أمانة الكلمة أمام أصحاب القرار

مجاهد بن جبر.. العالِم الذي قال الحقيقة للخليفة

الخليفة عمر بن عبدالعزيز على فراش الموت وبجانبه عالم ووعبد يبدوا عليه الارتباك وهو يعطي الخليفة كيسا من المال

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن مُجَاهِد بْن جَبْرٍ(1)؛ حيث رَوَى مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ مُشْكَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَا مُجَاهِدُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيَّ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ مَسْحُورٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِمَسْحُورٍ، ثُمَّ دَعَا غُلَامًا لَهُ فَقَالَ: وَيْحَكَ، مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ سَقَيْتَنِي السُّمَّ؟ قَالَ: أَلْفُ دِينَارٍ أُعْطِيتُهَا وَأَنْ أُعْتَقَ، قَالَ: هَاتِهَا، فَجَاءَ بِهَا، فَأَلْقَاهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ(2).

تضعنا هذه المأثورة المروية أمام مشهد تاريخي تتداخل فيه أركان التمكين الحضاري والأخلاقي: عالمٌ ثبتٌ من كبار أئمة التابعين، وخليفةٌ راشد يحمل هموم الأمة ويجسد العدل، وأزمةٌ نفسية وسياسية عاصفة تكشف عن معادن النفوس عند نزول الابتلاء، فمجاهد بن جبر لا يظهر في هذا السياق بوصفه مجرد ناقل لأحد الأخبار التاريخية، بل يتجلى بوصفه مرجعية علمية ومجتمعية مستقلة يفزع إليها رأس السلطة للوقوف على النبض الحقيقي للناس، وهي وظيفة أخلاقية خطيرة تستلزم الصدق التجردي والمكانة العالية والشجاعة الأدبية.

أمّا الخليفة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فيرتفع في هذا الموقف الصعب إلى ذروة التسامي الإيماني؛ إذ يواجه تدبير اغتياله وتسميمه لا بغريزة البطش والانتقام الشخصي، بل بعقلية الحاكم المسؤول الذي يقدم العدل والحلم وحفظ بيت مال المسلمين على نزعات النفس وألام الغدر، وهكذا تكشف الرواية أن العلاقة الحاكمة بين العلم والسلطة في التصور الإسلامي ليست علاقة تزويق أو مداهنة، بل علاقة نصح متجرد، وشهادة بالحق، وحراسة مشتركة لقيم العدل والكرامة.

كيف كشفت مصارحة مجاهد بن جبر شجاعة العالم الناصح؟

لم يكن سؤال الخليفة عمر بن عبد العزيز للتابعي مجاهد بن جبر صادرًا عن فضول شخصي أو رغبة في استقصاء الشهرة، وإنما كان مسعى قياديًا واعيًا لاستكشاف الرأي العام خارج أسوار القصر وجدران المكاتب، فالحاكم، مهما بلغ حرصه على العدالة وقربه من أفراد مجتمعه، قد تحجبه التقارير المجمّلة ومظاهر المصانعة عن ملامسة الهواجس والشائعات السارية بين الناس، ولذا يفتقر صاحب القرار دومًا إلى الصادقين الذين يعكسون له الواقع كما هو بلا رتوش.

وحين جابه مجاهد الخليفة بقوله الصريح: «يَقُولُونَ مَسْحُورٌ»، لم يستعمل مواربة لفظية، ولم يسعَ لتلطيف الخبر أو اختلاق إجابات إيجابية تريح نفس الحاكم، لم يقل له: إن الرعية في رغد ودعاء لك بالسلامة، بل نقل الانطباع الشائع والظنون السارية بصدق تام وثبات راسخ، وهنا تكمن الأمانة الكبرى للعالم؛ فهو لا يجعل قربه من دواوين القرار مسوغًا لتزييف الحقائق أو تبديل المشهد.

وقد أعلى القرآن الكريم من شأن لزوم الصدق ومجالسة أهله فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: 119)، فالصدق مع أصحاب المسؤولية والنصح المباشر لولاة الأمور ليس مجرد نافلة أخلاقية، بل هو الحصن الواقي الذي يحمي المؤسسات وقراراتها من الانزلاق في أوهام التقارير المزوقة.

وقد تجلت هذه الأمانة الشديدة في مواقف العلماء الصادقين مع الخلفاء؛ ومن أبرزها موقف الإمام أبي حازم سلمة بن دينار حين سأله الخليفة سليمان بن عبد الملك عن حقيقة واقعهم وموقعهم عند الله، فنقل له الصورة بصدق صريح قائلاً: «لِأَنَّكُمْ خَرَّبْتُمُ الآخِرَةَ وَعَمَرْتُمُ الدُّنْيَا، فَتَكْرَهُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ»(3)، فقال الخليفة الصادق مع نفسه: «صَدَقْتَ»، إن وجود هؤلاء النصحاء الصادقين يظل في كل عصر الضمانة الحقيقية لسلامة المجتمع وصحة توجيه القرار.

حين يجمع العالم بين النصح والاستقلال الفكري

لم يكن استئناس عمر بن عبد العزيز بمجاهد بن جبر واستجلاب رأيه مصادفة طارئة؛ فقد كان مجاهد إمام أهل مكة في التفسير والقراءة، والتلميذ الأبرز لحبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، غير أن قدر العالم لا ينحصر في الاتساع المعرفي وحفظ الآثار فحسب، وإنما يتخلق في الأهلية الأخلاقية والمهابة النفسية التي تجعله حاضراً في الشدائد بحكمة ورصانة.

فالعلم في الهدي الأصيل لم يكن تحصيلًا نضريًا منعزلًا عن حركة الحياة اليومية، بل كان تكليفًا يوجب القيام بأمانة البلاغ والدفاع عن قيم المجتمع، ونرى مجاهدًا في هذه الحادثة لا يتكلف التدخل في خبايا التدبير السياسي، ولا يتعدى حدوده المعرفية، وإنما يفي بدوره المحدد بأعلى درجات الانضباط: نقل الحقيقة كما سمعها بلا زيادة ولا نقصان.

إن هذه الرزانة تشرح جانبًا من التوازن الدقيق الذي اتسم به العلماء الربانيون؛ إذ يدنون من القائمين على أمر الأمة لخدمة المصلحة العامة، دون أن يفقدوا استقلالهم الفكري أو يتحولوا إلى أدوات للتبرير والمصانعة.

وقد تجسدت هذه العزة العلمية المقترنة بالمكانة الراسخة في موقف الإمام سالم بن عبد الله بن عمر حين دخل الخليفة هشام بن عبد الملك الكعبة المشرفة فرآه، فقال له الخليفة: «سَلْنِي حَاجَةً»، فقال سالم باعتزاز واستغناء تام: «إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَسْأَلَ فِي بَيْتِ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ»، فلما خرجا أعاد عليه الخليفة، فقال له سالم: «مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا أَمْ مِنْ حَوَائِجِ الآخِرَةِ؟»، قال: «بَلْ مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا»، فقال العالم الجليل: «وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهَا مِمَّنْ يَمْلِكُهَا، فَكَيْفَ أَسْأَلُهَا مِمَّنْ لَا يَمْلِكُهَا!»(4)، فهذه الهيبة العلمية المستقلة هي التي جعلت كلام مجاهد وزملائه محل اعتبار ووزن لدى خلفاء الأمة.

كيف دحض الخليفة الشائعة بالتحقيق والبرهان المباشر؟

عندما استمع عمر بن عبد العزيز إلى قول مجاهد: «يَقُولُونَ مَسْحُورٌ»، حسم الشائعة بيقين القائد العارف بحال نفسه فقال: «مَا أَنَا بِمَسْحُورٍ»، ولم يكن هذا الرد مجرد تكذيب ظاهري للقول الشائع، بل كان انتقالًا شجاعًا من التفسيرات الغيبية والمخاوف السارية إلى البحث الميداني عن السبب الحقيقي للمرض.

فالناس عند الملمات والغموض ينزعون غالباً إلى تبني التفسيرات السهلة والشائعات المتداولة، بينما يفترض بالمسؤول وصاحب القرار التثبت واستكشاف الأسباب المادية الواقعية، ولذا بادر عمر فوراً باستدعاء غلامه ومواجهته المباشرة بالاعتراف: «وَيْحَكَ، مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ سَقَيْتَنِي السُّمَّ؟»، فجاء الجواب يكشف عن الدافع المادي: «أَلْفُ دِينَارٍ أُعْطِيتُهَا وَأَنْ أُعْتَقَ».

تظهر هذه المواجهة مسارًا إداريًا ونفسياً رفيعًا في التعاطي مع الأزمات الحادة؛ فلم يلجأ عمر إلى إعلان حالة الطوارئ الانتقامية، ولم يمارس القمع التعميمي على حاشيته، بل سلك طريق المواجهة المباشرة والتثبت الهادئ، إن هذا الانضباط يعكس قيمة منهجية جليلة: وهي ألا يسبق الانفعالُ وغضبُ النفس عملية التثبت والتحقيق.

وقد كان هذا التريث والتثبت خصلة ثابتة في نهج عمر بن عبد العزيز في إدارة شؤون الدولة؛ فقد رُوي أن ابنه البار عبد الملك بن عمر دخل عليه يستحثه على استئصال المظالم دفعة واحدة، فقال له عمر بحكمة وتؤدة: «يَا بُنَيَّ إِنَّ اللَّهَ ذَمَّ الْخَمْرَ فِي الْقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ وَحَرَّمَهَا فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ أَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الْحَقِّ جُمْلَةً فَيَدَفَعُوهُ جُمْلَةً وَتَكُونَ فِتْنَةٌ»(5)، فالتثبت والرفق وهدوء النفس هي الأدوات الأساسية لفكك الأزمات وتجنب القرارات الطائشة.

لماذا آثر الخليفة العفو على العقوبة الشخصية؟

إن الدرس الأكثر إبهارًا في هذه الحادثة التاريخية لا يتوقف عند كشف ملابسات الجريمة وتحديد الجاني، بل يتجلى في القرارات السلوكية الأخلاقية التي اتخذها عمر بن عبد العزيز فور اعتراف الغلام.

فالمال الذي قَبَضه الغلام ثمنًا للجريمة (ألف دينار) لم يتملكه عمر لنفسه ولم يأخذه تعويضًا عن ألمه، بل قال للغلام: «هَاتِهَا»، فلما أتاه بها ألقاها كاملة في بيت مال المسلمين، إن هذا التصرف يضع حدًا فاصلًا بين المال الخاص وحرمة المال العام؛ فالمال كان رُشوة مدفوعة في جريمة استهدفت مقام الخلافة والأمة، فلزم إعادته لمصرف المسلمين العام.

ثم جاء القرار الأعظم الذي أربك الحسابات البشرية حين قال للغلام الجاني: «اذْهَبْ حَيْثُ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ»، إنه موقف يجسد قمة السيطرة على النفس والانتصار على دوافع التشفي؛ فالإنسان حين يمتلك السلطة المطلقة ويتعرض لغدر مباشر يمس حياته، تكون نفسه أقرب ما تكون إلى البطش واستنزاف العقوبة، غير أن عمر نظر إلى الحادثة من أفق إيماني وحضاري أرحب.

ولم يجعل آلامه الجسدية سبباً لإيقاد فتنة جديدة أو سفك الدماء، بل آثر العفو والتستر على الجاني وإبعاده، وهذا العفو السامي هو امتثال صريح للتربية القرآنية المباشرة في قوله تعالى: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: 43)، فالصفح هنا لم ينبع عن ضعف أو عجز عن العقاب، بل صدر عن اقتدار تام وضبط إيماني مطلق للجوارح.

وقد تكررت هذه الشيمة العالية في تاريخ الأئمة الكبار الذين هضموا نفوسهم لوجه الله؛ ومن أرفع أمثلتها ما ثبت عن الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) وحُكي أن خادمًا كان قائمًا على رأس الحسن بن علي وهو مع أضيافه على المائدة، فانحرفت قصعةٌ كانت في يد الخادم فسقط منه شيءٌ على الحسن، فنظر إليه مغضبًا تأديبًا له وتثقيفًا له، لا تعظُّمًا وتجبرًا، فقرأ الخادم: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)، فنكس الحسن رأسَه، فقال: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)، فتبسَّم الحسن وقال: قد عفوتُ عنكَ، فقال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فقال: أنت حرٌّ لوجه اللَّه، وقد زوَّجتك فلانةَ فتاتي، وعليَّ ما يُصلحكما(6)، فالنفوس العظيمة هي التي تحول الغضب إلى مقام للإحسان والعفو.

كيف تحمي أمانة الكلمة الحاكم من التملق؟

تُقدم هذه الرواية المأثورة نموذجًا معيارياً لبناء العلاقة الرشيدة بين أرباب المعرفة وأصحاب السلطة، فمجاهد بن جبر لم يكن رجل بلاط يترصد هوى الخليفة ليصوغ له القول الذي يرضيه، ولم يكن في المقابل مشاغبًا يسعى لإثارة الناس واستثمار الأزمات، بل كان عالمًا ناصحًا يقوم بجهد الشهادة والبيان.

والحاكم العادل هو أحوج ما يكون إلى هذا الصوت المستقل؛ لأن السلطة إذا أحيطت ببطانة التزكية والتزليف تحجبت عن الواقع وأمست أسيرة للصورة المزيفة التي تصنعها حواشيها، وقد استقر في الهدي النبوي الخالد أن النصيحة الصادقة هي جوهر الدين وملاك أمره؛ فعن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(7).

ولذا كان أئمة الهدى ينظرون إلى الدخول على الملوك والولاة بوصفه مسؤولية ثقيلة تستوجب قول الحق وتعرية الباطل، لا غنيمة شخصية للوجاهة، ومن الشواهد الشاخصة في هذا الباب الموقف الصارم للإمام محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب حين سأله الخليفة أبو جعفر المنصور في مجلسه: «أَتَرَانِي أَعْدِلُ؟»، فقال له ابن أبي ذئب بشجاعة متجردة: «أَمَّا إِذَا نَشَدْتَنِي بِاللَّهِ، اللَّهُمَّ لَا أَرَاكَ تعدل وإنك لجائر وَتَسْتَعْمِلُ الظَّلَمَةَ وَتَدَعُ أَهْلَ الْخَيْرِ»(8)، إن هذا الصدق الصريح هو الذي يحفظ للحاكم توازنه وللأمة استقامتها.

لماذا تخلد التراجم التاريخية مواقف الصدق والعدل؟

إن سر خلود هذه الحادثة واحتفاء كتب التراجم والسير بها يكمن في كونها اختزلت معاني إنسانية وسياسية وأخلاقية سامية في موقف مكثف واحد: عالمٌ جليل لا يخشى نقل الحقيقة، وخليفةٌ راشد لا يهرب من مواجهة الواقع، ورجلٌ متمكن من السلطة لم تستفزه جراح الخيانة للانتقام الذاتي.

إن التاريخ لا يخلد الأشخاص لمجرد ألقابهم أو طول مدة ولايتهم، وإنما يحفظ الأثر العاطر للمواقف التي تجلى فيها معدن الصدق والعدل، ولهذا أضحت هذه الحادثة معلمًا بارزًا في السيرة الأخلاقية لعمر بن عبد العزيز، وشهادةً ناطقة بالإمامة العلمية والتربوية للتابعي مجاهد بن جبر.

وقد قرر القرآن الكريم أن الأثر الباقي والذكر الخالد إنما يُوهبان لأهل الصبر والإحسان والتقوى؛ كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134)، فالمواقف الصادقة هي التي تكتب تاريخ الأمم وتمنح أجيالها المتلاحقة الهداية والقدوة.

وقد انطبع هذا العدل العُمَري في الوعي الجمعي لمعاصري تلك الفترة؛ حتى يُروى أن الرعاة في رؤوس الجبال كانوا يعرفون قيمة عدل عمر بن عبد العزيز بسلامة شياههم، وكانوا يقولون: «إِذَا قَامَ خَلِيفَةٌ صَالِحٌ كَفَّتِ الذِّئَابُ وَالأَسَدُ عَنْ شَائِنَا»(9)، فالقيم الأخلاقية حين تسود تترك أثرًا ملموسًا يمتد إلى أركان الحياة كافة.

كيف انعكست تربية الصحابة على مواقف مجاهد بن جبر؟

إذا استقرأنا هذه الواقعة في السياق الكلي لسيرة الإمام مجاهد بن جبر، تبين لنا أنها النتيجة الطبيعية لمنهج تربوي أصيل نهل منه طوال حياته، فهو التلميذ الذي صاحب عبد الله بن عباس ورسخ في التفسير، وهو الذي صاحب عبد الله بن عمر ورأى تواضعه واقتدى بسبله، فشاهد في شيوخه أروع الصور العملية للصدق والتجرد والتواضع.

ولذا، لم يكن غريبًا أن يقف أمام رأس الدولة ينقل له نبض الشارع بلا رهبة أو تملق؛ لأن العلم الذي تلقاه لم يكن مادة للتعالي الشكلي، بل كان غراسًا لصناعة الأمانة وحراسة الحق، فالذي تربى على أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في تقواه وعمله النافع بعيداً عن المظاهر والأنساب، لن يجعل قربه من الحكام سبباً للثناء المزيف أو مصانعة السلطان.

وقد تجلت هذه التربية الصارمة في حرص كبار الصحابة على ضبط تلاميذهم وتوريثهم الاستقامة؛ ومن ذلك ما شوهد في مدرسة ابن عباس مع تلميذه الإمام عكرمة مولى ابن عباس، إذ يقول عكرمة مبيناً شدة الحرص على البناء العلمي والأخلاقي: «يَضَعُ فِي رِجْلَيَّ الْكَبْلَ، وَيُعَلِّمُنِي الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ»(10)، فهذه التربية الحازمة هي التي أخرجت رجالات بحجم مجاهد بن جبر، يحملون الأمانة بقوة ويقولون الحق بكرامة.

تتجلى حادثة مجاهد بن جبر مع الخليفة عمر بن عبد العزيز لتكشف عن نموذج حضاري راقٍ في التفاعل بين المعرفة والسلطة؛ حيث التقت شجاعة العالم في نقل الحقيقة الصريحة بحكمة الخليفة في التعامل مع الأزمة وعفوه عند القدرة، إن المشهد الذي ألقى فيه عمر مال الرشوة في بيت المال وأطلق فيه سراح جافيه لم يكن موقفاً عابراً، بل كان إرساءً لمرجعية أخلاقية تجعل العدل أعلى من ألم الخيانة، والنصيحة أوجب من المداهنة، وهكذا يظل مجاهد بن جبر وعمر بن عبد العزيز شاهدين خالدين على أن الأمة إنما تقوى وتزدهر يوم يكون عالمها مرآةً صادقة، وحاكمها ميزاناً للعدل والرحمة.

الهوامش
  • 1 مجاهد بن جبر المكي المخزومي مولاهم، ولد سنة 21هـ، وهو تابعي جليل وإمام المفسرين والمقرئين ومولى عبد الله بن عباس، اشتهر بالتفسير والتأويل والقراءات والحديث، حيث عرض القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات يوقفه عند كل آية، وسكن مكة المكرمة وتوفي بها وهو ساجد سنة 104هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 450).
  • 3 التذكرة الحمدونية (1/ 201/ 468).
  • 4 موسوعة الرقائق والأدب، ص3045.
  • 5 العقد الفريد (1/ 39).
  • 6 التيسير في التفسير (4/ 260).
  • 7 رياض الصالحين، ص81 (181)، وقال المصنف أخرجه: مسلم (1/ 53) (55) (95).
  • 8 صفة الصفوة (1/ 395).
  • 9 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (10/ 188)، الخبران في طبقات ابن سعد (7/ 386، 385).
  • 10 مسند الدارمي (1/ 460/ 572).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة