أربعون عاماً في صناعة القائد المرابط
مالك بن عبدالله الخثعمي.. كيف يصنع الثبات قائداً مرابطاً؟
يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن الأمير أبي حكيم، مالك بن عبدالله
الخثعمي(1)، الفلسطيني، يقال: له صحبة، ولم يصح.
كان من أبطال
الإسلام، قاد جيوش الصوائف أربعين سنة، ولما توفي كُسر على قبره -فيما قيل- أربعون
لواء، وكان ذا حظ من صيام وقيام وجهاد(2).
يمثل هذا النص
المختصر من ترجمة مالك بن عبدالله الخثعمي صورة مركبة لقائد لم يُعرف فقط بكثرة
الوقائع العسكرية، بل بامتزاج ثلاثة عناصر نادرة في الشخصية الواحدة؛ طول الممارسة
القيادية، والانضباط الروحي، والقدرة على صناعة الأثر الممتد في نفوس الرجال، ومع
أن بعض تفاصيل ترجمته، كمسألة ثبوت الصحبة أو خبر كسر الألوية على قبره، تدخل في
دائرة الروايات التاريخية التي تحتاج إلى التعامل معها بوعي نقدي، فإن الصورة
العامة التي حفظتها كتب التراجم تكشف عن قائد ارتبط اسمه بثغور المسلمين وحملات
الصوائف زمناً طويلاً.
مالك السرايا وقيادة حملات الصوائف وحماية ثغور الإسلام
ارتبط اسم مالك
بن عبدالله الخثعمي بقيادة جيوش الصوائف، وهي الحملات العسكرية التي كانت تُرسل في
فصل الصيف نحو الثغور البيزنطية، ولم تكن هذه المهمة مجرد قيادة معركة عابرة، بل
كانت عملاً إستراتيجيًا يحتاج إلى صبر طويل، وخبرة بالجغرافيا، ومعرفة بقدرات
العدو، وقدرة على المحافظة على جاهزية الجيش في بيئة شديدة الصعوبة؛ امتداداً
لمرابطة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الثغور الشمالية في غزوة تبوك حرساً
وحماية لأرض المسلمين ومنعاً للروم من استغلال مواطن الضعف.
إن قول الذهبي: «قاد
جيوش الصوائف أربعين سنة» يرسم ملامح قائد لم يكن دوره مرتبطًا بلحظة تاريخية
واحدة، بل بمشروع مستمر من الرباط والحماية، فالثغور تحتاج إلى رجال يملكون نفسًا
طويلًا؛ لأن الدفاع عن الأمة لا يقوم فقط على الانتصارات الكبرى، بل على دوام
الاستعداد ومنع العدو من استغلال مواطن الضعف، ومن هنا يظهر معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 200).
فالمرابطة ليست
مجرد وجود مكاني، بل حالة من الصبر والثبات والالتزام بالغاية، وهو المعنى ذاته
الذي ذكّر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح عندما حُصر بالشام
ونال منه العدو، فكتب إليه: «أما بعد، فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة إلا جعل الله
بعدها فرجاً، وإنه لا يغلب عسر يسرين؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)»(3).
وفي واقع
المؤسسات اليوم، يظهر هذا المعنى في قيمة التخصص والاستمرار؛ فالمؤثر الحقيقي ليس
دائمًا من ينتقل بين المجالات، بل من يبني خبرة عميقة في مجال يحتاج إلى صبر
وتراكم.
عوامل استمرار القيادة العسكرية أربعة عقود متتالية
ليست القيادة
الطويلة مجرد بقاء في المنصب، بل اختبار متواصل للقدرة على التجدد والتكيف، فالقائد
الذي يستمر عقودًا في موقع حساس يواجه تغير الأجيال، واختلاف الظروف السياسية؛ كما
تجلى في سيرة عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي تولى إمرة الجيوش وحملات الفتح في
عهد أبي بكر، وعمر، ثم ولاية مصر، وظلت الثقة بكفاءته القيادية متراكمة ومستمرة
عبر تغيّر المراحل.
ويواجه كذلك
تبدل أساليب الحرب، وتنوع شخصيات الجنود؛ على غرار استمرار قيادة خالد بن الوليد
رضي الله عنه للمعارك وتنقله بين جبهات العراق والشام، وفتحه المدن موقعة تلو
الأخرى كـ«عين التمر» و«دمشق» و«اليرموك»، وقدرته المستمرة على إدارة الجيوش
والتكيف مع مختلف الميادين العسكرية.
ويشير استمرار
مالك في قيادة الصوائف خلال مراحل تاريخية مختلفة إلى قدرة على التعامل مع
المتغيرات دون أن يفقد الهدف الأساسي لمهمته، فلم يكن حضوره قائمًا على ارتباط
عابر بشخص أو ظرف، بل على كفاءة جعلته عنصرًا ثابتًا في منظومة الدفاع عن الثغور.
وهنا تظهر قاعدة
قيادية مهمة؛ أن الثقة لا تُبنى بكثرة الادعاء، بل بتراكم الإنجاز، كتراكم الخبرة
والاستمرار القيادي لدى أم عمارة الأنصارية(4) التي شهدت بيعة العقبة،
ودافعت عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم «أُحد»، ولم تتوقف ممارستها، بل استمرت
عبر الزمان حتى باشرت القتال في حرب الردة يوم «اليمامة»، فالمؤسسات تحتاج إلى
أشخاص يصبح وجودهم مصدر استقرار؛ لأنهم يجمعون بين المعرفة والخبرة والقدرة على
تحمل المسؤولية.
التوازن بين العبادة والسلطة في شخصية القائد مالك السرايا
من أكثر ما يلفت
في النص قول الذهبي: «وكان ذا حظ من صيام وقيام وجهاد»، فهذه العبارة لا تعرض
جانبًا تعبديًا منفصلًا عن القيادة، بل تكشف عن البناء الداخلي لشخصية تجمع بين
القوة والانضباط.
فالقائد العسكري
الذي يملك السلطة على الرجال ويخوض ميادين الصراع يحتاج إلى رقابة داخلية تحميه من
الغرور والقسوة، ولهذا كان ارتباط العبادة بالقيادة في سير كثير من أعلام الأمة
وسيلة لصيانة النفس قبل إدارة الآخرين؛ تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي
كان القائد الأعلى للجيش والمشرف على الميدان، ومع ذلك قضى ليلة معركة «بدر»
العظمى في العريش قائماً يناجي ربه ويبكي تضرعاً.
وقد أثمر هذا
الهدي النبوي جيلاً وازن بين صرامة القتال والانضباط الروحي، حتى وُصفت جيوش
الفتوحات الإسلامية في مرابطتهم وميادينهم بأنهم: «رهبان بالليل فرسان بالنهار»).
وهذا التوازن
يقدّم معنى مهمًا في التربية المعاصرة؛ فالقوة المهنية أو الإدارية إذا انفصلت عن
تهذيب النفس قد تتحول إلى استعلاء، أما إذا اقترنت بالمراقبة والتواضع أصبحت وسيلة
للإصلاح والبناء.
دلالة كسر الألوية في الذاكرة العسكرية الإسلامية
ورد في ترجمة
مالك أنه لما توفي كُسر على قبره أربعون لواء، وهذه الرواية وإن كانت تحتاج إلى
التعامل معها باعتبارها خبرًا تاريخيًا منقولًا، فإن رمزيتها تكشف عن مكانته في
وجدان من عاش معه.
فاللواء في
الثقافة العسكرية القديمة لم يكن مجرد قطعة قماش، وإنما رمز للجماعة والوحدة
والثبات، وكسره عند الوفاة يحمل معنى إعلان انتهاء مرحلة قيادية عظيمة، والتعبير
عن فقد قائد ارتبط به الرجال سنوات طويلة؛ وهي الرمزية العميقة ذاتها التي تجلت
يوم مؤتة، حين نعى النبي صلى الله عليه وسلم قادته الثلاثة؛ زيد بن حارثة، وجعفر
بن أبي طالب، وعبدالله بن رواحة(5) وعيناه تذرفان، جاعلاً من انتقال الراية
وسقوطها تعبيراً عن حجم الفقد ومكانة هؤلاء القادة في الوجدان العسكري الإسلامي.
وقد يكون الرقم
أربعون موافقًا لعدد سنوات قيادته، وقد يحمل دلالة التكثير في الرواية العربية،
لكن المعنى الأهم هو أن وفاته لم تُصوّر كرحيل شخص عادي، بل كرحيل مرحلة كاملة.
وهذا يقود إلى
معنى تربوي عميق؛ أن القائد الحقيقي لا يترك بعده منصبًا فقط، بل يترك ثقافة
وسلوكًا وذكريات تجعل أثره حاضرًا بعد غيابه، تماماً كما فعل أمين الأمة وقائد
أجناد الشام أبو عبيدة بن الجراح؛ الذي لم يبحث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند
وفاته عن مجرد بديل يسد منصبه، بل بكاه وتمنى «لو أن هذه الدار مملوءة رجالاً مثل
أبي عبيدة بن الجراح»(6)، إدراكاً منه لعظم الفراغ الذي يتركه رحيل
القادة العظام.
مالك السرايا واجتماع الكفاءة والمعنى في صناعة الرموز التاريخية
لم تبقَ شخصية
مالك بن عبدالله الخثعمي بسبب عدد المعارك فقط، فالتاريخ لا يحفظ كل من حمل
السلاح، وإنما يحفظ من جمع بين الكفاءة والمعنى.
لقد اجتمع في
سيرته ثلاث دوائر متكاملة؛ حماية الثغور، والانضباط الشخصي، والتأثير في الرجال، وهذه
العناصر هي التي تصنع القادة الذين يتحولون من أفراد في التاريخ إلى رموز في
الذاكرة، تاركين أثراً يمتد في الأجيال؛ كما تجلى في سيرة معاذ بن جبل رضي الله
عنه الذي جمع بين الفقه والجهاد وإمرة أجناد الشام، فلما حضرته الوفاة بكى عليه
الرجال مستحضرين علمه وورعه، فبقي خُلُقه حاضراً في وجدانهم.
وتتشابه هذه
الصورة المكتملة مع نماذج من السلف الذين جمعوا بين العبادة والعمل والجهاد، كأبي
أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي ارتبط اسمه بالغزو والرباط، ولم يكتفِ بسبقه
التاريخي واستضافته للنبي صلى الله عليه وسلم، بل ظل يغزو مجاهداً في سبيل الله
حتى توفي مرابطاً تحت أسوار القسطنطينية في سن متقدمة، فبقي اسمه رمزاً للقدوة
المستمرة.
وكذلك حال كثير
من علماء الأمة الذين لم يروا العبادة انفصالًا عن مسؤولية الإصلاح في الأرض،
مقتفين أثر نماذج فذة كعلي بن الحسين (زين العابدين)؛ الذي جمع بين الكفاءة
العلمية، والخشوع التعبدي، والإصلاح الاجتماعي الخفي، فكان يحمل جرب الدقيق على
ظهره ليلاً لفقراء المدينة، ليظل أثره الإيماني والاجتماعي خالداً لا يُنسى.
تطبيقات مفهوم الرباط والثبات في الواقع المعاصر
لا يعني استحضار
شخصية مالك السرايا أن تُنقل ظروف عصره إلى عصرنا كما هي، فلكل زمن سياقه وأدواته،
وإنما المقصود استخراج القيم الكبرى التي تحملها سيرته.
ففي الأسرة،
يظهر معنى الثبات في تحمل المسؤولية؛ كما تجسد في رباط أم سليم الأنصارية رضي الله
عنها حين مات ابنها وزوجها غائب، فصبرت واحتسبت وعالجت الموقف بحكمة وصبر، فبارك
الله أثرها التربوي حتى كان من نسلها سبعة يقرؤون القرآن.
وفي التعليم،
يظهر أثر المعلم الذي يلازم بناء طلابه سنوات طويلة؛ على خطى عبدالله بن مسعود رضي
الله عنه حين أرسله عمر بن الخطاب إلى الكوفة، فلازم ثغرها التعليمي والتربوي
سنوات يبني الرجال ويعلمهم القرآن والأحكام بكفاءة وأمانة.
وفي العمل، تظهر
قيمة الخبير الذي لا يطلب الظهور بقدر ما يطلب الإتقان؛ مقتدياً بسلمان الفارسي
رضي الله عنه، الذي تولى إمارة المدائن فحرص على لزوم ثغره متواضعاً(7)،
يربط بين نفع الناس وإصلاح العمل اليومي.
وفي الدعوة،
يظهر أثر القدوة التي تسبق الكلمات.
إن أعظم ما
تقدمه سيرة مالك ليس مجرد قصة قائد عسكري، بل نموذج لإنسان عرف مهمته، وأخلص لها،
وربط القوة بالأمانة، والعمل بالتزكية.
تخليد أثر القائد المرابط بين الكفاءة والأمانة
تبقى شخصية مالك
بن عبدالله الخثعمي مثالًا حيّاً على القائد الذي جمع بين صرامة الميدان ورقة
العبادة، وبين مسؤولية حماية الثغور ومحاسبة النفس، وقد حفظت كتب التراجم صورته
بوصفه أحد رجال الصوائف الذين طال مقامهم في خدمة الثغور، حتى أصبح اسمه مرتبطًا
بالثبات والاستمرار.
ولم يكن رحيله
حدثاً عادياً، بل خلّد التاريخ له أعظم قصيدة رثاء عسكرية لم تُكتب بالحبر، بل
كُتبت بانكسار الألوية؛ حين كُسر على قبره أربعون لواءً تعبيراً عن لوعة الفقد،
وكأن لسان حال جنوده ينشد فيه:
كَذا فَليَجِلَّ
الخَطبُ وَليَفدَحِ الأَمرُ ... فَلَيسَ لِعَينٍ لَم يَفِض ماؤُها عُذرُ
فَتىً ماتَ
بَينَ الضَربِ وَالطَعنِ ميتَةً ... تَقومُ مَقامَ النَصرِ إِذ فاتَهُ النَصرُ
وَما ماتَ حَتّى
ماتَ مَضرِبُ سَيفِهِ ... مِنَ الضَربِ وَاِعتَلَّت عَلَيهِ القَنا السُمرُ
عَلَيكَ سَلامُ
اللَهِ وَقفا فَإِنَّني ... رَأَيتُ الكَريمَ الحُرَّ لَيسَ لَهُ عُمرُ
ومهما اختلفت درجة القطع في بعض الأخبار الواردة عنه، فإن المعنى العام الذي تقدمه سيرته واضح: الأمم لا تُبنى إلا برجالٍ يجمعون بين الكفاءة والأمانة، وبين القوة والانضباط، وبين العمل الظاهر والإصلاح الباطن.، رجالٌ قد تُكسر ألوية قيادتهم بوفاتهم، لكن راية أثرهم تظل خفاقة في وجدان الأجيال.
الهوامش
- 1 مالك بن عبدالله الخثعمي: شامي، تابعي، ثقة، كَانَ أميراً على الجيوش فِي خلافة مُعَاوِيَة، وقبل ذَلِكَ، روى عَنْهُ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد، وعبدالله بْن سُلَيْمَان الْبَصْرِيّ، قال الْقَاسِم بْن مُحَمَّد: كَانَ مَالِك بْن عبدالله الخثعميّ رجلاً صالحاً، قال علي بن أَبِي جميلة: مَا يضرب الناقوس قط بليل -وكانوا يضربونه نصف الليل- إلا ومالك بْن عبدالله الخثعمي قد جمع عَلَيْهِ ثيابه فِي مسجد بيته يصلي، ولمالك بْن عبدالله الخثعمي فضائل جمة عِنْدَ أهل الشام يروونها يطول ذكرها، يعد فِي البصريين، ومنهم من يجعل حديثه مرسلاً، ويجعله من التابعين.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 110).
- 3 تفسير الطبري (8393).
- 4 سير أعلام النبلاء (2/ 278).
- 5 من أفراد البخاري على مسلم رقم: 4261
- 6 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 102).
- 7 سير أعلام النبلاء (1/ 546).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً