مقتل عبيد الله بن زياد في الخازر.. العدل بلا تشفٍّ
روى الإمام الذهبي في ترجمة عبيد الله بن زياد(1): قال يزيد بن أبي زياد: عن أبي الطفيل قال: عزلنا سبعة أرؤس، وغطينا منها رأس حصين بن نمير، وعبيد الله بن زياد، فجئت،
فكشفتها فإذا حية في رأس عبيد الله تأكل.
وصح من حديث
عمارة بن عمير، قال: جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، فأتيناهم وهم يقولون: قد
جاءت قد جاءت، فإذا حية تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخر عبيد الله، فمكثت هنية، ثم
خرجت، وغابت، ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً.
قلت: الشيعي لا
يطيب عيشه حتى يلعن هذا ودونه، ونحن نبغضهم في الله، ونبرأ منهم ولا نلعنهم، وأمرهم
إلى الله.
تأتي قصة نهاية
عبيد الله بن زياد في سياق شديد الحساسية من تاريخ الدولة الأموية، حيث تداخلت
آثار الصراعات السياسية الكبرى مع الجراح الاجتماعية التي خلفتها أحداث الفتنة،
وعلى رأسها مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، وقد نقلت كتب التاريخ والتراجم
أخبارًا متعددة عن مقتل ابن زياد بعد معركة «الخازر» سنة 67هـ، وما جرى لرأسه بعد
ذلك، كما نقل الإمام الذهبي تعليقًا منهجيًا يوضح كيفية التعامل مع الشخصيات التي
ارتبطت بأحداث عظيمة مؤلمة.
وتبرز أهمية هذا
الموقف في اجتماع صورتين متقابلتين؛ صورة رجل استخدم القوة السياسية في زمن
الاضطراب، ثم انتهى إلى نهاية مأساوية، وصورة عالم تاريخي ينظر إلى الحدث بعين
الشرع والعلم، فلا ينكر فداحة الظلم، ولا يسمح في الوقت نفسه بأن يتحول الألم
التاريخي إلى انفلات في اللسان أو استسلام لمنطق التشفي.
مفارقة الكوفة.. رأس الحسين ونهاية عبيد الله بن زياد
كان عبيد الله
بن زياد أحد أبرز رجال الدولة الأموية في العراق، وقد ارتبط اسمه بأحداث سياسية
وعسكرية شديدة التأثير في التاريخ الإسلامي، وبعد مقتله في معركة «الخازر»، جيء
برأسه إلى الكوفة، وهو المكان نفسه الذي ارتبط قبل سنوات بمشهد رأس الحسين بن علي
رضي الله عنهما.
تكشف هذه
المفارقة التاريخية عن حقيقة ثابتة في مسيرة الأمم؛ أن القوة البشرية مهما بلغت لا
تمنح صاحبها حصانة من تقلبات الأيام، فالذي يظن أن المنصب يحميه من الحساب ينسى أن
التاريخ لا يحفظ للناس مناصبهم فقط، بل يحفظ آثار أعمالهم أيضًا.
ومن أبلغ
الشواهد على ذلك إخبارُ النبي صلى الله عليه وسلم بمصارع الطغاة قبل المعركة؛ إذ
أشار صلى الله عليه وسلم بيده إلى الأرض قبل معركة «بدر»، محددًا مواضع مصرع قادة
قريش واحدًا بعد آخر، وقال: «هذا مصرع فلان غدًا، وهذا مصرع فلان غدًا»(2)،
فما تجاوز أحدٌ منهم الموضع الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، لتسقط هيبة
القوة البشرية أمام سلطان الله، ويتبين أن النفوذ والجاه لا يستطيعان أن يدفعا
قضاءه وقدره.
وقد قرر القرآن
هذا المعنى في قوله تعالى: (وَلَا
يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (المائدة: 8)، فالإنسان
قد ينجح فترة في بناء نفوذ قائم على البطش، لكن السنن الإلهية والاجتماعية تجعل
الظلم يحمل في داخله أسباب انهياره.
وفي واقع
المؤسسات اليوم، يظهر هذا المعنى في كل بيئة تُبنى على التخويف وإسكات الأصوات؛ إذ
قد تبدو قوية من الخارج، لكنها تفقد أهم عناصر الاستمرار؛ الثقة والقبول.
كيف يفرق العلم بين البغض ولغة اللعن؟
في لحظات الألم
الجماعي، يميل الناس إلى التعبير عن غضبهم بأشد العبارات، وقد تتحول المأساة إلى
وقود لاستمرار الخصومة، وهنا تظهر قيمة تعليق الإمام الذهبي؛ إذ لم يكن موقفه
دفاعًا عن الظلم، وإنما كان ضبطًا لطريقة التعامل مع الظالمين.
فالمنهج العلمي
لا يقوم على إنكار الجرائم أو تزيين أخطاء الرجال، كما لا يقوم على جعل الغضب
معيارًا وحيدًا للحكم، بل يفرق بين بغض الفعل المحرم، والحكم على الإنسان في إطار
القواعد الشرعية.
ومن هنا جاء
معنى قوله المنسوب في هذا السياق: «نحن نبغضهم في الله، ولا نلعنهم، وأمرهم إلى
الله»، فهو يقرر موقفين متلازمين؛ رفض الظلم، وحفظ اللسان من تجاوز حدود الشرع.
ويبرز هذا
المعنى جليًا في منهج محمد بن علي الباقر في ضبط اللسان ورفض لغة السب والشتم؛ حيث
كان يقول: «سلاح اللئام قبيح الكلام»، ولما بلغه أن قوماً بالعراق يتخذون السب
والنيابة مذهباً وينالون من أبي بكر، وعمر، رضي الله عنهما، أعلن برادته الحازمة
من هذا المسلك قائلاً لجابر الجعفي: «يا جابر، أبلغهم أني إلى الله عز وجل منهم
بريء، والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله عز وجل بدمائهم، لا نالتني
شفاعة محمد إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما»(3).
وهذا ينسجم مع
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا
البذيء»(4).
بين نقل الرواية التاريخية وحدود التفسير الغيبي
ورد في بعض
الأخبار أن حية دخلت في أنف رأس عبيد الله بن زياد، وتكرر ذلك أمام الناس، ومثل
هذه الأخبار تُذكر في كتب التاريخ والوعظ باعتبارها من المشاهد العجيبة المرتبطة
بنهاية بعض الشخصيات.
وحين يظن
الإنسان أن جرأته على الحق سترفع مكانته، تأتي آيات الله لتعلن أن العاقبة بيده
سبحانه، ومن ذلك لفظُ الأرض لجسد الرجل الذي ارتد وافترى على النبي صلى الله عليه
وسلم؛ حيث ورد أن رجلاً نصرانياً أسلم وقرأ «البقرة» و«آل عمران»، وكان يكتب للنبي
صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد وقال: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله
فدفنوه، فأصبحت الأرض وقد لفظته، فحفروا له وأعمقوا فأصبحت الأرض قد لفظته(5)،
فكانت تلك الآية الخارقة تذكيراً للإنسان بأن مظاهر العظمة والافتراء لا تمنع
الهوان عند الموت.
لكن المنهج
العلمي يقتضي التفريق بين نقل الخبر والجزم بتفسيره الغيبي؛ فالعبرة الكبرى لا
تحتاج إلى بناء كامل على تفاصيل خارقة، لأن نهاية الإنسان بذاتها تحمل من الدروس
ما يكفي.
ومع ذلك، فقد
استوقف هذا المشهد المؤرخين لما يحمله من رمزية قوية في الوجدان العام؛ فالأنف في
التعبير العربي مرتبط بالكبر والأنفة، فجاءت صورة النهاية كأنها تذكر الإنسان بأن
مظاهر العظمة الدنيوية لا تمنع عنه الضعف والفناء؛ قال تعالى: (كُلُّ
مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ {26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ
وَالْإِكْرَامِ)
(الرحمن).
لماذا اعتزل سعد بن أبي وقاص صراع الملك؟
ليست مهمة
العالم أن يكرر مشاعر الناس، بل أن يهذبها ويوجهها، وفي أوقات الصراع التاريخي،
تكون مسؤولية العلماء مضاعفة؛ لأن الكلمة قد تزيد الانقسام، وقد تبني وعيًا أكثر
اتزانًا.
وقد مارس الذهبي
هنا نوعًا من القيادة الفكرية؛ فهو لم يساوِ بين الظالم والمظلوم، ولم يطلب من
الناس نسيان الجرائم، لكنه رفض أن تصبح الشتيمة منهجًا دائمًا في التعامل مع
التاريخ.
وتبرز هذه
الحكمة بأوضح صورها في موقف سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عند اشتعال الفتنة؛ إذ
آثر السلامة على الانجراف وراء الصراعات، مسترشدًا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم،
ففي أوقات الفتنة الكبرى، جاءه ابنه عامر وهو في إبله يرعاها، فقال له: أنزلت في
إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره وقال: اسكت، فإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي»(6)،
موجهاً إلى عدم الانقياد لغضب الجماهير والصراعات السياسية(7).
وهذا مبدأ
يحتاجه المجتمع المعاصر بشدة، خصوصًا في عصر الإعلام السريع؛ إذ قد تتحول القضايا
العامة إلى موجات من الغضب الجماعي، ويصبح السب والشتم بديلًا عن الفهم والتحليل.
والقائد الواعي
لا يسأل فقط: ماذا نقول؟ بل يسأل أيضًا: ما أثر ما نقوله على النفوس والمجتمعات؟
كيف تعامل النبي مع أذى أهل الطائف؟
من الأخطاء
الشائعة الخلط بين الموقف الأخلاقي من الظلم، واستنزاف النفس في خطاب الكراهية، فالمؤمن
مأمور بالعدل حتى مع من يخالفه، قال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا
تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8).
ولم يكن رد
الإساءة بالإساءة منهج النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان يرجو هداية خصومه حتى في
أشد لحظات العداء، ويتجلى ذلك في موقفه من ثقيف؛ فلما حاصر النبي صلى الله عليه
وسلم حصن الطائف، واشتد إيذاء ثقيف ورميهم بالنبل على المسلمين، قال بعض أصحابه:
يا رسول الله، أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم فلم ينشغل باللعن والسخط بل
امتنع ودعا بالهداية قائلاً: «اللهم اهدِ ثقيفاً وأتِ بهم»(8).
فالبراءة من
الظلم تعني رفضه وعدم الرضا به، أما تحويل الحياة كلها إلى استحضار للعداوات
القديمة فقد يستهلك طاقة الأمة بعيدًا عن البناء.
ومن هنا تظهر
الحكمة في منهج الذهبي؛ موقف واضح من الخطأ، مع ضبط للسان، وتسليم الحكم النهائي
إلى الله سبحانه.
رسالة عمر بن عبدالعزيز في فلسفة الحكم
تُظهر قصة عبيدالله بن زياد أن التاريخ ليس مجرد سجل للعقوبات والنهايات، بل مدرسة لفهم قوانين
النفس والمجتمع.
فالطغيان يبدأ
غالبًا بإحساس الإنسان بأنه فوق النقد، ثم يتحول إلى احتقار للآخرين، ثم إلى بناء
نظام قائم على الخوف، لكن الخوف لا يصنع استقرارًا دائمًا، لأن المجتمعات قد تصمت
أمام القوة، لكنها لا تمنحها بالضرورة قبولًا حقيقيًا.
ويبرز هذا
المعنى في وصايا الخلفاء الراشدين ومن سار على نهجهم، ومن ذلك ما كتبه عمر بن عبدالعزيز
إلى أحد عماله، مذكرًا إياه بأن رسالة الحكم أمانة قبل أن تكون سلطة، فقال: إن
الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً، موضحاً أن السلطة التي تفقد الرحمة
وتحتكم إلى التخويف وإرهاق الرعية تفقد أهم عناصر استمرارها وتؤول إلى الزوال(9).
وفي الأسرة،
والعمل، والتعليم، والسياسة، تتكرر القاعدة نفسها؛ أن السلطة التي تفقد الرحمة
تتحول إلى عبء، والقيادة التي لا تسمع النصيحة تقترب من العزلة.
تكشف نهاية عبيد
الله بن زياد عن وجهين متلازمين من دروس التاريخ؛ وجه يتعلق بمصير القوة حين تنفصل
عن العدل، ووجه يتعلق بمسؤولية الأمة في التعامل مع ماضيها.
فكما أن الظلم
لا يدوم، فإن الغضب غير المنضبط لا يبني عدلًا، وبين هذين الطرفين يأتي منهج
العلماء؛ رفض الباطل دون ظلم، وبغض الجريمة دون تجاوز، وقراءة التاريخ بعين
الاعتبار لا بعين الانتقام.
ويبقى أعظم ما يعلّمه هذا المشهد أن الإنسان لا يُقاس بما جمعه من سلطان، بل بما تركه من أثر، وأن أعظم قوة ليست قوة اليد، وإنما قوة الحق حين يحمله أصحاب البصيرة.
الهوامش
- 1 أمير العراق أبو حفص، ولي البصرة سنة 55هـ وله 22 سنة، وولي خراسان، فكان أول عربي قطع جيحون، وافتتح بيكند، وغيرها، وكان جميل الصورة، قبيح السريرة، وقيل: كانت أمه مرجانة من بنات ملوك الفرس، سير أعلام النبلاء، ج3 ص545.
- 2 البداية والنهاية، ج 4، ص 97، ج5، ص 72.
- 3 صفة الصفوة، ج 2، ص 109 – 110.
- 4 رواه الترمذي، وصححه بعض أهل العلم.
- 5 البداية والنهاية، ج 8، ص 88-89.
- 6 رواه مسلم.
- 7 سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 118-119.
- 8 رواه الترمذي.
- 9 سير أعلام النبلاء، ج 5، ص 147.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً