العلم والعمل تكامل لا تعارض

أبو صالح السمان.. كيف يجتمع طلب العلم والعمل بالتجارة؟

رجل يحمل  جرتين ويبيع السمن في السوق وهو يبدوا عليه الايمان والتقوى والورع.

أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ(1)؛ الْقُدْوَةُ الْحَافِظُ الْحُجَّةُ، ذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ جُوَيْرِيَّةَ الْغَطَفَانِيَّةِ، كَانَ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَجْلِبُ الزَّيْتَ وَالسَّمْنَ إِلَى الْكُوفَةِ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَشَهِدَ يَوْمَ الدَّارِ وَحَصْرَ عُثْمَانَ، سَمِعَ مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعبدالله بْنِ عُمَرَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَطَائِفَةٍ سِوَاهُمْ، وَلَازَمَ أَبَا هُرَيْرَةَ مُدَّةً(2).

يجمع هذا النص بين عبارتين جديرتين بطول التأمل: مكانة رجل في كبار العلماء، واشتغاله بجلب الزيت والسمن، لا يقدم إحداهما اعتذارًا عن الأخرى، ولا يجعل المهنة مرحلة ينبغي محوها من سيرة العالم بعد نبوغه، ومن هذا الاجتماع تنفتح قضية المقال: كيف يبلغ الإنسان منزلة رفيعة في العلم والدين، من غير أن ينسحب من العمل، أو يستغني عن معرفة الناس ومعايشة شؤونهم؟

وفي التعريف الوارد في النص تنبيه علمي؛ إذ يذكر المزي في «تهذيب الكمال» أن أبا صالح السمان ذكوان بن عبدالله مولى جويرية بنت الأحمس الغطفانية، وهي غير أم المؤمنين جويرية بنت الحارث المصطلقية؛ ولذلك لا يصح بناء تفسير نشأته العلمية على نسبة ولائه إلى أم المؤمنين، أما اجتماع منزلته العلمية وعمله التجاري فهو المعنى الذي تسنده ترجمته بوضوح.

لماذا لم تحجب تجارة السمن إمامة أبي صالح السمان ذكوان بن عبدالله؟

بقي أبو صالح السمان ذكوان بن عبد الله معروفًا بلقب «السمان»، مع ما وصفه به أئمة العلم من الحفظ وثبات الأمانة، ونقل الذهبي في «سير أعلام النبلاء» عن الإمام أحمد قوله فيه: «ثقة ثقة، من أجل الناس وأوثقهم»، فلم يحجب اسم المهنة منزلته، ولم يحتج المؤرخ إلى تجريده من عمله حتى يُظهر جلال قدره.

وفي هذه المجاورة ما يصحح نظرتنا إلى المهن وإلى أصحابها:

  • ليس من توقير العلم أن نتخيل صاحبه أرفع من السعي في معاشه.
  • ليس من تعظيم التدين أن نجعل الاشتغال بمصالح الحياة قرينة على ضعف الهمة.
  • قد يكون العمل شاقًّا ويأخذ من ساعات الطلب، لكنه لا يصير بهذا نقيضًا للعلم، كما أن فراغ الوقت وحده لا يصنع عالمًا.

ويأتي الهدي النبوي بأصل واضح في تكريم الكسب؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عليه السلام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»(3)، فاجتماع المقام الديني الرفيع والسعي في الرزق ليس أمرًا يحتاج إلى اعتذار، بل له شاهد ثابت في حياة الأنبياء والعلماء.

وقد امتد هذا المسلك الشريف إلى أئمة العلم عبر التاريخ؛ فلم تحط المهن بأسماء أصحابها من قدرهم العلي عند الأمة، ونرى ذلك جليًّا في ترجمة حمزة بن حبيب الزيات رحمه الله؛ إذ كان مع إمامته العظمى في القرآن والحديث يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان، ويجلب منها الجبن والجوز، فلُقِّب بالزيات لاشتغاله بالبيع، ولم يمنع هذا اللقب المهني إجماع العلماء على جلالة قدره وإمامته.

ومن هنا تبدأ تربية مختلفة داخل الأسرة ومؤسسات التعليم:

  • أن نحترم العمل النافع لصدقه وإتقانه، لا لبريق اسمه وحده.
  • ألا نعلّم أبناءنا أن الوجاهة تعني الابتعاد عن المهن، أو أن صلاح الإنسان يُقاس بمقدار انفصاله عن حاجات الناس.
  • إن العالم الذي يعمل لا تنقصه مهنته، وإنما يُسأل عن أمانته فيها، كما يُسأل عن أمانته في علمه.

ألف حديث يرويها تاجر لم ينتظر الفراغ

تذكر الترجمة ملازمة أبي صالح السمان ذكوان بن عبد الله لأبي هريرة رضي الله عنه، وينقل الذهبي في «السير» عن الأعمش قوله: «سمعت من أبي صالح السمان ألف حديث»، وهاتان الإشارتان تكشفان أن صلته بالعلم لم تكن اهتمامًا عابرًا إلى جانب مهنته؛ فقد أخذ عن شيخ، ثم صار موردًا واسعًا للرواية عند تلميذ.

لا تخبرنا هذه الأخبار بجدوله اليومي، ولا بعدد رحلاته التجارية، ولا بكيفية توزيع أيامه بين الكسب والتلقي؛ ولذلك لا يصح أن نضع على لسان سيرته برنامجًا لم تنقله المصادر، لكنها تمنحنا معنى أوضح وأثبت؛ أن الاشتغال بالمعاش لم يمنعه من بناء صلة ممتدة بالعلم.

وقد ضرب الصحابة رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في بناء هذه الصلة المستمرة دون انتظار فراغ كامل؛ فقد روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه طبيعة تعامله مع الشواغل فقال: «كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوما وأنزِل يوما، فإذا نزلت أتيتُه بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك»(4).

والفرق كبير في تنظيم الأوقات بين مسلكين:

الأول: من يجعل العلم موعدًا مؤجلًا إلى حين زوال جميع الشواغل، فيربط طلبه بظرف قد لا يأتي.

الثاني: من يمنح العلم مكانًا ثابتًا في حياته بحسب استطاعته، فيبدأ بما يقدر عليه ثم يحفظه من التبدد.

وليس المقصود أن الجميع يستطيعون الجمع بالقدر نفسه، أو أن العامل المرهق يُلام لأنه لا يجد ما يجده المتفرغ؛ وإنما المقصود ألا تتحول صعوبة الطريق إلى حكم مسبق باستحالته.

ولطالب العلم العامل اليوم أن يأخذ خطوات عملية قابلة للحياة:

  • درسًا منتظمًا مع معلم موثوق.
  • مقدارًا مستمرًّا من القراءة والمراجعة.
  • حدودًا صارمة تحمي وقت التعلم من التشتت.

تزاحم الأرباح مع الواجبات يكشف ميزان الأولويات

قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77)، وفسر ابن كثير ذلك باستعمال النعمة في طاعة الله، مع الانتفاع بما أباحه من شؤون المعيشة، ورعاية حقوق النفس والأهل، فالنص لا يدعو إلى إهدار الحياة، ولا يترك طلب الدنيا بلا مقصد يضبطه.

وعلى ضوء هذا التفسير، ليس التوازن أن نعطي للدين جانبًا من حياتنا، ثم نخرج بالجانب الآخر من سلطانه؛ بل أن تبقى مقاصد الدين حاضرة في طريقة اكتساب المال وإنفاقه، وفي رعاية الأسرة، وفي أداء العمل، فالدنيا ليست منطقة معفاة من الأمانة، والآخرة ليست ذريعة لتضييع الحقوق القريبة.

ويزداد المعنى وضوحًا في قوله تعالى: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) (النور: 37)، بيّن السعدي في تفسيره أن هؤلاء يتجرون ويبيعون ويشترون، لكنهم لا يقدمون ذلك على طاعة الله، فموضع الثناء ليس غياب التجارة، وإنما عدم استيلائها على القلب والواجب.

وقد جلى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما هذا المفهوم في واقع أصحاب المهن؛ إذ مر في السوق فرأى أهل الحوانيت قد أغلقوا دكاكينهم وقاموا إلى الصلاة في المسجد، فقال: «فيهم نزلت هذه الآية: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)»(5)، فلم يكن المدح لمن لا تجارة له، بل لمن مارس بيعه ولم تحجبه الدنيا عن حق ربه.

وهذا معيار عملي لصاحب الوظيفة والتاجر وطالب العلم: ليست المشكلة في أن تكون لك مطالب دنيوية، وإنما في أن تصبح تلك المطالب صاحبة القرار الأخير في حياتك، وحين يتزاحم الربح مع حق واجب، أو تتوسع الأعمال حتى تبتلع الأسرة والعبادة، تظهر حقيقة الأولويات التي يصعب اكتشافها في أوقات السعة.

ومن هذه الزاوية نقرأ أبا صالح السمان ذكوان بن عبد الله؛ لا بوصفه رجلًا قسم نفسه بين شخصيتين متنافستين، بل بوصف سيرته شاهدًا على إمكان اجتماع السعي في المعاش والرسوخ في العلم.

ابو صالح السمان تاجر الكوفة الذي أمَّ الناس في صلاتهم

ينقل المزي عن ابن سعد أنه قال: «كان ثقة كثير الحديث، وكان يقدم الكوفة بجلب، فينزل في بني أسد، فيؤم بني كاهل»(6)، ففي هذا الخبر تجارة، ونزول بين الناس، وإمامة لهم في الصلاة؛ أي إن حضوره لم يكن حضور صاحب بضاعة فحسب.

وهذه صورة جديرة بأن توضع أمام من يتخيل أن الطريق إلى العلم يمر حتمًا بالانقطاع عن المجتمع؛ فقد يكون العالم بين الناس من غير أن يفقد وقاره، ويشاركهم مصالحهم من غير أن يصبح أسيرًا لأهوائهم، وليس القرب منهم تنازلًا عن منزلته، بل هو المجال الذي يظهر فيه نفع تلك المنزلة.

وفي الهدي النبوي تأصيل ثابت لأجر المعايشة الصابرة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»(7)، فليس الفضل لمجرد كثرة العلاقات، بل لحضور يحتمل صاحبه ما يصحب التعامل من مشقة.

ولا يقتضي ذلك أن تكون كل مخالطة نافعة، أو أن يخلو يوم الإنسان من وقت للعزلة والقراءة والعبادة؛ إنما يمنع:

  • تحويل الابتعاد عن الناس إلى علامة صلاح قائمة بذاتها.
  • تحويل مخالطتهم إلى انشغال دائم يستهلك المقصد الذي خرج الإنسان من أجله.

وفي واقع التعليم والدعوة، يمكن أن يتحول هذا المعنى إلى إنصات أوسع لظروف الناس: أن يعرف المعلم ما يثقل كاهل العامل، وأن يسمع المربي أسئلة الآباء، وأن يفهم المتحدث عن الأمانة مواطن اختبارها في المهن، وهذه معرفة تعين على حسن البيان والتنزيل، لا بديل عن الدليل والتأهل العلمي.

اختبار الصدق حين يمس الربح المالي المباشر

حين يتحدث الإنسان عن الصدق في مجلس تعليم، فإنه يبين فضيلته؛ وحين يصف سلعة يبيعها، أو يقر بعيب فيها، يصبح الصدق قرارًا قد يمس مصلحته المباشرة، وهنا تظهر أهمية ألا تنفصل الأخلاق التي نتعلمها عن المعاملات التي نمارسها.

وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم الميزان الأخلاقي في مواقع البيع الشريفة فقال: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»(8)، فميزان المعاملة في هذا الحديث لا يقف عند حصول الربح، بل يتناول الطريق الذي حصل به، وما صاحبه من بيان أو إخفاء.

ولم تكن الأمانة مجرد تنظير في بيئات المعاملات، بل تجسدت في مواقف عملية رفيعة؛ يروى أن جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه اشترى له غلامه فرسا بثلاثمائة درهم، وجاء بصاحب الفرس لينقده الثمن، فنظر جرير إلى الفرس فرأى أنه يساوي أكثر، فما زال يرجع إلى البائع ويقول: «فرسك خير من ذلك، أتبيعه بأربعمائة؟ بخمسمائة؟» حتى بلغه ثمانمائة درهم وأعطاها إياه، ثم قال: «إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم»(9).

وفي الترجمة نفسها ينقل الذهبي عن الأعمش خبر إمامة أبي صالح السمان ذكوان بن عبد الله حين تأخر الإمام، وما غلب عليه في الصلاة من الرقة والبكاء، وهذا خبر عن الرجل الذي عُرف بجلب الزيت والسمن؛ فلم تمنع مهنته أن تظهر في عبادته تلك الرقة.

لتظهر هذه الوحدة اليوم في:

  • وصف المنتج من غير تضليل.
  • الوفاء بما التزم به مقدم الخدمة.
  • رفض استغلال ثقة الناس بالمظهر الديني لترويج ما لا يستحق.

هل تضمن التجارة نزاهة العالم واستقلال رأيه؟

من المعاني التي يمكن استلهامها من اجتماع العلم والعمل أن يكون للإنسان مورد رزق يعينه على قضاء حاجاته، ويخفف بعض الضغوط التي قد تنشأ من التعلق بعطاء الآخرين، غير أن هذه فائدة محتملة للكسب، وليست تفسيرًا ثابتًا لجميع اختيارات أبي صالح السمان؛ فلا تخبرنا الترجمة بمقدار ثروته، ولا بأنه اختار التجارة لتحقيق استقلال عن أصحاب السلطة.

وهذا التمييز يحفظ قيمة السيرة بدل أن ينتقص منها؛ فنحن لا نحتاج إلى إثبات أنه كان غنيًّا حتى نحترم عمله، ولا إلى تصوير كل عالم متفرغ للتعليم على أنه عالة حتى نبرز فضل العالم الذي جمع بين العلم والتجارة.

ونجد في تراجم كبار التابعين شواهد جلية على استخدام التجارة لحفظ المروءة والاستقلال؛ فقد كان سعيد بن المسيب رحمه الله متجرًا في الزيت، وكان يقول مبينًا المقصد من كسبه: «ما تجرتُ إلا لأصون بها ديني وحسبي، وأصل منها رحمي، وأقضي منها أمانتي، وأستغني بها عن هؤلاء»(10)، وهذا نظير آخر لاجتماع الاشتغال العلمي والكسب، من غير حاجة إلى جعل طريقة واحدة في المعاش شرطًا للإمامة.

فالغنى ليس ضمانًا للنزاهة، والفقر ليس تهمة، والمهنة لا تعفي صاحبها من محاسبة نفسه، وقد يتعلق التاجر برضا زبائنه كما يتعلق غيره برضا من يموله؛ ولذلك تبقى الأمانة محتاجة إلى تربية وضبط، مهما كان مصدر الرزق. وهذا المعنى الذي يظهر جلية في سيرة التابعي ذكوان بن عبد الله ابو صالح السمان. 

والأجدر في واقع المؤسسات العلمية أن نسأل كيف نحمي صدق البحث والتعليم، لا أن نكتفي بالسؤال هل صاحب العلم تاجر أم موظف، ومن وسائل ذلك:

  • وضوح الالتزامات والشروط.
  • عدم ربط الدعم بنتاج مقدر سلفًا.
  • صيانة حق الباحث والمعلم في بيان ما يراه صوابًا بدليله.

إسقاط الأعذار المتبادلة بين طلاب العلم والمهنيين

تضعنا سيرة أبي صالح السمان ذكوان بن عبد الله أمام مسؤوليتين متكاملتين:

1- ألا نجعل الانتساب إلى العلم ستارًا للتنصل من واجبات الحياة.

2- ألا نجعل الاشتغال بالحياة حجة لإغلاق باب التعلم.

وليس المطلوب أن يصير كل تاجر محدثًا، أو أن ينشغل كل باحث بالتجارة؛ وإنما أن يتسع تصورنا للصلاح حتى لا نحبسه في صورة مهنية واحدة.

وقد ضرب الصحابة الأعلام أروع النماذج في المبادرة إلى العمل اليدوي مع علو المكانة العلمية وسابقة الفضل، روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه سعي نفسه في طلب الرزق فقال: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَأَرْبُطُ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَإِنَّ صَدَقَتِي الْيَوْمَ لَأَرْبَعُونَ أَلْفًا»(11)، فلم يمنعه مقامه العلمي الشريف وسابقته في الدين عن مباشرة المعاش بنفسه والكسب الحلال.

ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول الدعوة إلى الجمع بين العلم والعمل إلى تساهل في التأهل؛ فالقرب من الناس لا يكفي للإفتاء، والخبرة بالسوق لا تقوم مقام معرفة الأدلة، كما أن حسن المقصد لا يعوض ضعف الضبط، إن الاقتداء بأبي صالح لا يكون باستعارة مكانته، وإنما باحترام الطريق الذي تدل عليه سيرته: تلقي العلم، وملازمة أهله، وتحمل مسؤولية نقله.

ولعل أبلغ ما تمنحه هذه الصورة للمربي والداعية أن القدوة لا تحتاج دائمًا إلى خطاب طويل عن التوازن؛ فقد يعلّم المرء غيره حين يرونه جادًّا في تعلمه، متقنًا لعمله، حاضرًا في أسرته، أمينًا في معاملته، هناك يصبح الكلام عن صلاح الدين والدنيا أمرًا يمكن مشاهدته، لا عبارة جميلة معلقة فوق واقع يناقضها.

إن أبا صالح السمان لا يقدم لنا وصفة تمحو مشقة الجمع بين المسؤوليات، ولكنه يزيل وهمًا يسبق المحاولة: أن الرسوخ في العلم لا يتحقق إلا بهجر العمل، وأن صلاح القلب لا يبقى إلا بعيدًا عن الناس، فقد حفظت ترجمته مكانته العلمية وحرفته وحضوره بينهم في صورة واحدة، لا في صور يلغي بعضها بعضًا.

تتجلى في سيرة التابعي الجليل أبي صالح السمان ذكوان بن عبد الله زاوية مكثفة تركز على إسقاط العزلة الوهمية بين التبتل الديني وسعي المعاش؛ إذ أثبتت سيرته أن الكسب اليدوي والملازمة العلمية والمخالطة المجتمعية روافد يكمل بعضها بعضًا، لم تكن عظمته في تجارة السمن والزيت وحدها، ولا في لقب علمي مجرد، بل في اجتماع علم يُوثق به، وعمل يسعى به في معاشه، وحضور ينفع به الناس.

ومن هنا يبقى السؤال الذي تتركه سيرة ابو صالح السمان ذكوان بن عبد الله  لنا: كيف نجعل ما نتعلمه أصلح لما نعمله، وما نعمله أعون على أداء حقوقنا، فلا ننسى نصيبنا من الدنيا، ولا ننسى ونحن نطلبه وجهتنا إلى الله؟

الهوامش
  • 1 ذكوان بن عبدالله (وقيل: ابن كيسان)، أبو صالح السمان الزيات، تابعي جليل وإمام ثقة حافظ من أعيان التابعين، اشتُهر برواية الحديث النبوي وكان من أثبت الناس وأوعاهم لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، لزم المدينة المنورة داراً وسكناً، وتوفي بها سنة 101هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (5/ 37).
  • 3 التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (279/ 1000).
  • 4 صحيح البخاري (1/ 261/ 89).
  • 5 زاد المسير في علم التفسير (3/ 298).
  • 6 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (8/ 516).
  • 7 سنن ابن ماجه (2/ 1338/ 4032).
  • 8 سنن الترمذي (3/ 540/ 1246).
  • 9 الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص396.
  • 10 إصلاح المال (40/ 68).
  • 11 فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (2/ 712/ 1217).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة