عنه.
ويمكن الاستفادة من موقف طاووس في الأسرة
والتعليم، من خلال ترجمة ذلك إلى تمييز الواجب من الاختيار الشخصي؛ فلا تُحمّل
الناشئة أعباءً إضافية ثم تُقدّم لهم على أنها أصل التدين، وعلى المربي أن يشرح
موضع الرخصة وسببها، حتى يتعلم المتلقي اتباع الدليل، لا مجرد الانتقال من سلطة
متشددة إلى سلطة متساهلة.
كيف يخدم الحزم الشرعي إقامة العدل المجتمعي؟
يؤكد موقف طاووس أن رفع الحرج لا
يعني إسقاط الحقوق، فقد تتحول لغة التيسير إلى غطاء لترك واجب أو تحميل الضعيف
تبعات تفريط القوي، وهنا لا يكون الحزم نقيض الرحمة؛ إذ قد يكون الوسيلة لحماية حق
لا يستطيع صاحبه انتزاعه، بشرط ثبوت الحق وعدالة الإجراء.
وحين امتنع
مانعو الزكاة، أعلن أبو بكر، بصفته خليفة المسلمين، رفض الفصل بين الصلاة والزكاة،
وقال: «فإن الزكاة حق المال»، وناقشه عمر أولًا، ثم اقتنع بحجته(6)، فالموقف
ليس تمجيدًا للشدة لذاتها، وإنما تمسك بفريضة قائمة أمام محاولة إسقاطها.
ومن هنا يُفهم
الجانب الآخر من الأثر: قد يحتاج المجتمع إلى تذكير حازم بما أضاعه، لا إلى مزيد
من الأعذار العامة، غير أن هذا الفهم لا يبيح تحريم المباح عقوبةً للناس، ولا يجعل
كل مخالفة دليلًا على سوء النية؛ فالخطأ المتعمد غير العجز، والتلاعب غير الاشتباه،
كما أن الاعتبار بالمواقف التاريخية لا يعني نقل إجراءات السلطة العامة إلى
العلاقات الأسرية والتربوية.
وفي إدارة
العمل، يُستفاد من هذا المعنى أن التسامح مع تأخير مستحقات العاملين ليس لطفًا،
كما أن إعفاء المقصر الدائم قد يظلم المجتهدين الذين يحملون عبئه، والمطلوب قواعد
معلنة، وسماع للعذر، وفرصة للإصلاح، ثم محاسبة متناسبة؛ فلا تختبئ المحاباة وراء
الرحمة، ولا يتستر التعسف باسم الانضباط، بهذا يصبح الحزم خدمةً للعدل، لا
استعراضًا للسلطة.
لماذا لا يقاس الصلاح بمجرد المشقة الذاتية؟
من الخطأ أن
يُقاس صلاح الإنسان بمقدار المشقة التي يحتملها وحدها، فقد يكثر من عمل صالح، لكنه
يزاحم به حقًا آخر لا يقل عنه لزومًا، ولهذا يكون التخفيف أحيانًا تصحيحًا لتوزيع
المسؤوليات، لا تقليلًا من شأن العبادة.
فقد زار سلمان
أبا الدرداء، فرأى حال زوجه، ثم حمله على الأكل من صوم التطوع، وعلى النوم قبل
قيام آخر الليل، وقال له: «إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك
حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه»، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صدق
سلمان»(7)، أي في جميع ما ذكر(8).
لم يكن سلمان
يطفئ رغبة صاحبه في الخير؛ فقد قام معه للصلاة حين جاء وقتها، إنما أعاد العبادة
إلى موقعها ضمن حياة متكاملة، وهذه ملاحظة أدق من تصوير الإنسان عدوًا لنفسه، أو
الجزم بأن كل متشدد يطلب المديح؛ فالنيات لا تكشفها المظاهر وحدها.
وفي حياتنا، قد
يحتاج المتحمس للعمل الدعوي أو المهني إلى من يسأله عن نومه وأسرته، لا عن إنجازه
وحده، ويمكن للمؤسسة أن تحمي الجدية بتوزيع الأعباء ومنع الاستنزاف، كما يمكن
للأسرة أن تدعم الاجتهاد دون تحويله إلى منافسة دائمة، فليس النجاح أن يتقدم جانب
من الحياة على أنقاض سائرها، وإنما أن يأخذ كل حق نصيبه.
معايير استقلال الفتوى بعيدا عن إرضاء الجماهير.
لا تتحقق هذه
الموازنة لمن يجعل القبول العام مرجعه الوحيد، لكن الاستقلال ليس اتخاذ المخالفة
هوية ثابتة؛ فمن يتعمد عكس الجمهور يظل أسيرًا له، وإن سار في الاتجاه المقابل، الاستقلال
أن تستطيع الموافقة والاعتراض بحسب الحجة، وأن تتحمل تبعة كليهما.
ويظهر ذلك في
موقف أبي سعيد الخدري حين قدّم مروان خطبة العيد على الصلاة، أنكر أبو سعيد تغيير
الترتيب الذي عرفه من السنة، وقال: «ما أعلم والله خير مما لا أعلم»، وذكر مروان
أن الناس لا يجلسون للخطبة بعد الصلاة(9).
وفي رواية عند
مسلم، «فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ
الْمِنْبَرِ، وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ
مِنْهُ قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا، يَا أَبَا
سَعِيدٍ! قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ، قُلْتُ: كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ!
لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ»(10)، فاحتج الصحابي بالهديِ
المعلوم، ولم يجعل الرغبة في إبقاء الجمهور مبررًا لتغييره.
وعلى هذا، لا
ينبغي قراءة لفظ «الناس» في أثر طاووس على أنه إحصاء يثبت ضلال الأكثرية دائمًا،
ولا اعتبار انفراد شخص برأي علامة تفوقه، الخبر وصف مجمل، لا بيانات عن عدد
الموافقين والمخالفين، وقيمة الموقف تتحدد بمستنده، لا بكثرة أصحابه ولا بندرتهم.
وفي الإعلام
والمؤسسات، تكون الاستقلالية نافعة حين تقترن بعرض الأسباب وقبول النقد، أما صاحب
الرأي الذي يستثمر اعتراضه لبناء شهرة شخصية، فلا يكفيه أن يقول إنه يقاوم التيار،
والسؤال الكاشف: هل سيقبل الرأي نفسه إذا تبناه خصومه، وهل سيرجع عنه إذا ظهر
خطؤه؟ بذلك يُمتحن صدقه مع المرجع الذي يعلنه.
حين يحرص الخطاب الدعوي على مراعاة الفهم.
ويمتد فقه موقف طاووس من مضمون الكلام إلى طريقة تبليغه، فقد تكون المعلومة صحيحة، لكن طرحها بلا
تمهيد يجعل السامع يفهم نقيضها، وليس علاج ذلك بتغيير الحقيقة، بل ببناء الطريق
الذي يوصل إليها.
قال عليّ رضي
الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟»(11)،
والمقصود مراعاة الفهم، لا جعل رغبات الجمهور معيارًا لما يقال من الحق.
وجسّد ابن مسعود
مراعاة قدرة المتلقين حين كان يذكر الناس كل خميس، ولما تمنى أحدهم أن يحدثهم كل
يوم، قال: «أكره أن أملكم»، وبيّن اقتداءه بالنبي صلى الله عليه وسلم في تعاهد
أصحابه بالموعظة خشية السآمة(12).
في هذين الأثرين
بُعدان متكاملان؛ اختيار ما يناسب مستوى الفهم، واختيار المقدار الذي يحتمله
السامع، وقد يطلب المتحمس مزيدًا من الكلام، فيكون الإبقاء على المسافة بين
المجالس أحفظ لرغبته، وليس موضع الاقتداء استنساخ عدد المجالس؛ بل مراعاة الطاقة
والحاجة، مع اختلاف المتعلمين والظروف.
ومن ثم، يستطيع
المعلم أن يراجع كثافة الدرس قبل أن يتهم الطلاب بالفتور، وأن يقدم المثال قبل
المصطلح، وأن يختبر ما فُهم بدل الاكتفاء بما أُلقي، ويستطيع الواعظ أن يشرح الفرق
بين الرخصة والتفريط قبل نشر عبارة مختصرة قد تُقتطع من سياقها، هنا يتحول العلم
من مخزون لدى المتحدث إلى فهم صالح للعمل لدى السامع.
لماذا يهرب البعض إلى الجزئيات ويهمل الكليات؟
قد ينشغل
الإنسان بمسألة صغيرة لأنها أسهل من مواجهة تقصير كبير يمس ماله أو مكانته، وليس
الاعتراض هنا على تعلم دقائق الأحكام، بل على استعمالها ستارًا يحجب ما هو أعظم، ففقه
التوازن يحتاج إلى ترتيب الاهتمامات، لا إلى تسوية جميع الأخطاء.
وسأل رجل من أهل
العراق ابن عمر عن دم البعوض، فقال: «انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض»، ثم
ذكّر بفاجعة قتل الحسين، وبمكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم(13)،
لقد نقل السؤال من التدقيق الجزئي إلى التناقض الأخلاقي الذي يستدعي المحاسبة.
ولا يثبت من
الرواية أن السائل نفسه شارك في القتل، ولا يجوز جعلها إدانة لأهل بلد في كل عصر، محل
الاعتبار هو اختلال الميزان حين يشتد الاحتراز في اليسير ويضعف أمام الدماء، كما
لا يصح اتخاذها حجة لاحتقار مسائل الطهارة؛ فالمطلوب جمع العناية بالأحكام إلى حفظ
مراتبها.
وهذا يتيح
للمؤسسة والأسرة سؤالًا نافعًا: أين تذهب قوة الرقابة؟ فقد تُستنزف في المظهر
والشكليات، بينما تمر الإهانة أو أكل الحقوق دون مراجعة، ومعالجة الخلل تبدأ
بتقديم ما يحفظ كرامة الإنسان وأمانة التعامل، ثم إعطاء التفاصيل قدرها، وليس من
التربية الرشيدة توبيخ طفل طويلًا على ترتيب أغراضه، مع التغاضي عن كذبه أو إيذائه
أخاه؛ فالتناسب نفسه جزء من الرسالة التربوية.
كيف يفصل القائد بين هيبة منصبه وانفعاله؟
وقد تُفسد
الانفعالاتُ التشخيصَ الصحيح؛ فيظن المسؤول أنه يحمي النظام، بينما يدافع في
الحقيقة عن صورته المجروحة، لذلك لا تكفي معرفة متى يشتد ومتى يلين، حتى يراقب
الدافع الذي يحرك قراره، والحزم الذي لا يقبل المراجعة معرض لأن ينقلب انتقامًا.
وفي الصحيح أن
عيينة بن حصن خاطب عمر بكلام غليظ، فغضب عمر، فذكّره الحر بن قيس بقوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ
بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199)، فوقف عمر عند
التذكير، وقال ابن عباس: «وكان وقافًا عند كتاب الله»(14)، أي يعمل بما
فيه ولا يتجاوزه(15).
ليس موضع
الاقتداء أن الإنسان لا يغضب؛ فقد وقع الغضب، ولكن المرجع استطاع أن يوقف اندفاعه،
كما أن حضور الناصح لم يكن زينة في المجلس؛ بل كان لتذكيره أثر في التصرف، وبذلك
تظهر قوة مختلفة عن القدرة على العقوبة؛ قوة الامتناع عنها حين يدعو الدليل إلى
العفو.
وفي العمل
اليومي، يمكن ترجمة هذا إلى تأخير القرار التأديبي حتى تهدأ النفس، وإتاحة سماع
الطرف الآخر، وفصل الشكوى الموضوعية عن طريقة عرضها، ومن تمام ذلك أن يعرف الفريق
مسارًا آمنًا للاعتراض، وأن يعلن المسؤول رجوعه إذا أخطأ، فالثقة لا يحفظها ادعاء
العصمة، وإنما وضوح معيار يحكم الجميع، وفي مقدمتهم من يملك سلطة المحاسبة.
مشروعية الخلاف السائغ في التطبيقات التعبدية اليومية.
يبقى قيد يحمي
هذا المنهج من التحول إلى وصاية: ليس كل اختلاف اختلالًا يحتاج إلى علاج، فقد
تتعدد وجوه العمل المشروعة، ويختار الناس منها بحسب أحوالهم، وعندئذ يكون إنكار
التنوع نفسه خروجًا عن ميزان العلم.
قال أنس رضي
الله عنه عن أسفارهم مع النبي صلى الله عليه وسلم: «فلم يعب الصائم على المفطر،
ولا المفطر على الصائم»(16)، فهذا موقف جماعي محفوظ، اجتمع فيه الأخذ
بالرخصة وتركها دون أن يتحول اختلاف العمل إلى تبادل للاتهام.
والاستفادة منه
أن وجود أكثر من اختيار مشروع، لا يلزم العالم باختراع خصومة ليعيد الناس إلى صورة
واحدة، وهو لا يعني تصحيح كل قول متعارض، ولا إعفاء الأقوال من النظر في أدلتها؛
وإنما يقتضي التفريق بين الخلاف المعتبر ومخالفة الحكم الثابت، فالتنوع المأذون
فيه غير التناقض الذي ينشأ من الهوى.
وفي المسجد
والبيت، ينبغي ألا تتحول اختيارات النوافل والعادات المباحة إلى اختبارات للولاء
أو التقوى، وعلى المربي أن يسأل قبل الاعتراض: هل أمامي واجب ضُيّع، أم رخصة
صحيحة، أم اختلاف سائغ، أم مجرد ذوق يخالف ذوقي؟ هذا السؤال يحفظ طاقته للإصلاح
الحقيقي، ويمنع أن تستنزف العلاقات في معارك لم يوجبها الشرع، ويعلّم أبناءه
احترام الدليل دون ازدراء من وسعه اجتهاد معتبر.
وعند العودة إلى
العبارة الافتتاحية، تبدو مقابلة التشديد بالترخيص أقل أهمية من الكلمة التي
تضبطهما: العلم، فالجمال في هذا التقابل ليس دعوة إلى التأرجح بين طرفين، وإنما
تذكير بأن اختلاف الجواب قد يصدر عن وحدة المرجع، والاقتداء الرشيد لا ينسخ مواقف
الرجال نسخًا آليًا؛ بل يتعلم كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يضع الحق في موضعه.
وأصعب ما يطلبه هذا الفقه من صاحبه ألا يجعل الناس مادة لإثبات صواب نفسه، بل يجعل علمه أمانة في خدمتهم، عندها تكون هيبة العالم ثمرة عدله، لا ثمرة خوفهم منه.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 43).
- 2 التاريخ الكبير: ابن أبي خيثمة (1/ 306).
- 3 صحيح البخاري (4774).
- 4 جامع بيان العلم وفضله (1/ 784).
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (668)، ومسلم (699).
- 6 صحيح البخاري (1400).
- 7 صحيح البخاري (1968).
- 8 فتح الباري: ابن حجر العسقلاني (3/ 32).
- 9 صحيح البخاري (956).
- 10 صحيح مسلم (889).
- 11 صحيح البخاري (127).
- 12 صحيح البخاري (70).
- 13 صحيح البخاري (5994).
- 14 صحيح البخاري (4642).
- 15 فتح الباري لابن حجر (13/ 259).
- 16 متفق عليه، أخرجه البخاري (1947)، ومسلم (1118).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً