فقه المخالطة وسلامة القلب

وهب بن منبه.. كيف تخالط الناس دون أن تفقد نفسك؟

عالم يقف بين الناس في المدينة ويخالظهم وهو يجادل رجلا وقف معه يحاوره ويشير بيديه الى الناس

جاء في «سيرأعلام النبلاء» للإمام الذهبي أن وهب بن منبه(1) قال: إِذَا سَمِعْتَ مَنْ يَمْدَحُكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ، فَلَا تَأْمَنْهُ أَنْ يَذُمَّكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ.

وعن ابْن الْمُبَارَكِ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَقَالَ: قَدْ حَدَّثْتُ نَفْسِي أَنْ لَا أُخَالِطَ النَّاسَ، قَالَ: لَا تَفْعَلْ، إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْكَ، وَلَهُمْ إِلَيْكَ حَوَائِجُ وَلَكَ نَحْوُهَا ; وَلَكِنْ كُنْ فِيهِمْ أَصَمَّ سَمِيعًا، أَعْمَى بَصِيرًا، سَكُوتًا نَطُوقًا(2).

تضعنا هاتان الحكمتان الجليلتان المرويتان عن وهب بن منبه أمام سؤال إنساني متجدد في مجريات الحياة: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على اتزان علاقاته الاجتماعية دون أن يسقط أسيراً لمدح الناس أو ذمهم، أو يصبح ضحية لأخطائهم وخصوماتهم؟

وكان وهب بن منبه، المتوفى على أحد الأقوال المشهورة في سنة 114هـ، من كبار علماء التابعين في اليمن، وعُرف بسعة العلم والزهد والتربية، وتولى القضاء في صنعاء، حيث تكشف مروياته عن فهم عميق لطبائع النفوس وآداب المعاشرة.

ولا يصح الجزم بأن هاتين الحكمتين نشأتا بالضرورة من تجربته القضائية وحدها، لكنهما تنسجمان مع خبرة رجل خبر أحوال الناس واحتياجاتهم وتفاوت أخلاقهم؛ إذ تجتمع فيهما فكرتان متكاملتان؛ الحذر من الانخداع بالناس، والحذر من الاستغناء عنهم.

وبين هذين الحدين تتشكل رؤية تربوية قائمة على المخالطة الواعية التي تحفظ حقوق المجتمع دون الاستسلام للمؤثرات العابرة؛ إذ يبني وهب منهجاً متزناً يجعل مخالطة الناس وسيلة للبناء الأخلاقي النافع بدلاً من أن تكون سبباً للتشتت والانحراف.

لماذا حذر وهب بن منبه من التملق والمجاملة؟

يضع التابعي الجليل وهب بن منبه قاعدة حازمة لمعاملة الثناء الزائف في قوله المحكم: «إذا سمعت من يمدحك بما ليس فيك، فلا تأمنه أن يذمك بما ليس فيك»، ليحذر من خطورة الاسترسال مع المجاملات التي تتجاوز الحقيقة والواقع.

فلا تكمن خطورة المديح الكاذب في جمال كلماته، وإنما في مجافاته للواقع؛ إذ إن الشخص الذي يصف الإنسان بصفات ويعلم أنها ليست فيه، يملك نفس الاستعداد لتغيير الوصف واختلاق العيوب إذا تغيرت المصالح الشخصية أو وقعت الخصومة.

ولذلك جاءت عبارة وهب دقيقة حين قال: «فلا تأمنه»، ولم يحكم بالإدانة على كل مادح، بل دعا إلى الحذر واليقظة؛ فالمرء الصادق ليس هو الذي يوافقنا دائماً، بل من يلتزم بالحق وإن خالف رغباتنا الشخصية أو أهواءنا.

وقد ورد النهي الشرعي والتربوي عن المبالغة في الثناء والتزكية المفرطة؛ لما تسببه من إفساد لقلب الممدوح وإعجابه بنفسه، ولما تنطوي عليه من تملق ينتهك أمانة القول والصدق في التعامل بين أفراد المجتمع.

وفي بيئات العمل والإدارة، تتضاعف مخاطر المديح الكاذب حين يحيط القائد نفسه بمن يثنون على قراراته الخاطئة، فيحرم نفسه من سماع النصيحة الصادقة، بينما الصديق الناصح هو من يحفظ المودة والود دون أن يضحي بصدق الكلمة.

كيف يتحقق العدل عند الرضا والغضب؟

تتجاوز حكمة وهب بن منبه قضية الثناء المجرد إلى أفق أخلاقي أوسع؛ متمثل في ضرورة التزام العدل والصدق في الحكم على الآخرين، وألا تتغير المعايير بتغير المشاعر أو تقلب الأحوال الاجتماعية بين الناس.

فقد يبالغ الإنسان في المديح والثناء على صاحبه زمن الوفاق والرضا، ثم يسلبه كل مكرمة وفضيلة عند وقوع الخصومة، وكأن الحقائق تتبدل بتبدل العلاقات الشخصية، وهو مسلك يخالف أصول الإنصاف والعدل.

وقد أرسى القرآن الكريم هذا الميزان الأخلاقي الثابت في كل الأحوال والأوقات، حارساً للعدل ومحذراً من الجور في قوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8).

فالمحبة الصادقة لا تبرر الثناء الباطل، والبغضاء الطارئة لا تبيح الذم الجائر أو قذف الشبهات؛ إذ إن العلاقات المستقرة تُبنى على ثبات المعايير الأخلاقية، لا على التقلب المستمر مع الأهواء والانفعالات الشديدة.

ومتى نجح المرء في أن ينصف مخالفه في الخصومة ويصدق مع صديقه في الوفاق، كان أبعد عن الذوبان في أهواء النفس، وأقرب إلى الاستقامة والأمانة التي تشكل جوهر الشخصية المتزنة في تعاملها مع الآخرين.

أسباب رفض العزلة الكاملة في الإسلام

حين أتى رجل إلى وهب بن منبه معلناً رغبته العارمة في اعتزال المجتمع وترك المخالطة، بادر وهب بالرفض الواعي قائلاً: «لا تفعل؛ إنه لا بد لك من الناس، ولا بد لهم منك، ولهم إليك حوائج ولك نحوها».

تكشف هذه الإجابة التربوية عن دراية عميقة بطبيعة الاجتماع البشري؛ فالإنسان مدني بطبعه ولا يستطيع الاستغناء عن الآخرين في سائر معايشه، كما أن المجتمع يحتاج إلى علمه ونفحه ونشاطه وقضاء حوائجه اليومية.

ولم يقتصر وهب بن منبه على ذكر حاجة الشخص إلى مجتمعه، بل ذكّره بحاجة الناس إليه، لينقل القضية من التفكير السلبي في الراحة الذاتية إلى أفق المسؤولية الاجتماعية المتبادلة بين كافة أفراد المجتمع.

فالانسحاب الكامل قد يريح المرء من بعض أذى الخلطة، لكنه يقطعه عن قضاء المصالح الشرعية والمجتمعية النافعة، ويحرم غيره من منفعة أو نصيحة كان يستطيع تقديمها بحكم موقعه وعلمه.

وقد ثبت في السنة النبوية الشريفة فضيلة المخالطة النافعة المقرونة بالصبر على الأذى، وتفضيلها على العزلة السلبية التي تفر من أداء الواجبات، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»(3).

ولا يعني هذا أن المخالطة أفضل مطلقاً وفي كل الظروف؛ إذ قد تكون العزلة أصلح عند ظهور الفتن العامة أو الخوف على الدين، غير أن الحكمة تقتضي الموازنة بين أداء الحقوق وحفظ دين النفس.

مهارة التغافل السمعي لحماية سلامة القلب

يقدم وهب بن منبه معالجة عملية لإدارة أجهزة السماع والتواصل أثناء الخلطة بقوله: «ولكن كن فيهم أصم سميعاً»، وهو توجيه يستحث المرء على الانتباه والتمييز بين ما ينفع قلبه وما يفسده.

فالمقصود بـ«أصم سميعاً» هو توجيه حاسة السمع باختيار واعٍ؛ بحيث يصغي المرء للعلم والحكمة والنصيحة وحاجة الضعيف، بينما يتصامم ويعرض عن الغيبة واللغو والمراء والفضول الذي يورث الضغائن.

فليس المطلق أن يستمع المرء لكل ما يقال في المجالس، أو ينشغل بالرد على كل شائعة وخصومة عابرة؛ إذ إن حفظ أمانة السمع يتطلب الاستمساك بالخير والإعراض عن القول الفاسد.

وقد أثنى القرآن الكريم على عباد الرحمن وأوصافهم الأخلاقية السامية عند مرورهم بفضول القول والباطل، في قوله تعالى: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) (الفرقان: 72).

وفي العصر الحالي مع التكالب الرقمي وتدفق المعلومات والآراء دون انقطاع، تجسد القدرة على الانتقاء المهارة الأخلاقية الأساسية لحفظ سلامة الفكر، وتقليل مستويات التوتر والانشغال بغير النافع في الحياة.

الفرق بين التغافل المحمود وإهمال الحقوق

تتكامل أجزاء الوصية بقول وهب بن منبه: «أعمى بصيرًا»، لتضع القاعدة الذهبية التي تضمن استمرار العلاقات الإنسانية من خلال التوازن الدقيق بين شدة البصيرة وحسن التغافل والتغاضي عن الهفوات.

فبصيرة العقل تمنح المرء قدرة على إدراك الأمور والتمييز بين الصواب والخطأ، بينما يأتيه التغافل ليمكنه من تجاوز الزلات العارضة التي لا يستحق تتبعها إفساد المودة وتكدير الصفاء بين الإخوان.

فالعلاقات لا تستقيم إذا تحولت المخالطة إلى رقابة صارمة تتتبع العثرات وتدقق في كل تصرف؛ إذ إن التغافل المحمود هو خلق الكرام الذين يترفعون عن الشكوك وصغائر الهفوات حماية لصلاتهم.

وقد جاء النهي القرآني الحاسم عن تتبع العورات والتدقيق في أحوال الناس وتفتيش سرائرهم، في قوله تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا) (الحجرات:12).

ولا يعني التغافل المحمود إغفال الظلم أو إهدار الحقوق الواجبة، بل يعني السكوت عن الأخطاء الصغيرة التي يكون التغاضي عنها أنفع للتربية وأحفظ للمودة، في البيوت ومناحي الحياة والعمل.

متى يكون السكوت حكمة والكلام واجبًا؟

تكتمل أركان التوجيه في وصية وهب بن منبه بقوله: «سكوتًا نطوقًا»، ليرسم معيار النطق والصمت، موضحاً أن قيمة الكلام تتحدد بالغايات والمقاصد التي يتجه إليها في واقعه السلوكي.

فيكون المرء نطوقاً بالخير والنصيحة والحق والتعليم وبث السلام، ويسكت عن فضول القول والغيبة والجدل العقيم الذي يثير الضغائن ولا يثمر معرفة أو صلاحاً في المجتمع.

وقد حدد الحديث النبوي الشريف هذا المعيار بشكل مباشر وقاطع، ليكون حارساً للسان وموجهاً لكل تصرف، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»(4).

وهذا الضابط لا يجعل الصمت فضيلة المطلقة في كل موقف؛ إذ إن الكلام يكون واجباً ومطلوباً عند الحجة وإحقاق الحق والنصح، بينما يكون الصمت حكمة عند اشتداد الفتنة وغياب المنفعة.

وفي عصر التواصل السريع، قد يشعر المرء بضغط التعبير عن رأيه في كل محادثة رقمية، لكن الامتناع عن المراء الواهي يعبر عن نضج أخلاقي وقدرة على التحكم في النفس.

طرق المخالطة دون الذوبان في الآخرين

تكشف الحكمتان معاً عن ميزان دقيق يحفظ استقلال النفس الإيماني والأخلاقي دون الانزلاق نحو الانعزال السلبي أو الذوبان في أهواء المجتمع ومجاملاته التي تخرم الأمانة.

فالأولى تحمي الإنسان من الوقوع أسيراً لثناء الناس وتقلبات مشاعرهم، بينما تمنعه الثانية من الانسحاب عن مسؤولياته ونفع الآخرين وقضاء حوائجهم والقيام بالحقوق المتبادلة.

وهذا التوازن يبني شخصية متزنة تستمع للثناء دون غرور، وتقبل النقد دون انكسار، وتخالط الناس دون تتبع زلاتهم، وتخدم المجتمع دون استسلام لأهوائهم أو التنازل عن مبادئها.

وقد حذر الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من الذوبان والتبعية للآخرين في قوله: «لاَ يَكَُن أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً: يَقُولُ: أَنَا مَعَ النَّاسِ، إِنْ أَحْسَنُوا أَحْسَنْتُ، وَإِنْ أَسَاءُوا أَسَأْتُ، أَلَا وَطِّئُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى أَنْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا أَنْ لاَ تَظْلِمُوا»(5).

فالاستقلال الحقيقي لا يعني قطيعة الناس، وإنما يعني احتفاظ المرء بميزانه الأخلاقي والشرعي قائماً على الصدق والعدل، فلا يتأثر قراره برضا الناس أو غضبهم على حساب الحق.

دستور وهب بن منبه للمخالطة الرشيدة

تؤكد حكم التابعي الجليل وهب بن منبه على منهج تربوي واعي يجمع بين البصيرة في طبائع النفوس وحسن المعاشرة الاجتماعية؛ فلا تجعل الثناء الكاذب معياراً للثقة، ولا تجعل أذى المخالطة مبرراً لقطع الحقوق والمصالح الواجبة، بل كن حاضراً بنفعك ومحافظاً على استقلال قلبك.

وهنا تبرز الزاوية الأساسية التي ركز عليها هذا المقال: إن المخالطة الرشيدة لا تتطلب الذوبان في أهواء المجتمع أو متابعة فضول القول، كما أن حفظ الدين لا يستلزم الاعتزال السلبي المخل بالحقوق؛ وإنما ينبغي للمؤمن أن يحقق الحضور الاجتماعي النافع بقلب متزن، من خلال وصية وهب البليغة: «كن فيهم أصم سميعاً، أعمى بصيرًا، سكوتًا نطوقًا»؛ ليكون سمعه للخير، وبصره للحقيقة مع التغافل عن الزلات، ونطقه بالنصيحة والعدل، ليخالط الناس بنفعه ويحفظ قلبه باستقلاله وتقواه.

الهوامش
  • 1 وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الأبناوي، أبو عبدالله، وُلد سنة 34 هـ، من جلة التابعين وثقات علماء اليمن، اشتهر بسعة علمه في أخبار الأمم السالفة (الإسرائيليات) ورواية الحديث، وعُرف بالحكمة والزهد وتولى القضاء، سكن مدينة صنعاء، وتوفي بها سنة 110هـ، وقيل: 114هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 545).
  • 3 سنن ابن ماجه (2/ 1338/ 4032).
  • 4 جامع العلوم والحكم (1/ 361/ 15).
  • 5 نقد «نصوص حديثية في الثقافة العامة» (26/ 64).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة