حين تختبر المناصب حرية الضمير
كيف يحمي الزهد استقلال العالم؟ طاووس بن كيسان وابن الخليفة
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنِ أَبي عَاصِمٍ النَّبِيْلُ قال: زَعَمَ لِي سُفْيَانُ،
قَالَ: جَاءَ ابْنٌ لِسُلَيْمَانَ بنِ عَبْدِالمَلِكِ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ
طَاوُوْسٍ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَقِيْلَ لَهُ: جَلَسَ إِلَيْكَ ابْنُ
أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، فَلَمْ تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ! قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ
يَعْلَمَ أَنَّ للهِ عُبَّاداً يَزْهَدُوْنَ فِيْمَا فِي يَدَيْهِ(1).
المشهد بالغ
القصر: رجل يجلس، وعالم لا يلتفت، وحاضرون يستغربون، ثم جملة واحدة تكشف القصد كله،
لكن خلف هذه الحركة الصامتة سؤال كبير عن علاقة العلم بالمال والجاه والسلطان: متى
يكون الاحترام أدبًا مشروعًا، ومتى تتحول المبالغة فيه إلى رسالة غير مقصودة، بأن
صاحب المنصب يملك من قلوب الناس كما يملك من دنياهم.
كيف يتحول الإعراض إلى رسالة تربوية واعية؟
مفتاح فهم
الحادثة في كلمة طاووس: «أردت»، فهو لم يقل: لم أعرفه، ولا: لم أنتبه إليه، ولا
أرجع الإعراض إلى جفاء عابر؛ بل جعله فعلًا مقصودًا يحمل رسالة تربوية: «أردت أن
يعلم أن لله عبادًا يزهدون فيما في يديه».
وهذا يضبط
القراءة من جهتين؛ الأولى: أن الموقف ليس دعوة إلى سوء الخلق مع أصحاب المناصب؛
فالشرع لم يجعل الجفاء فضيلة في ذاته، والثانية: أن طاووس رأى في هذا السياق حاجة
إلى كسر علاقة نفسية مألوفة بين صاحب الجاه ومن حوله: أن مجرد قربه يكفي لاستجلاب
الاهتمام والتعظيم.
ولهذا لم يقل:
«أردت أن يعلم أني أزهد»، بل قال: «أن لله عبادًا»، نقل القضية من ذاته إلى معنى
أوسع: لست أمام شخص يريد إثبات تفوقه عليك، وإنما أمام حقيقة ينبغي لصاحب الدنيا
أن يعرفها؛ ليس كل الناس أسرى لما تملك.
ويجد هذا المعنى
أصله القرآني في قوله تعالى: (وَلَا
تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)
(طه: 131)، وذكر المفسرون في نظيرها من سورة الحجر، أن النهي يتضمن صرف
القلب والبصر، عن التطلع إلى زخارف ما في أيدي الناس(2).
فالزهد الذي
جسده الموقف ليس تحريم المال، ولا بغض صاحبه لمجرد غناه، وإنما ألا تتحول ممتلكاته
إلى سلطان خفي على القلب.
وفي حياتنا
المعاصرة قد يتغير شكل «ما في يديه»: منصب، ترقية، تمويل، شهرة، شبكة علاقات أو
قدرة على فتح الأبواب وإغلاقها، ويظل الامتحان واحدًا: هل تتغير مبادئ الإنسان
وطريقة كلامه لمجرد أن الجالس أمامه يملك شيئًا يحتاج إليه؟
لماذا تسبق صفة المنصب حقيقة الإنسان وقيمته؟
رد فعل الحاضرين
مهم بقدر فعل طاووس نفسه: «جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه!» لم
يقولوا: جلس إليك فلان، بل أبرزوا صفته: ابن أمير المؤمنين.
وهنا يكشف النص
عن قوة الألقاب في تشكيل السلوك الاجتماعي، فالإنسان قد يعامل شخصًا بطريقة، ثم
يتغير تمامًا عندما يعرف منصبه أو اسم أبيه أو مقدار ثروته، اللقب يسبق الشخصية
أحيانًا إلى القلب، فيولد قدرًا من الانبهار لا يستند إلى فضيلة ذاتية.
جاءت السُّنة
لتضع لهذا التعظيم حدًا؛ فعن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار»(3)، وقد
وقع ذلك حين قام بعض الناس لمعاوية، فأمرهم بالجلوس وروى الحديث.
والمقصود ليس
منع كل قيام مشروع للترحيب أو الإعانة؛ فهذا باب له تفصيل عند الفقهاء، وإنما
الشاهد هنا ذم أن يحب الإنسان أن يُعظَّم لذاته ويستطيل بذلك على الناس، ولهذا كان
درس طاووس معاكسًا تمامًا لمنطق صناعة الهالة: جلس ابن الخليفة إلى جواره، فلم
تتحرك بوصلة العالم لمجرد النسب السياسي.
وهذا لا يهدم
الاحترام، وإنما يعيده إلى موضعه الصحيح، فالأدب شيء، وتحويل أصحاب المناصب إلى
طبقة تستحق من الاهتمام ما لا يستحقه سائر الناس شيء آخر.
كيف يحرر استغناء القلب صاحبه من التبعية؟
قول طاووس أدق
من أن يختزل في الفقر أو قلة الممتلكات، قال: «يزهدون فيما في يديه»، فالزهد هنا
علاقة قلبية بما يملكه الآخر.
قد يكون الإنسان
قليل المال لكنه شديد التطلع إلى مال أصحاب السلطان، فيكون فقير اليد غنيَّ الطمع،
وقد يملك غيره مالًا واسعًا، لكنه لا يبيع موقفه ولا كرامته بشيء، فيتحقق فيه من
الاستغناء ما لا يتحقق في الأول.
ولهذا جاءت كلمة
سفيان الثوري الشهيرة في تعريف الزهد أكثر دقة من الصورة الشائعة؛ قال: «الزهد في
الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء»(4)، وهي من المعاني
التي نقلها أهل التراجم عنه، فالزهد ليس عرضًا مسرحيًا للفقر، وإنما تحرير للقلب
من الاستعباد للدنيا.
وفي موقف قريب
من هذا المعنى ثبت عن سعيد بن المسيب أنه دعي إلى البيعة للوليد وسليمان، فأبى أن
يبايع لاثنين، واقترح عليه بعض من أراد السلامة له أن يغير مجلسه حتى لا يجده
الوالي، فأجاب بأنه لا يغير مقامًا أقامه منذ أربعين سنة، وتحمل ما أصابه بسبب
موقفه(5).
ولا يعني
استحضار موقف سعيد أن القضيتين الفقهيتين واحدة؛ ليستا كذلك، وإنما وجه الشاهد هو
الاستقلال الداخلي: ألا يصبح خوف فقد السلامة أو رضا أصحاب القوة كافيًا وحده
لتغيير ما يعتقد الإنسان أنه الحق.
ومن هنا تأتي
القيمة الحضارية للزهد، فحين يستغني العالم والمربي والمستشار عن الاسترضاء، تصبح
كلمته أكثر صدقًا؛ وحين يعلم صاحب النفوذ أن المال والمنصب لا يضمنان شراء الثناء،
تتكون حوله بيئة أكثر قدرة على قول الحقيقة.
أهمية التربية بالموقف والقدوة في سلوك العلماء.. طاووس بن كيسان نموذجاً
لم يعظ طاووس
ابن الخليفة أولًا عن الزهد، ولم يلق عليه خطابًا عن فناء الدنيا، بل جعل المعنى
يُرى قبل أن يُشرح، لم يلتفت إليه، ثم لما استغرب الناس فسّر الموقف.
وهذه من أقوى
صور التربية؛ لأن السلوك إذا سبق العبارة أعطاها صدقها، كان يمكن لطاووس أن يقول
عشرات الكلمات في الاستغناء، ثم يفرط في الاحتفاء بابن الخليفة، وعندها ستكون لغة
الجسد قد هدمت لغة اللسان.
وقد وعى السلف
خطر التناقض بين ما يدعو إليه الإنسان وما يمارسه، ولما تعرض سعيد بن المسيب للضغط
في قضية البيعة، اقترح عليه بعضهم مخرجًا شكليًا: يدخل من باب ويخرج من آخر حتى
يظن الناس أنه وافق، فأبى وقال: «والله لا يقتدي بي أحد من الناس»(6)، أي
إنه كان واعيًا بأن فعل العالم لا يبقى فعلًا شخصيًا، بل قد يتحول إلى قدوة يستند
إليها غيره.
وهذا بالضبط ما
يجعل أفعال أصحاب العلم والتربية أثقل وزنًا من أفعال غيرهم، فالطالب لا يتعلم من
كلام أستاذه وحده، والابن لا يحفظ موعظة أبيه فقط، والموظفون لا يقرؤون دليل القيم
المؤسسية فحسب؛ الجميع يراقب ما يحدث حين تدخل المصلحة الشخصية إلى الغرفة، فالتربية
بالموقف تقول: هذه المبادئ ليست للمنابر؛ إنها تعمل عندما يكون ثمنها حقيقيًا.
كيف يحمي صاحب النفوذ قلبه من الغرور؟
في المشهد طرف
آخر لا ينبغي أن يغيب؛ ابن الخليفة نفسه، قول طاووس: «أردت أن يعلم»، فهو يدل على
أن الرسالة موجهة إليه بقدر ما هي موجهة إلى الحاضرين، والذي يحتاج صاحب المكانة
إلى تعلمه ليس فقط أن بعض الناس لا يريدون ماله، بل أن عدم التفات شخص إليه لا
ينقص قدره، وهذه تربية نادرة لمن ينشأ محاطًا بالتوقير.
الإنسان إذا
اعتاد أن يفسح له الناس الطريق، ويقوموا عند دخوله، ويستمعوا لكلامه باهتمام زائد،
قد يختلط عليه مع الزمن احترام المنصب بقيمته الذاتية، وهنا يصبح وجود شخص لا يطمع
فيما عنده نوعًا من التصحيح النفسي.
وقد قدم معاوية
رضي الله عنه نموذجًا لافتًا في الاتجاه نفسه، لما قام له بعض أصحابه لم يرض لنفسه
أن يتغذى على هذا التعظيم، بل نهاهم وذكّرهم بوعيد النبي صلى الله عليه وسلم لمن
يحب أن يتمثل الرجال له قيامًا(7).
فالاستقامة لا
تحتاج إلى تربية الفقير على ألا يحسد الغني فقط؛ بل تحتاج كذلك إلى تربية الغني
وصاحب المنصب على ألا يظن أن ما في يده يمنحه حقًا زائدًا في قلوب البشر.
وهنا يلتقي
الزهد بالتواضع؛ الأول يحرر من لا يملك من الافتتان بما في يد غيره، والثاني يحرر
من يملك من الافتتان بنفسه.
كيف نميز بين عزة العالم واحتقار الآخرين؟
من الضروري ألا
يستخرج من موقف طاووس ما لم يقله، فالنص لا يقرر أن كل صاحب سلطة مذموم، ولا أن
الأدب مع أبناء الحكام مداهنة، ولا أن الإعراض عن الناس عبادة مستقلة، ولو كان
الأمر كذلك لما احتاج طاووس إلى تفسير فعله بقوله: «أردت أن يعلم..»، إنما كان
الإعراض في هذا السياق أداة لمقصد تربوي بعينه.
والميزان
القرآني يمنع أن تتحول مقاومة الانبهار بالسلطة إلى ظلم مضاد؛ قال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ
قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)،
ومن ثم فاستقلال العالم له صورتان يجب أن تجتمعا: ألا يبيع كلمته لصاحب النفوذ،
وألا يجعل استقلاله ذريعة إلى الكبر على الخلق.
الفرق بالغ
الدقة؛ فقد يرفض الإنسان التملق وهو متواضع، وقد يرفضه لأنه يحب أن يصنع لنفسه
بطولة مضادة، والفاصل بينهما هو المقصد والخلق.
طاووس -بحسب
عبارته نفسها- لم يقل: أردت أن يعرف قدري، بل: «أردت أن يعلم أن لله عبادًا..»، وهذا
التحول من «أنا» إلى «لله عباد» من أجمل ما في الرواية.
كيف تحمي النزاهة المؤسسات من طوق النفاق؟
ربما يكون أكثر
معاني الموقف حضورًا اليوم أن الاستقلال الأخلاقي يحتاج إلى قدر من الاستغناء، من
يخشى على كل شيء يملكه يصعب عليه أن يقول كل شيء يعتقده.
فالخبير الذي
يجعل مستقبله كله متعلقًا برضا جهة واحدة، والإعلامي الذي لا يستطيع البقاء إلا
إذا أرضى الممول، والموظف الذي يبني هويته كلها على القرب من المدير، قد يجدون
أنفسهم -بوعي أو دون وعي- يعدلون أحكامهم لتناسب صاحب المصلحة.
ولا يعني ذلك أن
يقطع الإنسان علاقاته بالمؤسسات أو أصحاب المال، وإنما أن يبني في داخله مساحة لا
يستطيع المقابل شراءها؛ وهذا هو جوهر عبارة طاووس: في يدك أشياء، لكنها ليست في
قلبي.
وبقدر ما توجد
في المجتمع شخصيات بهذه الصفة، يصبح أصحاب النفوذ أكثر اتصالًا بالحقيقة؛ لأنهم
يسمعون ممن لا يخشى فقد العطاء، ولا ينتظر العطاء أصلًا.
وحين يغيب هذا
النموذج، ينشأ حول صاحب القرار طوق من المجاملات؛ كل شخص يخبره بما يريد أن يسمعه،
حتى يفقد القدرة على رؤية الواقع كما هو.
ولهذا لم يكن
الزهد في تراث السلف انسحابًا من المجتمع بالضرورة؛ بل كان في بعض صوره ضمانة
لحماية الضمير من الارتهان.
والناظر فيما
سبق يجد أن المشهد قد يبدو في ظاهره متعلقًا بحركة صغيرة: هل التفت طاووس إلى ابن
الخليفة أم لم يلتفت؟ لكن القضية أعمق من الرأس والعين.
السؤال الحقيقي:
إلى ماذا يلتفت القلب؟ هل يلتفت تلقائيًا إلى المال؟ إلى النسب؟ إلى اللقب؟ إلى
القدرة على المنح والمنع؟ أم يبقى قادرًا على رؤية الإنسان بعيدًا عن الأشياء التي
تحيط به؟
لقد شرح طاووس
موقفه بنفسه، ولذلك لا نحتاج إلى تحميل الحادثة أكثر مما تحتمل: «أردت أن يعلم أن
لله عبادًا يزهدون فيما في يديه»، وهي عبارة تجمع درسًا للطرفين: لصاحب الدنيا،
حتى لا يظن أن ما في يده يشتري قلوب الجميع؛ ولمن حوله، حتى لا يستعبدهم البريق
الذي يملكه.
فالكرامة لا
تعني ازدراء الناس، والزهد لا يعني ترك المال، والاستقلال لا يعني الخصومة مع
أصحاب المناصب، إنما تعني جميعًا أن يظل في الإنسان موضع لا يستولي عليه إلا ما
يؤمن أنه حق.
وإذا احتاج صاحب
المال إلى من يذكره بأن المال لا يشتري كل شيء، واحتاج صاحب السلطة إلى من يذكره
بأن اللقب لا يصنع الفضل، فإن المجتمع كله يحتاج إلى نماذج تقول بسلوكها الهادئ:
ما في أيديكم قد يكون كثيرًا، لكنه ليس معيار ما في القلوب.
وتلك هي قوة المشهد: طاووس لم يقل لابن الخليفة إن الدنيا قليلة؛ بل جعله يرى إنسانًا لا تكبر الدنيا في عينه لمجرد أنها اجتمعت في يد من جلس إلى جواره.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً