من القلب إلى القبول..

كيف يُرزَق الإنسان القبول بين الناس؟ جواب هرم بن حيان

رجلان يتحاوران في إشارة إلى قصة هرم بن حيان والقبول بين الناس

أورد الذهبي عن قَتَادَةَ قَالَ: «كَانَ هَرِمُ بنُ حَيَّانَ يَقُوْلُ: مَا أَقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، إلَّا أَقْبَلَ اللهُ بِقُلُوْبِ المُؤْمِنِيْنَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَرْزُقَهُ وُدَّهُم»(1).

يختصر هذا الأثر كلمة عظيمة من كلمات التربية الإيمانية عند السلف؛ فهو لا يتحدث عن وسيلة من وسائل صناعة الصورة الاجتماعية، ولا عن أسلوب من أساليب استمالة الجماهير، وإنما يقرر معنى أعمق؛ أن صلاح العلاقة بين الإنسان وربه يكون أصلًا لصلاح علاقته بعباد الله، وقد ورد هذا المعنى في سياق جيل التابعين الذين جمع كثير من أعلامهم بين العلم والعمل والزهد والمشاركة في بناء المجتمع الإسلامي الناشئ، ويأتي كلام هَرِم بن حَيَّانَ بوصفه تجربة رجل عرف ميادين المسؤولية والقيادة، ثم عرف أن أعظم مصادر التأثير تبدأ من داخل القلب.

كيف يمنح صدق التوجه طمأنينة النفس ومحبة الناس؟

الإقبال الذي يشير إليه هرم بن حيان ليس مجرد رغبة عابرة أو لحظة وجدانية مؤقتة، بل هو توجيه القلب والقصد إلى الله تعالى بحيث تصبح مرضاته هي الغاية الأولى التي تنتظم حولها أعمال الإنسان، فالإنسان إذا جعل نظره كله متعلقًا برضا الناس اضطربت نفسه بتغير آرائهم، أما إذا استقام قصده لله استقرت داخليته؛ لأنه انتقل من التعلق بالمخلوق المتقلب إلى التعلق بالخالق الثابت.

وهذا المعنى يلتقي مع قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ ‌وُدًّا) (مريم: 96)، فالآية تربط بين الإيمان والعمل الصالح، وجعل الود في قلوب الناس؛ ما يدل على أن المحبة الصادقة ليست دائمًا نتيجة السعي المباشر إليها، بل قد تكون أثرًا يخلقه الله لعبده بسبب صدقه واستقامته، ولهذا قال ابن عون: «كَانَ أَهْلُ الْخَيْرِ إِذَا الْتَقَوْا يُوصِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِثَلَاثٍ: مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ دُنْيَاهُ، وَمَنْ ‌أَصْلَحَ ‌مَا ‌بَيْنَهُ ‌وَبَيْنَ ‌اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ النَّاسَ، وَمِنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ»(2).

ومن هنا يظهر أن بناء القبول يبدأ من إصلاح الداخل، لا من محاولة التحكم في انطباعات الآخرين، فالإنسان الذي يراقب الله في سره، ويجعل الحق مقدمًا على صورته أمام الناس، يمتلك نوعًا من الطمأنينة والاتزان ينعكس على تعامله وكلامه ومواقفه.

كيف يصنع الإخلاص الهيبة دون تكلف؟

عن أيوب السختياني قال: «مَا ‌صَدَقَ ‌عَبْدٌ ‌قَطُّ ‌فَأَحَبَّ ‌الشُّهرَةَ»(3) إشارة إلى أن الصدق الداخلي والإخلاص يغنيان العبد عن تكلّف صناعة الصورة والظهور أمام الناس، ونحن في عالم تتسع فيه وسائل الظهور والإعلان عن الذات، يصبح الفرق واضحًا بين الإنسان الذي يبني حضوره على الصورة، والإنسان الذي يبنيه على الحقيقة، فالصورة قد تجذب الانتباه فترة من الزمن، لكنها تحتاج إلى استمرار في التجميل والدفاع، بينما الصدق يملك قوة الاستمرار لأنه قائم على أصل ثابت.

وقاعدة هرم بن حيان تشير إلى أن القلوب تلتقط معاني لا تظهر دائمًا في الكلمات؛ فالناس قد لا يعرفون تفاصيل نية الإنسان، لكنهم يشعرون غالبًا بآثار الصدق أو التكلف في معاملاته، ولهذا كان الإخلاص مصدرًا من مصادر الهيبة المعنوية؛ لأن الإنسان المتصالح مع نفسه لا يحتاج إلى كثرة التبرير أو طلب الاعتراف المستمر.

وهذا المعنى له أثر كبير في التربية والتعليم والدعوة؛ فالمربي الذي يجعل هدفه هداية الناس وإصلاحهم يكون أقرب إلى القبول من شخص يجعل همه إثبات ذاته، وقد يكون أثر الموقف الصادق أبلغ من خطبة طويلة؛ لأن السلوك الصادق يترجم المعنى قبل أن تنطق به الكلمات.

ما السبيل الذي دعا إليه هرم بن حيان لكسب ثقة الرعية؟

لا يقتصر أثر هذه القاعدة على الجانب الفردي، بل يمتد إلى مجال القيادة، فالقائد الحقيقي لا يحصل على ثقة في نفسه إلا بقدر ما يتصل بربه سبحانه، فعن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قال: «من ‌خَافَ ‌الله ‌خوف الله مِنْهُ كل شَيْء، وَمن لم يخف الله خَوفه الله من كل شَيْء»(4).

وعن الحسن البصري في حوار له مع عمر بن هبيرة قال له: «يا عمر بن هبيرة، إن تك مع الله تعالى في طاعته كفاك باثقة يزيد بن عبدالملك، وإن تك مع يزيد بن عبدالملك على معاصي الله ‌وكلك ‌الله ‌إليه»(5).

أما سبيل الحصول على ثقة الرعية بعد طاعة الله تعالى فليس بالقوة أو الشدة، وإنما بما يزرعه في نفوسهم من شعور بالأمان والعدل والصدق.

وقد كان من خصائص القيادات المؤثرة عبر التاريخ أن أتباعها رأوا في مواقفها انسجامًا بين القول والفعل، وعندما يكون القائد مرتبطًا بالله قبل ارتباطه بنظر الناس، تقل احتمالات أن تتحول القيادة إلى بحث عن المكاسب الشخصية، وتصبح المسؤولية عنده أمانة لا مجرد مكانة.

وفي واقع المؤسسات والأسر والمجتمعات، تظهر هذه الحقيقة بوضوح؛ فالقائد الذي يطلب احترام الناس دون أن يمنحهم عدلًا ورحمة وصدقًا قد يحصل على طاعة مؤقتة، لكنه لا يحصل على المحبة، أما من يبني علاقاته على المبادئ، فإنه يصنع ولاءً قائمًا على الثقة لا على الخوف أو المنفعة.

كيف تتحول محبة الله إلى قبول أرضي؟

يشير الأثر إلى انتقال جميل بين عالمين؛ عالم القلب الفردي، وعالم القلوب الجماعية، فالعبد يبدأ بإصلاح علاقته بالله، ثم يأتي أثر ذلك في محيطه الاجتماعي، وهذا لا يعني أن كل صالح سيحبه كل الناس؛ فالأنبياء والصالحون أنفسهم واجهوا من خالفهم، وإنما المقصود أن الله يضع لعباده من القبول ما يكون أثرًا من آثار صدقهم، خصوصًا عند أهل الإيمان.

وقد دل الحديث الصحيح على هذا المعنى، فعَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ‌ثُمَّ ‌يُنَادِي ‌فِي ‌أَهْلِ ‌السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ»(6)، فالقبول الحقيقي منحة إلهية، لا سلعة تُشترى بالأساليب الظاهرة وحدها.

وفي المجتمعات الحديثة التي تعاني من سرعة الحكم على الأشخاص عبر الإعلام والمنصات الرقمية، تزداد الحاجة إلى هذا المعنى؛ لأن الإنسان قد ينجح في صناعة حضور إعلامي، لكنه لا يستطيع صناعة المحبة العميقة بالوسائل الشكلية وحدها، فالقلوب تميل إلى من تجد فيه معنى حقيقيًا يتجاوز العرض الخارجي.

كيف يبدأ الإصلاح الاجتماعي من القلب؟

تتميز كلمة هرم بن حيان بجمال بلاغي؛ فقد جعل العلاقة بين إقبال العبد وإقبال القلوب علاقة حركة متقابلة؛ قلب يتوجه إلى الله، وقلوب يوجهها الله إليه، وفي هذا التصوير إشعار بأن أعظم التحولات الاجتماعية قد تبدأ من أمر خفي لا يراه الناس، وهو صدق الإنسان مع ربه.

وهذا من أسرار التربية الإسلامية؛ إذ لا تفصل بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع، فالمجتمع في النهاية مجموعة قلوب، وكلما صلحت القلوب وارتبطت بالحق، ظهرت آثار ذلك في العلاقات والأعمال والقرارات.

ولهذا كان ذا النون المصري ينادي ربه عز وجل أن يصلح قلبه ويفتح له من باب الصلاح أبواب الخير كلها، حيث كان يقول: «إلهي، كيف أسترزق من لا يرزقني إلا من فضلك أم كيف أسخطك في رضا من لا يقدر على ضري إلا بتمكينك، فيا من أسأله إيناساً به وإيحاشاً من خلقه ويا من إليه التجاني في شدتي ورجائي، ارحم غربتي وهب لي ‌من ‌المعرفة ‌ما ‌أزداد ‌به ‌يقيناً، ولا تكلني إلى نفسي الأمارة بالسوء طرفة عين»(7).

ولهذا، فإن من أعظم مشاريع الإصلاح أن يبدأ الإنسان من نفسه، لا بمعنى الانعزال عن الناس، بل بمعنى الدخول إليهم بقلب أصلح وأصدق، فمن أصلح سريرته أصلح الله له كثيرًا من علانيته، ومن جعل غايته رضا الله رزقه الله من القبول ما لا يمنحه السعي المجرد وراء رضا البشر.

كيف نتعامل مع وهْم الشهرة المعاصرة؟

في بداية الدعوة الإسلامية كان الزعماء من أهل مكة حريصين على شهرتهم واعتراف المجتمع بهم والمبالغة في تقديرهم ومدحهم، وفي وسط هذه البيئة المليئة بالفخر والحرص على الزعامة يأتي النبي صلى الله عليه وسلم معلناً دعوته، وداعياً إليها، ومؤكداً حقيقتها وعاقبتها، لكن القوم آذوه ومنعوه وأهانوه وعذبوه، لكنهم في مرحلة من المراحل اتخذوا معه أسلوباً من أساليب المساومة والإغراء بالشهرة والقوة.

فقد وقف عتبة بن ربيعة ذات يوم، وكان سيداً حليماً، فقال: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأكلمه أموراً لعله أن يقبل بعضها فنعطه أيها شاء ويكف عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم فكلمه، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك أن تقبل منها بعضها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل يا أبا الوليد أسمع»، فقال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت من هذا القول مالاً جمعنا من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تريد شرفاً شرفناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك(8).

إن عتبة بن ربيعة يعرض الشهرة والملك على النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه رفض كل ذلك، وأفصح له عن مقصده، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر، فهو ميزان القبول وطريق الوصول إلى خير الدنيا والآخرة.

وتزداد قيمة هذا الأثر في زمن أصبحت فيه الشهرة هدفًا يسعى إليه كثيرون، وأصبح تقييم الإنسان لنفسه مرتبطًا أحيانًا بعدد المتابعين أو حجم التفاعل معه، وهنا تأتي قاعدة هَرِم بن حَيَّانَ لتعيد ترتيب الأولويات؛ ألا تجعل قبول الناس هو الأصل الذي تتحرك من أجله، بل اجعل إصلاح علاقتك بالله هو الأصل، وسيأتي من القبول ما قدره الله لك.

وهذا لا يعني ترك الأسباب المشروعة أو إهمال حسن التعامل، فالشريعة دعت إلى حسن الخلق والتواصل والبذل، ولكنها تجعل هذه الأعمال ثمرة لمعنى أعمق؛ صدق العبودية، فالإنسان الذي يريد أن ينفع الناس يحتاج إلى أن يبني الداخل الذي يحمل هذا النفع.

إن أثر هرم بن حيان يقدم قانونًا تربويًا خالدًا؛ أن القلوب لا تُفتح بالقوة ولا بالتكلف، وإنما يفتحها الله لمن صدق معه، وكلما كان الإنسان أقرب إلى الله في خلوته، كان أقرب إلى أن يرزقه الله أثرًا حسنًا في حياة الناس.

من خلال ما سبق، يتبين أن كلمة هرم بن حيان تكشف عن قاعدة تتجاوز حدود الوعظ الفردي إلى بناء رؤية متكاملة للإنسان والتأثير والقيادة، فالإقبال على الله ليس هروبًا من الواقع، وإنما تأسيس لأقوى حضور في الواقع؛ لأن القلب إذا استقام على غايته العليا انعكس ذلك على الأخلاق والعلاقات والقرارات.

إن صناعة القبول ليست مشروعًا يبدأ من الخارج، بل رحلة تبدأ من الداخل، ومن أراد أثرًا باقيًا بين الناس فليبحث أولًا عن الصدق بينه وبين الله، فإن القلوب بيد الله، وهو الذي يهب عباده من المحبة والقبول ما لا تصنعه الوسائل وحدها.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (5/ 13).
  • 2 مصنف ابن أبي شيبة (35472).
  • 3 سير أعلام النبلاء (6/ 199).
  • 4 مسند الفردوس بمأثور الخطاب: الديلمي (3/ 496/ 5539).
  • 5 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: الأصفهاني (2/ 150).
  • 6 صحيح مسلم (2637).
  • 7 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: الأصفهاني (9/ 343).
  • 8 السير والمغازي: ابن إسحاق، ص 206.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة