تعلّم التواضع بالقدوة فصار إماماً

مجاهد بن جبر.. أراد خدمته فخدمه ابن الخليفة

رجل بلباس متواضع يركب على حصانه ويقف بجواره رجل من اشراف قريش وهو يمسك رجل الراكب على الجواد ويضعها في الركاب

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن مُجَاهِد بْن جَبْر(1)؛ حيث يقول شُعْبَةُ، عَنْ رَجُلٍ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْدِمَهُ فَكَانَ يَخْدِمُنِي.

وعن إِبْرَاهِيم بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: رُبَّمَا أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ لِي بِالرِّكَابِ.

وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: مُجَاهِدٍ مَوْلًى لِبَنِي زُهْرَةَ.

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مُجَاهِدٌ مَوْلَى عَبْدِاللَّهِ بْنِ السَّائِبِ(2).

تحمل هذه المأثورات موجزًا مكثفًا لبناء اجتماعي وتربوي فريد؛ فهي لا تسرد مجرد انطباع عابر بين عالم وتلميذه، بل تفتح نافذة واسعة على كيفية تشكل الوجدان النفسي والعلمي للإمام مجاهد بن جبر، فمجاهد، الذي ينتمي إلى طبقة الموالي ولم يحُز شرف النسب القرشي أو الوجاهة الاجتماعية الموروثة، دخل صحبة عبدالله بن عمر رضي الله عنهما مقتفيًا العرف السائد في وقته؛ وهو أن الأصغر يتولى خدمة الأكبر، وأن الطالب يستفرغ وسعه في خدمة أستاذه، غير أنه جلب من تلك الملازمة حقيقة انقشعت معها معايير الجاه والتمايز البشري؛ إذ رأى بعينيه أن كبار الصحابة كانوا ينظرون إلى خدمة السالكين وأهل الفضل بوصفها شرفًا ينالونه، لا منة يمنحونها.

ولم يكن هذا السلوك فرديًا مجردًا في بيئة الصحابة، بل كان مظهرًا من مظاهر التوقير البالغ لأهل العلم والتقوى؛ ومن ذلك ما ثبت في ترجمة زيد بن ثابت وعبدالله بن عباس رضي الله عنهم: «أخذ عبدالله بن عباس بركاب دابة زيد بن ثابت وهو يُمشّيه، فقال له زيد: لا تفعل يا ابن عم رسول الله، فقال ابن عباس: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا، فقبل زيد يده وقال: وَهَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا»(3)، ومن هنا تبلورت شخصية مجاهد بن جبر السلوكية؛ إذ رأى ابن الخليفة الثاني يمسك بالركاب لرجل مولى يحمل العلم، فسقطت في عينيه كبرياء الهيئات وزيف التفاخر بالمظاهر.

حين تحول طلب الخدمة إلى درس بالتواضع

لم يأتِ مجاهد إلى مجلس عبدالله بن عمر رضي الله عنهما بغية تحصيل وجاهة اجتماعية أو التسلق على أكتاف المجمعات، بل اتجه إليه بقلب أفعمه الأدب والرغبة الصادقة في خدمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والنهل من هديهم، غير أن المفاجأة الأخلاقية التي زلزلت المفاهيم الجاهلية المتبقية تمثلت في رفض ابن عمر أن يكون آخذًا فقط، فبادر هو إلى الخدمة ورعاية تلميذه.

إن هذه المبادرة تجسد الاستجابة المباشرة للهدى النبوي الخالد في إعلاء قيمة الخدمة والتواضع ورعاية الرفيق؛ فعن عائشة رضي الله عنها لما سُئلت عما كان يصنع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته قالت: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -يَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ»(4)، فقد أدرك عبدالله بن عمر أن التواضع للسالكين ليس غبينة تنقص القدر، بل هو الكمال الإيماني الذي يرفع صاحبه.

ولم يقتصر هذا المعنى على إعانة مجاهد فحسب، بل شوهد في السلوك القيادي لأكابر الصحابة ورجالات الدولة الأولى؛ ومن ذلك ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خرج إلى بيت المقدس ومعه غلام له يعاقبه الركوب على الدابة؛ فتارة يركب عمر وتارة يركب الغلام، في صورة تجلت فيها الخدمة المتبادلة وإسقاط الفوقية الطبقية، وفي هذا المناخ النفسي تلقى مجاهد الدرس الأبقى: أن العظمة الحقيقية لا تكمن في استعباد الناس أو إجبارهم على الخدمة، بل في القدرة على إعانتهم والتواضع لهم مع استيفاء أسباب الرفعة.

كيف أعاد موقف الركاب ترتيب معايير التفاضل؟

إن كلمة مجاهد بن جبر: «رُبَّمَا أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ لِي بِالرِّكَابِ» تكسر الصورة التقليدية للمراتب الاجتماعية في ذلك العصر، فالركاب في رحلات السفر القديمة كان أداة خدمة ينيخها الخادم لسيده أو الأقل مرتبة لمن يعلوه، وحين يبادر رجل بحجم عبدالله بن عمر -وهو الشريف نسَبًا والابن للخليفة الراشد والقامة العلمية الشامخة- فيمسك بالركاب للتابعي المولى مجاهد، فإن هذا الموقف يقتلع معايير الجاه القبلي من جذورها.

لقد برهن هذا السلوك العملي على أن معيار الفضل والإكرام في مجتمع الصحابة لم يعد محكورًا في الحسب والنسب ولا القرب من دوائر السلطان، وإنما أضحت التقوى والمعرفة الميزان الأوحد للرفعة، وهو المعنى الذي ترسخ في الوعي الجمعي لمؤسسي المجتمع الأول؛ فقد ثبت في التاريخ أن أشراف قريش كأبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو وقفوا ببابه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأذن للموالي والفقراء كبلال وصهيب وعمار قبلهم، فلما وجد أبو سفيان في نفسه من ذلك، قال له سهيل بن عمرو: « وعلمنا أنَّا أُتِينَا مِن قِبل أنفسنا، فهل من شيء نستدرك به ما فاتنا من الفضل؟ فقال: لا أعلَمُه إِلَّا هذا الوجه، وأشار لهما إلى ثغر الروم، فخرجا إلى الشام فماتا بها»(5).

وجاء هذا الفهم متسقًا مع المنهج العُمَري الشامل الذي ألغى التعالي بالطبقية والنسب؛ ومن ذلك قوله المأثور في الشرف الإيماني: «أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالًا»(6)؛ يعني بلال بن رباح رضي الله عنه، ومن هذه المشاهد الحية استقى مجاهد نظرته لواقع الحياة؛ فلم يعد يستخفه لباس فاخر ولا يسترهبه موكب مهيب، بعد أن شهد بعينيه أن الشرف الموروث لا يصنع هيبة ذاتية ما لم يزد صاحبه تواضعاً لله ورعاية لأهل الفهم.

كيف شكلت صحبة الصحابة شخصية مجاهد التفسيرية؟

تأثر التكوين العلمي والمعرفي للإمام مجاهد بن جبر بشرذمة مباركة من الصحابة؛ فلم تقتصر ملازمته على عبدالله بن عمر، بل امتدت لتشمل حبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، إضافة إلى جمهرة من البدريين، وكانت مدرسة الصحابة مدرسة واقعية تعتمد البناء العملي وتُقدم الجوهر المعرفي والخشية الإيمانية على المظاهر والألقاب.

فقد رأى مجاهد نموذج الشيخ المحقق الذي لا يستكبر عن التواضع في طلب العلم والتلقي؛ ومما أثر عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في بداية طلبه أنه كان يأتي باب الصحابي من الأنصار فيقيل على بابه وتذرو عليه الريح التراب ابتغاء الحديث، فيخرج الصحابي فيقول: يا ابن عم رسول الله ألا أرسلت إليّ فآتيك؟ فيقول ابن عباس: «لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ لَأَسْأَلَكَ»(7).

إن معايشة هذه النماذج العصية على الكبر صنعت مسار مجاهد بن جبر الأخلاقي؛ فجاء شخصًا زاهدًا في الشكليات، مقتنيًا الجوهر، وهو الأمر الذي فسره الأعمش بعبارته البديعة حين وصف مجاهدًا بقوله: «كَانَ مُجَاهِدٌ كَأَنَّهُ حَمَّالٌ مُتَبَذِّلَ الْهَيْئَةِ، فَإِذَا نَطَقَ خَرَجَ مِنْ فِيهِ اللُّؤْلُؤُ»(8)، فلم تكن تلك المفارقة بين رثاثة الهيئة وبلاغة النطق نتاج صدفة طارئة، بل كانت أثرًا مباشرًا لتربية متطاولة شاهد فيها أن العظمة المعرفية تثمر تواضعًا وسكونًا في الظاهر ورسوخًا في الباطن.

الفارق بين الهيبة الشكلية والرسوخ العلمي الحقيقي

تنزع المجتمعات في كثير من الأطوار التاريخية إلى فتنة المظاهر؛ حيث يُعطى الإنسان مهابة طارئة لمجرد ثوب فاخر أو نسب مشهور أو حظوة شكلية، غير أن تجربة مجاهد بن جبر والمدرسة التي تخرج فيها جاءت لتؤكد أن الانطباعات البصرية غالباً ما تموه الحقائق، وأن المعيار الفاصل يكمن في الحصيلة المعرفية والعمل الصالح.

ولنا في السير المأثورة أسوة بليغة تؤكد انكسار الشكل أمام الجوهر؛ فقد ثبت عن الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه لما كان أميرًا على المدائن، كان يلبس عباءة بسيطة، فرآه رجل شامي لا يعرفه فظنه حمالاً وأمره أن يحمل عنه حِمله، فحمله سلمان تواضعاً ولم يعرّف بنفسه، فلما رآه الناس فزعوا وقالوا للشامي: هذا الأمير سلمان! فاعتذر الرجل خجلًا وأراد أخذ الحِمل، فأبى سلمان إلا أن يوصله إلى بيته.

إن هذا الفهم العميق للكرامة الإنسانية ينبثق من النص القرآني المحكم في قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، فالآية الكريمة تقتلع معايير المفاضلة الجاهلية المبنية على اللون والمال والأنساب، وترسخ التقوى والعمل النافع مرجعًا مفردًا للتكريم، ولا يعني هذا بطبيعة الحال هدم الجمال المشروع أو النظافة المسنونة، وإنما يرفض اتخاذ الهيئة الخارجية بديلًا زائفًا عن الاستقامة والعمق الفكري.

لماذا لم تعق الخلفية الاجتماعية إمامة مجاهد بن جبر؟

اختلفت الروايات التاريخية في تحديد ولاء الإمام مجاهد بن جبر؛ فقيل إنه مولى لبني زهرة، وقيل مولى عبدالله بن السائب المخزومي، وعلى الرغم من هذا التباين الرواياتي، تظل الحقيقة الناصعة متمثلة في كونه مولى غير قرشي استطاع عبر العلم والإتقان أن يتسنم ذروة الإمامة في مكة المكرمة، حتى صار شيخ القراء والمفسرين ومحط رحال المشتغلين بالأثر.

إن هذا الارتقاء العلمي يبرهن على أن بيئة العلم في الإسلام شقت مجرى حضاريًا استثنائيًا أتاح للمستضعفين والموالي تصدر المشهد المعرفي والديني، وتتجلى هذه القاعدة الحاكمة في الحديث النبوي الشريف حين لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه نافعَ بن عبد الحارث الخزاعي وكان واليه على مكة بعُسْفان، فقال له عمر: من استخلفتَ على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال عمر: فاستخلفتَ عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله تعالى، عالم بالفروض، فقال عمر رضي الله عنه: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ».

كذلك تجسدت هذه الرفعة العلمية في موقف علي بن الحسين (زين العابدين) رحمه الله، وهو الشريف سبط رسول الله، حين كان يجلس في مجلس زيد بن أسلم (وهو مولى) ليتعلم منه، فلما لامه نافع بن جبير قائلاً: أتجالس هذا العبد؟ أجابه علي بن الحسين بميزان العلم الراسخ: «إنَّمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ إِلَى مَنْ يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ، وَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعِلْمِ أَنْ يُتَّبَعَ حَيْثُمَا كَانَ»، وهذا المعنى هو التطبيق الفعلي للوعد الإلهي في قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11)؛ إذ يغدو العلم أداة التمكين الحقيقية التي تكسر الأغلال الاجتماعية وتصنع القادة الحقيقيين.

حين يتحول تواضع المعلم إلى منهج للتلميذ

إن النظرة المتفحصة لسلوك الإمام مجاهد بن جبر تتكشف عن أثر بالغ الانعكاس لشيوخه من الصحابة؛ فقد طالع في سيرهم الانكفاف التام عن التمدح والهروب المتكرر من حب الظهور والاستعلاء، فنشأ تلميذًا متجردًا يأنف من التنويه بذاته أو الاستثمار في شهرته.

ويتضح هذا السمت المكتسب في الكلمة الشهيرة التي كان يرددها مجاهد: «لَا تُنَوِّهُوا بِي فِي الْخُلُقِ»، فلم يكن يرغب في أن تصبح شخصيته موضوعاً للثناء، بل كان يرى نفسه خادماً ينقل المعرفة بتجرد، وهذ الموقف التربوي مستمد من الهدي الذي زرعه الصحابة؛ ومن ذلك ما ثبت عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه حين خرج من بيته فتبعه أناس، فالتفت إليهم وقال: «ارْجِعُوا؛ فَإِنَّهَا ذِلَّةٌ لِلتَّابِعِ، وَفِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ»(9).

كذلك ظهر هذا التورع عن التزكية عند التابعي الجليل القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رحمه الله؛ إذ جاءه أعرابي يسأله: أنت أعلم أم سالم؟ فكره القاسم أن يزكي نفسه أو يكذب، فجعل يقول متواضعًا: «ذَاك مَنْزِلُ سَالِمٍ»، موجهاً السائل إلى غيره فراراً من الشهرة، إن هذه الرعاية الأخلاقية المتبادلة بين الشيوخ والتلاميذ هي التي أثمرت علماء يتنفسون الإخلاص، تجسيدًا لقوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: 83).

كيف نعيد بناء القيمة بعيدًا عن الاستعراض؟

تقدم تجربة مجاهد بن جبر مع عبدالله بن عمر درسًا حضاريًا بالغ الأهمية للواقع المعاصر؛ إذ تعاني المجتمعات الحديثة من طغيان الصورة والاستعراض الشكلي على حساب العمق والإنتاج الحقيقي، فكثيرًا ما يُقدم من يجيد التلميع الظاهري على حساب أصحاب الخبرة والرسوخ المعرفي.

غير أن النموذج الذي قدمه الصحابة والتابعون يرسخ مبدأ العناية بالجوهر وصناعة الإنسان الداخلي قبل الاشتغال بزخرفة الغلاف الخارجي، ويتجلى هذا المعنى في القدوة العملية لأكابر الأمة؛ فقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحمل الدقيق على ظهره بنفسه في سواد الليل لإطعام أطفال امرأة جياع، فلما أراد مولاه أسلم أن يحمل عنه قال عمر كلمته الخالدة: «أَأَنْتَ تَحْمِلُ عَنِّي وِزْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»(10).

كذلك ظهر هذا المعنى في البناء الميداني الذي شيده النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه؛ إذ كان يشاركهم بنفسه الشريفة في حفر الخندق ونقل التراب حتى اغبرّ بطنه، غارساً في نفوسهم أن القيمة تتشكل بالعمل الميداني والمشاركة الصادقة، لا بالشعارات الزائفة، فإن المؤسسات التربوية والتعليمية المعاصرة بحاجة ماسة إلى استعادة هذا الميزان؛ ليكون تقدير الإنسان مرتبطًا بعمقه الفكري وأثره الأخلاقي الملموس، لا بما يحيط به من بريق طارئ.

تكشف صحبة الإمام مجاهد بن جبر لعبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن تحول مفصلي في الموازين الأخلاقية والاجتماعية؛ حيث انقلبت المفاهيم الموروثة وانكسرت سطوة الجاه والنسب أمام شرف العلم وحقيقة التواضع، إن مشهد ابن الخليفة الراشد وهو يحمل الركاب لتلميذه المولى لم يكن خطوة عابرة في السفر، بل كان تأسيسًا لمنهج حضاري أخرج للأمة أئمة زاهدين في المظاهر، يهربون من التنويه الذاتي ويتعاملون مع المعرفة بوصفها تكليفًا وأمانة، وهكذا يظل مجاهد بن جبر شاهدًا خالدًا على أن الرفعة الحقيقية لا تُصنع بالثياب والمواكب، وإنما تنبع من عمق الإيمان ورسوخ القدم في فهم كتاب الله وخدمة أهله.

الهوامش
  • 1 مجاهد بن جبر المكي المخزومي مولاهم، ولد سنة 21هـ، وهو تابعي جليل وإمام المفسرين والمقرئين ومولى عبدالله بن عباس، اشتهر بالتفسير والتأويل والقراءات والحديث، حيث عرض القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات يوقفه عند كل آية، وسكن مكة المكرمة وتوفي بها وهو ساجد سنة 104هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 450).
  • 3 جامع الأحاديث (35/ 48/ 37820).
  • 4 صحيح البخاري (1/ 365/ 676).
  • 5 الاستيعاب في معرفة الأصحاب (6/ 328/ 2497)، وقال ابن عبدالبر: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (11/ 502، 503) من طريق الزبير به.
  • 6 صحيح البخاري (3/ 1371/ 3544).
  • 7 استجلاب ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول صلى الله عليه وسلم وذوي الشرف (2/ 573/ 307).
  • 8 سير أعلام النبلاء (4/ 450).
  • 9 المصنف، ابن أبي شيبة (5/ 302/ 26314).
  • 10 التذكرة الحمدونية (1/ 144).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة