حين يصبح الاعتراف بالنقص فضيلة

مراقبة القلب قبل الدعاء.. لماذا اعتذر طاووس بن كيسان؟

رسم تصويري يجسد تأكيد طاووس بن كيسان على مراقبة القلب قبل الدعاء

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عَن أَبي أُمَيَّةَ، عَنْ دَاوُدَ بنِ شَابُوْرٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِطَاوُوْسٍ: ادْعُ اللهَ لَنَا، قَالَ: مَا أَجِدُ لِقَلْبِي خَشْيَةً، فَأَدْعُوَ لَكَ(1).

ليس في هذا المشهد خطبة، ولا موعظة طويلة، ولا دعاء تهتز له المجالس، رجل يطلب من طاووس بن كيسان أن يدعو له، فيلتفت الإمام أولًا إلى موضع لا يراه السائل: قلبه، ثم يجيبه بما قد يبدو لأول وهلة مستغربًا: «ما أجد لقلبي خشية، فأدعو لك».

ولا يحدد النص مكان الواقعة ولا زمانها ولا حال الرجل السائل؛ ولذلك لا يصح أن نجزم بأنها جرت في مكة أو اليمن، أو أن نجعلها نتيجة لظروف سياسية أو اجتماعية لا يذكرها الخبر، الذي بين أيدينا أضيق وأعمق في الوقت نفسه: عالم طُلب منه الدعاء، ففتش عن حال قلبه قبل أن يحرك لسانه.

لماذا راقب طاووس قلبه قبل إجابة السائل؟

اللافت أن طاووس لم يبدأ بالسائل، بل بنفسه، لم يسأل: ما حاجتك؟ ولم يقل فورًا: غفر الله لك، وإنما راقب قلبه وقال: «ما أجد لقلبي خشية».

وهذه لحظة من أشد لحظات الصدق مع النفس؛ لأن الإنسان يستطيع بسهولة أن يؤدي الفعل الذي يتوقعه الآخرون منه، خصوصًا إذا كانت له منزلة دينية بينهم، كان بإمكان طاووس أن يدعو بدعوات محفوظة، فيرضى الرجل وتبقى صورة الإمام على حالها، ولكن الرجل الزاهد خشي أن يقدم فعلًا ظاهره المناجاة بينما لا يجد في باطنه الحال التي يريدها لذلك المقام.

والقرآن يجعل مراقبة الداخل أصلًا من أصول التزكية، ويمنع الإنسان من الاطمئنان إلى صورته عن نفسه: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: 32)، وفسر الطبري قوله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) بمعنى: فلا تشهدوا لأنفسكم بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي؛ لأن الله أعلم بحقيقة التقوى في القلوب(2).

ومن هنا لا ينبغي قراءة كلام طاووس على أنه تقرير بأنه خال من الخشية على الدوام؛ فهو يتحدث عن حال لحظي: «ما أجد لقلبي الآن خشية»، كما جاءت الرواية عند ابن أبي شيبة(3)، وهذا أدق؛ فالقلوب تتقلب، والعارف بنفسه لا يبني حكمه على سمعته بين الناس، بل يسأل نفسه في كل مقام: أين قلبي الآن؟

فقه الدعاء بين العبادة والمجاملة الاجتماعية.

يكشف موقف طاووس عن فقه عميق لطبيعة الدعاء؛ فهو ليس كلمات تؤدى لإغلاق موقف اجتماعي محرج، وإنما عبادة، فقد ثبت عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ‌ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60)(4).

وحين يكون الدعاء عبادة، فإن القلب ليس عنصرًا زائدًا فيها، قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ ‌تَضَرُّعًا ‌وَخُفْيَةً) (الأعراف: 55)، فجعل التضرع من أوصاف الدعاء، وهو انكسار القلب وخضوعه.

ولهذا يلتقي موقف طاووس مع الحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ»(5)، والمعنى الذي يهمنا هنا واضح: الدعاء ليس حركة لسان منفصلة عن القلب.

ومن هذه الزاوية يصبح جواب طاووس مفهومًا؛ إنه لا يريد أن يحول المناجاة إلى إجراء اجتماعي: يطلب الناس منه الدعاء، فيجيبهم آليًا، ثم يمضي، أراد أن تبقى العبادة عبادة، لا وظيفة يؤديها صاحب السمعة الدينية أمام جمهوره.

شجاعة الاعتراف بالتقصير أمام هالة المكانة والرمزية.

قد يكون من السهل على الإنسان أن يعترف بضعفه إذا لم يعرفه أحد، أما أن يكون صاحب مكانة ثم يقول أمام رجل يطلب بركته ودعاءه: لا أجد الآن في قلبي ما أريد من الخشية، فذلك امتحان آخر.

فالإنسان بطبعه يحب الحفاظ على الصورة التي كونها الآخرون عنه، وكلما ارتفعت منزلته العلمية أو الدعوية ازداد خطر أن يتحول الحفاظ على الصورة إلى سجن؛ فيشعر بأنه يجب أن يبدو دائمًا خاشعًا، حاضر القلب، قوي اليقين، سريع الدمعة.

أما طاووس فاختار الحقيقة على الصورة، وهنا تتجلى دلالة قوله تعالى: (‌هُوَ ‌أَعْلَمُ ‌بِمَنِ اتَّقَى)، القضية ليست فيما يراه الناس منك، بل فيما يعلمه الله فيك.

وقد كانت هذه المحاسبة للنفس من سمات كبار السلف، فمن أشهر ما صح عن عبد الله بن أبي مليكة قوله: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم يخاف النفاق على نفسه»(6)، فلم يكن هؤلاء يشكون في أصل إيمانهم، وإنما كان خوفهم من خفايا القلوب شديدًا إلى الحد الذي يمنعهم من تزكية أنفسهم.

الإنسان الذي يخاف على قلبه يكون أبعد عن استعراض صلاحه؛ أما من اطمأن إلى صورته سريعًا فقد يغفل عن عيوب لا يراها إلا الله.

وفي الأسرة والعمل والدعوة تظهر قيمة هذا الصدق كذلك، المدير الذي يقول: «لا أملك جوابًا الآن» أكثر أمانة من الذي يخترع جوابًا ليحمي هيبته، والمربي الذي يعترف بخطئه أقدر على تعليم الصدق من الذي يبني لنفسه صورة العصمة، فالاعتراف بالنقص حين يكون حقيقيًا ليس انهيارًا للقدوة؛ بل قد يكون من أقوى صورها.

الفرق الفقهي بين ورع الزاهد وأحكام الشريعة.

ربما يسأل القارئ: وما الضرر لو دعا له بكلمات يسيرة ولو لم يجد تلك الخشية؟ الموقف لا يعني أن المسلم لا يدعو إلا إذا بلغ حالًا عالية من الخشوع؛ فهذا تكليف لا دليل عليه، والدعاء مشروع في الأحوال كلها، والله أمر عباده بالدعاء ولم يشترط أن يبلغوا قبل كل دعاء مرتبة معينة من التأثر القلبي.

إذن فجواب طاووس يعبّر عن ورعه الشخصي وكمال طلبه لحضور القلب، لا عن حكم فقهي يمنع الدعاء عند ضعف الخشوع، وهذه نقطة مهمة؛ لأن أخبار الزهاد إذا قُرئت بلا تمييز قد تتحول الأحوال الفردية الرفيعة إلى شروط شرعية لم يضعها الله.

كان طاووس شديد المحاسبة لنفسه؛ فلما طُلب منه الدعاء لم يرض لنفسه في تلك اللحظة أن يؤديه أداءً يرى قلبه دونه، وهذا باب في التزكية، لا قاعدة لإبطال دعاء كل من أحس بفتور.

بل إن العبد قد يكون علاج فتوره أن يدعو الله نفسه أن يرزقه الخشية، قال سبحانه: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي ‌أَسْتَجِبْ لَكُمْ)؛ فالدرس ليس: إذا لم تخشع فلا تدع، بل: لا تجعل اعتياد الدعاء يطفئ مراقبتك لقلبك.

كيف يهدم صدق العالم تعلق السائل بالأشخاص؟

في طلب الرجل معنى إنساني طبيعي؛ فالناس يحبون أن يطلبوا الدعاء ممن يظنون فيه الصلاح، وقد ثبت عن الصحابة طلب الدعاء في مواضع معروفة، فلا حرج في أصل ذلك، لكن جواب طاووس يكسر خطرًا آخر: أن يتحول صاحب العلم والصلاح في وعي الناس إلى شخص يظنون أن مجرد كلماته تضمن لهم ما يريدون، فالإجابة بيد الله وحده، ولذلك لا يظهر في كلام طاووس أنه ادعى معرفة قبول الدعاء أو رده، ولا أنه قدم نفسه واسطة لازمة بين الرجل وربه، كل ما فعله أنه راقب حاله هو، ثم صدق في وصفها.

وهذا التفريق مهم؛ لأن الإسلام لم يعرف نظامًا كهنوتيًا يجعل صلة العبد بالله محتاجة إلى طبقة دينية تحتكر الوصول إليه، قال الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ‌فَإِنِّي ‌قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (البقرة: 186).

واللافت في الآية أن الجواب جاء: (فَإِنِّي ‌قَرِيبٌ)، بلا ذكر لواسطة بين الداعي وربه، ومن هنا يمكن أن نتلقى موقف طاووس بوصفه إعادةً لطيفة للسائل إلى الحقيقة الكبرى: لا تجعل ثقتك في صلاح من أمامك تنسيك بابك أنت إلى الله.

لماذا تكون مراقبة القلب أصعب من مراقبة العمل؟

الأعمال ظاهرة قابلة للعد: صلى، وتصدق، ودعا، وقرأ، أما القلب فلا يراه الناس، ولهذا يمكن للإنسان أن يحافظ على مستوى مرتفع من الأداء الظاهر بينما ينخفض نصيب القلب منه، من غير أن يتغير تقدير الناس له.

وهنا تكمن خطورة الاعتياد في العبادات والأعمال الدعوية؛ فقد يصبح الفعل سهلًا بحكم الخبرة، بينما يزداد حضور القلب ضعفًا، المتحدث يستطيع إلقاء الموعظة نفسها مرات كثيرة، والقارئ يستطيع تلاوة ورد طويل، والداعي يستطيع ترتيب عبارات مؤثرة، لكن السؤال الذي طرحه طاووس على نفسه يبقى قائمًا: ماذا يحدث في القلب؟

وقد قال الحسن البصري في وصف المؤمن: «المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وأمنًا»(7)، أي إن المؤمن يحسن العمل ويبقى خائفًا من تقصيره، فلا يعتمد على عمله ولا يغتر به.

وهذا المعنى موافق لقوله تعالى في وصف أهل الإيمان: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ ‌وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون: 60).

وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فقال: «لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم»(8)، فالخوف من نقص العمل ليس دعوة إلى اليأس، بل حارس يمنع صاحبه من الاغترار به، وطاووس في المشهد لا يستعرض خشيته، بل يخاف من غيابها.

كيف يفتح الإقرار بالفتور طريق استعادة الخشوع؟

قد يبدو جواب طاووس سلبيًا: لم يدع للرجل، لكن تحته عمل إيجابي كبير: لقد اكتشف حال قلبه، والقلب لا يصلح إلا إذا عرف صاحبه أين يقف، فمن ظن نفسه خاشعًا وهو غافل لا يبدأ العلاج أصلًا، أما من استطاع أن يقول بصدق: «لا أجد الآن الخشية التي ينبغي أن أجدها»، فقد قطع نصف الطريق إلى استعادتها.

وهذا المعنى يتجاوز العبادة إلى مجالات كثيرة من الحياة:

  • المربي الذي يكتشف أنه يعظ أبناءه بما لا يطبقه يستطيع أن يبدأ الإصلاح.
  • والداعية الذي ينتبه إلى أن كلامه صار عادة أكثر منه عبادة يستطيع مراجعة نيته.
  • والقائد الذي يدرك أن ثقته تحولت إلى غرور يستطيع التراجع.
  • أما الإنسان الذي يخشى الاعتراف بالنقص لأنه يريد حماية صورته، فيبقى أسير النقص نفسه، ولهذا فإن الشفافية مع الذات تسبق كل إصلاح حقيقي.

تفكيك الصورة الخارقة للعلماء وإثبات بشريتهم الطبيعية.

ربما كان الرجل ينتظر دعوة، فحصل على درس أكبر، لقد رأى عالمًا لا يدعي حالة لا يجدها في نفسه، ولا يستغل ثقة الناس به لتثبيت صورة القداسة، ولا يخجل من الاعتراف بأن قلبه في تلك اللحظة ليس على الحال التي يريد، وهذه الصورة من العلماء أكثر تربية من صناعة الرموز الخارقة التي تظهر دائمًا كاملة لا يعتريها فتور.

فالعالم الرباني ليس إنسانًا خرج من طبيعة البشر؛ بل هو إنسان صار أكثر معرفة بتقلبات نفسه، وأشد خوفًا من خداعها.

ولهذا فإن قوله: «ما أجد لقلبي خشية» لا ينقص طاووسًا، بل يكشف سرًا من أسرار منزلته: أنه لم يكن يبني قيمته على أن يراه الناس كاملًا، ومن لا يحتاج إلى ادعاء الكمال، يستطيع أن ينشغل فعلًا بطلبه.

أول الدعاء أن تعرف أين قلبك.

طلب الرجل من طاووس أن ينظر إلى السماء، فنظر طاووس أولًا إلى قلبه، وفي هذه المسافة القصيرة بين السؤال والجواب يتشكل درس طويل في تزكية النفس.

ليس كل ما يستطيع اللسان قوله يكون القلب حاضرًا فيه، وليس كل ما اعتاده الإنسان من الخير ينبغي أن يتحول إلى حركة آلية خالية من التفقد والمراقبة.

ولم يقل طاووس إن الدعاء محرم عليه، ولا إن الله لا يسمع إلا صاحب حال مخصوص، وإنما كشف عن مستوى رفيع من محاسبة النفس: أنا الآن لا أجد من الخشية ما أريد لهذا المقام، فلا أريد أن أمثل أمامك حالًا ليست حاضرة في قلبي.

وهنا يلتقي الصدق بالخوف من الله، والتواضع بالنزاهة، والعبادة بمراقبة الباطن؛ فالخطر على الإنسان ليس دائمًا أن يترك العمل، بل قد يكون أن يستمر فيه حتى ينسى روحه.

وحين يعتاد المرء الكلام عن الله، أو الدعاء، أو التعليم، أو النصيحة، يصبح أحوج ما يكون إلى السؤال الذي جسده طاووس دون أن ينطق به: هل قلبي حاضر فيما يقوله لساني؟ إن كان حاضرًا، فذلك فضل يسأل الله ثباته، وإن كان غائبًا، فمعرفة الغياب أول الطريق إلى العودة.

وهكذا لم يكن أعظم ما في ذلك المشهد أن طاووس امتنع عن دعاء واحد، بل أنه رفض أن يكون بين باطنه وظاهره مسافة يسكت عنها، وفي زمن يسهل فيه صناعة الصورة، تبقى تلك الجملة القصيرة شديدة الحضور: «ما أجد لقلبي خشية، فأدعو لك».

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (5/ 42).
  • 2 تفسير الطبري (22/ 540).
  • 3 مصنف ابن أبي شيبة (16/ 374/ 31861).
  • 4 سنن الترمذي بسند صحيح (2969).
  • 5 سنن الترمذي بسند حسن (3479).
  • 6 صحيح البخاري (1/ 18).
  • 7 الزهد والرقائق: ابن المبارك، ص 350.
  • 8 سنن الترمذي بسند صحيح (3175).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة