العلم في مواجهة الفتنة
وهب بن منبه.. كيف يحمي العالم مجتمعه من الغلو والتكفير؟
يسوق الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن وهب بن منبه(1)؛ حيث قال عَلِيُّ
بْنُ الْمَدِينِيِّ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ
قَيْسٍ، قَالَ: كَانَ لِي صَدِيقٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو شِمْرٍ ذُو خَوْلَانَ، فَخَرَجْتُ
مِنْ صَنْعَاءَ أُرِيدَ قَرْيَتَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهَا وَجَدْتُ كِتَابًا
مَخْتُومًا إِلَى أَبِي شِمْرٍ، فَجِئْتُهُ فَوَجَدْتُهُ مَهْمُومًا حَزِينًا، فَسَأَلَتُهُ
عَنْ ذَلِكَ.
فَقَالَ: قَدِمَ
رَسُولٌ مِنْ صَنْعَاءَ، فَذَكَرَ أَنَّ أَصْدِقَاءً لِي كَتَبُوا لِي كِتَابًا
فَضَيَّعَهُ الرَّسُولُ، قُلْتُ: فَهَذَا الْكِتَابُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ؛
فَفَضَّهُ فَقَرَأَهُ، فَقُلْتُ: أَقْرِئْنِيهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحْدِثُ
سِنُّكَ، قُلْتُ: فَمَا فِيهِ؟ قَالَ: ضَرْبُ الرِّقَابِ، قُلْتُ: لَعَلَّهُ
كَتَبَهُ إِلَيْكَ نَاسٌ حَرُورِيَّةٌ فِي زَكَاةِ مَالِكَ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ
تَعْرِفُهُمْ؟ قُلْتُ: إِنِّي وَأَصْحَابًا لِي نُجَالِسُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، فَيَقُولُ
لَنَا: احْذَرُوا أَيُّهَا الْأَحْدَاثُ الْأَغْمَارُ هَؤُلَاءِ الْحَرُورَاءَ لَا
يُدْخِلُونَكُمْ فِي رَأْيِهِمُ الْمُخَالِفِ؛ فَإِنَّهُمْ عُرَّةٌ لِهَذِهِ
الْأُمَّةِ.
فَدَفَعَ
إِلَيَّ الْكِتَابَ فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنَّا
نَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ، وَنُوصِيكَ بِتَقْوَاهُ؛ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ رُشْدٌ
وَهُدًى، وَإِنَّ دِينَ اللَّهِ طَاعَةُ اللَّهِ وَمُخَالَفَةُ مَنْ خَالَفَ
سُنَّةَ نَبِيِّهِ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابُنَا، فَانْظُرْ أَنْ تُؤَدِّيَ -إِنْ
شَاءَ اللَّهُ- مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ حَقِّهِ، تَسْتَحِقُّ
بِذَلِكَ وِلَايَةَ اللَّهِ، وَوِلَايَةَ أَوْلِيَائِهِ وَالسَّلَامُ.
قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي
أَنْهَاكَ عَنْهُمْ، قَالَ: فَكَيْفَ أَتْبَعُ قَوْلَكَ وَأَتْرُكُ قَوْلَ مَنْ
هُوَ أَقْدَمُ مِنْكَ؟ قُلْتُ: فَتُحِبُّ أَنْ أُدْخِلَكَ عَلَى وَهْبٍ حَتَّى
تَسْمَعَ قَوْلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَنَزَلْنَا إِلَى صَنْعَاءَ، فَأَدْخَلْتُهُ
عَلَى وَهْبٍ وَمَسْعُودُ بْنُ عَوْفٍ وَالٍ عَلَى الْيَمَنِ مِنْ قِبَلِ عُرْوَةَ
بْنِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدْنَا عِنْدَ وَهْبٍ نَفَرًا، فَقَالَ لِي بَعْضُ النَّفَرِ:
مَنْ هَذَا الشَّيْخُ؟ قُلْتُ: لَهُ حَاجَةٌ، فَقَامَ الْقَوْمُ، فَقَالَ وَهْبٌ: مَا
حَاجَتُكَ يَا ذَا خَوْلَانَ؟ فَهَرَجَ وَجَبُنَ.
فَقَالَ لِي
وَهْبٌ: عَبِّرْ عَنْهُ، قُلْتُ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاحِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ
حَرُورَاءَ فَقَالُوا لَهُ: زَكَاتُكَ الَّتِي تُؤَدِّيهَا إِلَى الْأُمَرَاءِ لَا
تُجْزِئُ عَنْكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَضَعُونَهَا فِي مَوَاضِعِهَا فَأَدِّهَا
إِلَيْنَا، وَرَأَيْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ كَلَامَكَ أَشْفَى لَهُ
مِنْ كَلَامِي.
فَقَالَ: يَا
ذَا خَوْلَانَ، أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْكِبَرِ حَرُورِيًّا تَشْهَدُ
عَلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ بِالضَّلَالَةِ؟ فَمَاذَا أَنْتَ قَائِلٌ لِلَّهِ
غَدًا حِينَ يَقِفُكَ اللَّهُ؟ وَمَنْ شَهِدْتَ عَلَيْهِ، فَاللَّهُ يَشْهَدُ لَهُ
بِالْإِيمَانِ، وَأَنْتَ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ لَهُ
بِالْهُدَى، وَأَنْتَ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالضَّلَالَةِ، فَأَيْنَ تَقَعُ إِذَا
خَالَفَ رَأْيُكَ أَمْرَ اللَّهِ، وَشَهَادَتُكَ شَهَادَةَ اللَّهِ؟ أَخْبَرَنِي
يَا ذَا خَوْلَانَ، مَاذَا يَقُولُونَ لَكَ؟ فَتَكَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ
لَوَهْبٍ: إِنَّهُمْ يَأْمُرُونَنِي أَنْ لَا أَتَصَدَّقَ إِلَّا عَلَى مَنْ يَرَى
رَأْيَهُمْ وَلَا أَسْتَغْفِرَ إِلَّا لَهُ، فَقَالَ: صَدَقْتَ، هَذِهِ
مِحْنَتُهُمُ الْكَاذِبَةُ.
فَأَمَّا
قَوْلُهُمْ فِي الصَّدَقَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ذَكَرَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ
دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا»، أَفَإِنْسَانٌ مِمَّنْ يَعْبُدُ
اللَّهَ يُوَحِّدُهُ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُطْعِمَهُ
مِنْ جُوعٍ، أَوْ هِرَّةٌ؟! وَاللَّهُ يَقُولُ: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ
مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الإنسان: 8).
وَأَمَّا
قَوْلُهُمْ: لَا يُسْتَغْفَرُ إِلَّا لِمَنْ يَرَى رَأْيَهُمْ، أَهَمُّ خَيْرٌ
أَمِ الْمَلَائِكَةُ، وَاللَّهُ يَقُولُ: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
فَوَاللَّهِ مَا فَعَلَتِ الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ حَتَّى أُمِرُوا بِهِ: لَا
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ وَجَاءَ مُيَسَّرًا: وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا.
يَا ذَا
خَوْلَانَ، إِنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ صَدْرَ الْإِسْلَامِ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتِ
الْخَوَارِجُ جَمَاعَةً قَطُّ إِلَّا فَرَّقَهَا اللَّهُ عَلَى شَرِّ حَالَاتِهِمْ،
وَمَا أَظْهَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَوْلَهُ إِلَّا ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ، وَلَوْ
مَكَّنَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ رَأْيِهِمْ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَقُطِعَتِ
السُّبُلُ وَالْحَجُّ، وَلِعَادُ أَمْرُ الْإِسْلَامِ جَاهِلِيَّةً، وَإِذًا
لَقَامَ جَمَاعَةٌ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ الْخِلَافَةَ، مَعَ
كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، يُقَاتِلُ بَعْضُهُمْ
بَعْضًا وَيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْكُفْرِ، حَتَّى يُصْبِحَ
الْمُؤْمِنُ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ وَدِينِهِ وَدَمِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، لَا
يَدْرِي مَعَ مَنْ يَكُونُ، قَالَ تَعَالَى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ
بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ(2).
كيف يحمي العلم المجتمع من الغلو والتكفير؟
لم يكن موقف
التابعي وهب بن منبه من أبي شمر الخولاني مجرد درس نظري في مناقشة الخلاف العقدي،
بل كان تدخلاً حاسماً لحماية رجل صالح من الانجراف وراء دعوة جعلت الانتماء إليها
معياراً للإيمان واستحقاق الإحسان.
وتكشف الرواية
التاريخية المسندة كيف يمكن للعالم المتبصر أن يؤدي دوراً يتجاوز بيان الأحكام
المجردة إلى تثبيت الناس، وتصحيح تصوراتهم، وحماية نسيجهم الاجتماعي من أخطار
الانقسام والتشرذم الفكري.
وتبرز أهمية
الواقعة في أنها ترينا الأثر الوقائي للعلم قبل وقوع الفتنة؛ فقد حذر وهب الشباب
مبكراً، ليستطيع داود بن قيس استخدام هذا العلم النافع عندما واجه صديقه أبا شمر
في قريته.
حكمة التابعين حين يغدو العلم أمانة ومسؤولية
ليست هذه المحاورة
البليغة المروية عن وهب بن منبه مجرد مواجهة كلامية طارئة مع أصحاب الفكر المتشدد،
وإنما تكشف عند تأمل أبعادها عن منهج تربوي حاسم في حماية العقول وتأمين المجتمعات،
يبدأ هذا المنهج بالتعليم الوقائي للشباب قبل نزول الشبهات، ويمر بالاستيعاب الهادئ
للمترددين وتفكيك مقولات الغلو بالنصوص المحكمة، وينتهي بإقامة توازن دقيق بين حفظ
أصول الشريعة وصيانة دماء المسلمين ووحدتهم.
وفي هذا الموقف
التاريخي الخالد يبرز سؤال تربوي يتجاوز حوادث الماضي ليخاطب الواقع المعاصر: كيف
يستطيع العالم والمربي أن يحمي الفرد والمجتمع من الشعارات البراقة التي تستغل
غيرة الناس الدينية لتفتح أبواب الفتنة والتمزيق؟
وهب بن منبه ومدرسة الحكمة اليمانية
ينتمي وهب بن
منبه الصنعاني إلى طبقة كبار التابعين، وقد عاش في أرض اليمن في القرن الأول
الهجري وأوائل القرن الثاني، وعُرف بسعة اطلاعه، وغزارة مواعظه، وقضائه بالعدل
والرفق.
وقد أفرد له
الإمام الذهبي ترجمة حافلة في سير أعلام النبلاء، كما أورد الحافظ ابن عساكر هذه
المناصحة الشهيرة في تاريخ دمشق، لتكون مسنداً تاريخياً يوضح طريقة العلماء في
التعامل مع النوازل.
ولا يصح النظر
إلى هذه المرويات على أنها نصوص معصومة، بل هي آثار يستأنس بمعانيها في التربية،
ويدرس أسلوبها في المناصحة على ضوء القواعد الكلية المشهورة في الكتاب والسنة
النبوية الشريفة.
ومع هذا التحديد
العلمي، فإن اجتماع هذه الحوارات يرسم أمامنا نموذجاً وظيفياً للعالم الذي يمزج
بين العلم الشرعي الأصيل، والبصيرة بطبائع النفوس، والفهم العميق لمآلات الأفكار
والأفعال في واقع الناس.
خطورة استغلال الشعارات الدينية في التضليل الفكري
بدأت القصة
برسالة تحمل ألفاظاً شريفة في الخطاب الديني؛ التقوى، والهدى، وطاعة الله، واتباع
السنة؛ إذ لم تكن المشكلة في هذه المعاني الشريفة، وإنما فيما ارتبط بها من دعوة
إلى القطيعة.
وكان أبو شمر
الخولاني موصوفاً بأنه من أهل القرآن والصلاح، وهو ما يوضح أن مجرد العاطفة
الدينية لا تعصم المرء من الوقوع في التأويل الخاطئ إذا غاب التثبت وفهم مقاصد
الشرع.
فقد حاول أصحاب
الحرورية إقناعه بأن زكاته التي يؤديها للولاة غير مجزئة، وطلبوا تحويلها إليهم،
مع نهيه عن الصدقة والاستغفار لمن لا يوافق رأيهم ومذهبهم، مستغلين حرصه على إبراء
ذمته.
وقد نبه علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى خطورة التستر بالشعارات الدينية البراقة لتمرير الباطل،
في كلمته الشهيرة المأثورة عن الخوارج حين رفعوا المصاحف: «كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ
بِهَا بَاطِلٌ»(3).
وفي واقع الدعوة
والتربية، يظهر هذا الخطر حين تُستغل الشعارات الصحيحة لإقناع الناس بنتائج
منحرفة؛ فسلامة العبارات المرفوعة لا تكفي للحكم بسلامة المنهج، وإنما العبرة بصحة
الاستدلال وسلامة المآل.
متى تجب إحالة الشبهات الفكرية للعلماء؟
عندما حذر داود
بن قيس صديقه، واجهه أبو شمر بقوله: «فكيف أتبع قولك وأترك قول من هو أقدم منك؟»،
فلم يحول داود الموقف إلى خصومة شخصية، ولم يصر على انتزاع القناعة بالمراء.
بل عرض عليه
اللقاء بوهب بن منبه قائلاً: «فتحب أن أدخلك على وهب حتى تسمع قوله؟»، متجلياً فيه
الأدب الذاتي وطريقة طالب العلم الذي يعرف قدر نفسه ويحيل الشبهات إلى الأكابر.
وعندما دخل
الرجل على وهب وارتبك عن الكلام، طلب منه وهب أن يعبر عنه، فشرح داود المشكلة
بوضوح للشيخ، لتنتقل المسألة من اضطراب صاحبها إلى عرض علمي يمكن مناقشته وتفنيده.
وهذا يوضح أن
تثبيت الناس لا يتحقق بفضول الجدل، بل يحتاج إلى فهم أحوالهم، واختيار العبارة
الأنسب، وإتاحة الفرصة لهم لعرض ما يشكل عليهم أمام أهل البصيرة والعلم الراسخ.
خطورة الشهادة على المسلمين بالضلال والكفر
بدأ وهب بن منبه
مناصحته من أخطر النتائج المترتبة على رأي الحرورية، فقال مستنكراً: «أَتُرِيدُ
أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْكِبَرِ حَرُورِيًّا تَشْهَدُ عَلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ
مِنْكَ بِالضَّلَالَةِ؟».
ثم ذكره بعظم
المسؤولية بين يدي الله إذا شهد بالكفر والضلال على مؤمن موحد شهد الله له
بالإيمان، ليعيد المسألة إلى نصابها الشرعي ويحذر من الخطورة العظيمة للتسرع في
أحكام التكفير.
وقد ثبت في
السنة النبوية الشريفة الزجر الشديد عن استباحة التكفير ورمي المسلم بالضلال بغير
حق، كما جاء في الحديث الصحيح المأثور: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا
كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا»(4).
وجاء هذا
التذكير الحاسم ليضع المرء أمام خطورة موقفه يوم القيامة؛ فالإنسان قد يظن التشدد
علامة على قوة الدين، بينما تكمن المشكلة في تجاوزه للحدود والضوابط التي وضعها
الشارع الحكيم.
وليس معنى هذا
إغلاق باب النقد أو إنكار المنكرات، وإنما التمييز الواضح بين تقويم الفعل والحكم
على الشخص، ومراعاة الشروط والموانع الشرعية المعتبة قبل إطلاق أحكام التكفير
والضلال.
رد الشبهات حول حصر الإحسان في الجماعة
حين أوضح أبو
شمر أن الجماعة تنهى عن التصدق والاستغفار إلا لمن يوافقها، انتقل وهب بن منبه إلى
تفكيك هذا الحصر الجائر باستدعاء النصوص الشرعية الدالة على سعة الرحمة والمغفرة.
فاستدل بحديث
المرأة التي دخلت النار بسبب الهرة، كما جاء في النص النبوي الصحيح: «دَخَلَتِ
امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ
أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ»(5).
وعلل وهب
استدلاله متسائلاً: إذا كانت الشفقة بالحيوان معتبرة شرعاً، فكيف بالإنسان الموحد
الذي يعبد الله؟! ثم استشهد بالآية القرآنية في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ
حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا).
ثم أبطل دعواهم
في حظر الاستغفار للمخالفين بالاستدلال بسعة استغفار الملائكة لجميع أهل الأرض
والمسلمين، كما جاء في التوجيه القرآني المحكم في قوله تعالى: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي
الْأَرْضِ) (الشورى: 5).
وهنا تتجلى
طريقة العالم في تصحيح المفاهيم؛ إذ لم يقابل التشدد بمجرد الإنكار، بل رد المسألة
إلى المحكمات التي تمنع احتكار الفضل وتؤكد سعة الإحسان والرحمة لعموم أفراد
المجتمع.
كيف يؤدي التكفير الشامل إلى الاقتتال الداخلي؟
لم يقف وهب بن
منبه عند تصحيح الفهم في الصدقة والاستغفار، بل تجاوز ذلك إلى بيان المآلات
السياسية والاجتماعية الخطيرة التي تحل بالمجتمع إذا انتشرت فيه أفكار التكفير
والاستباحة.
فبين أن مذهب
الخوارج لم يظهر في جماعة قط إلا فرق الله شملهم، ولو مكن لهم لفسدت الأرض، وقطعت
الطرقات، ولعادت أمور المسلمين إلى جاهلية المهارشة والاقتتال الداخلي الذي يستبيح
الدماء والأموال.
ثم بين سنن
التدافع التي تحفظ سلامة المجتمعات من الفساد العريض واستباحة الحقوق، مشيراً إلى
التوجيه القرآني المباشر في قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ
الْأَرْضُ) (البقرة: 251).
وتظهر هنا وظيفة
خطيرة للعلماء؛ تتمثل في التنبيه على عواقب الأفكار المنحرفة عندما تتحول إلى
ممارسات عمل تسفك الدماء، وتزعزع أمن الناس، وتهدد استقرار النسيج الاجتماعي
للمسلمين.
فالمسألة لم تعد
عند وهب مجرد خلاف جزئي حول جهة دفع الزكاة، بل أصبحت قضية كلية ترتبط بصيانة أنفس
المسلمين وأموالهم وأعراضهم من أخطار الفوضى والاقتتال المذهبي.
حقيقة موقف وهب من دفع الزكاة للأمراء
يمكن فهم مناصحة
وهب بن منبه في سياق الحرص على حفظ النسيج الاجتماعي والأمني للمسلمين؛ إذ لم
يتطرق في هذا الموضع إلى تزكية أفعال الولاة أو تقويم عدالة إنفاقهم للزكاة.
بل ركز على
إبطال الجور الأعظم المتمثل في اتخاذ أخطاء السلطة مبرراً لتكفير المجتمع، أو شق
عصا الطاعة، أو الانخراط في جماعات مقاتلة تستبيح الدماء وتفكك بيضة الإسلام.
ولذلك وجه أبا
شمر الخولاني إلى أداء زكاته المفروضة للولاة حفظاً لنظام الجماعة، وأوصاه بإنفاق
فضل ماله في صلة أرحامه وتفقد جيرانه والمحتاجين، فرجع أبو شمر عن رأي الحرورية.
وهذه النهاية
الميدانية في الرواية المروية تقدم الثمرة العملية للمناصحة القائمة على العلم
والبصيرة؛ حيث أنقذت رجلاً من التشدد وحمت المجتمع من الانزلاق في شباك الفتنة.
أهمية بيان الحق وقت حاجة الناس إليه
تؤكد مناصحة وهب
بن منبه لأبي شمر الخولاني على الدور الحقيقي للعالم الراسخ في حماية مجتمعه من
أفكار الغلو والانحراف؛ فهو لا ينتظر وقوع الكارثة ليتساءل عن أسبابها، بل يبني
البصيرة الوقائية لدى الشباب قبل نزل الفتن، ثم يستقبل المترددين بالرفق، ويفكك
الشبهات بالنصوص المحكمة وفقه المآلات.
وهنا تبرز الزاوية الأساسية التي ركز عليها هذا المقال: إن حماية المجتمع من الفتن لا تتأتى بالشعارات أو الممارسات القسرية، وإنما ببناء علمي أصيل يفرق بين غيرة التدين المحمودة والغلو المذموم، ويبين أن الإصلاح الحقيقي هو الذي يحفظ الدماء والأموال ويصون وحدة المسلمين، وأن العالم النافع هو من يملك الشجاعة والبصيرة لتثبيت الناس بالحق في اللحظات الحواسم قبل أن تعصف بهم الشبهات والفتن.
الهوامش
- 1 وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الأبناوي، أبو عبدالله، وُلد سنة 34 هـ، من جلة التابعين وثقات علماء اليمن، اشتهر بسعة علمه في أخبار الأمم السالفة (الإسرائيليات) ورواية الحديث، وعُرف بالحكمة والزهد وتولى القضاء، سكن مدينة صنعاء، وتوفي بها سنة 110هـ، وقيل: 114هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 545).
- 3 صحيح مسلم (2/ 749/ 1066).
- 4 الترغيب والترهيب (3/ 463).
- 5 مسند أحمد (13/ 87/ 7648).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً